ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 31 من 33

رسالة الغفران

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 31 من 331,371 كلمة في هذا الجزء

كأنّه كان نديمه على الطِّلاء، فلمّا رماه التّلف من غير بلاء، حرَّم عليه شربها، حتى تسكنه الرّاكدة تربها.

وسرَّتني فيئة الدّنانير إليه، فتلك أعوانٌ، تشتبه منها الألوان، ولها على النّاس حقوقٌ، تبرُّ إن خيف عقوق.

قال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيت في النّوم أن القيامة قد قامت وجيء بك وقد ألجمك العرق. فقال معاوية: هل رأيت ثمَّ من دنانير مصر شيئاً؟ وهذه لا ريب من دنانير مضر لم تجيء من عند السُّوق، ولكن من عند الملوك، ولم تكن مهر هلوك، فالحمد لله الذي سلَّمها إلى هذا الوقت ولم تكن كذهبٍ مخزونٍ، صار إلى الخمّارة مع الموزون، كما قال:

وخمَّارةٍ من بناتٍ المجوس

ترى الزِّقَّ في بيتها شائلا

وزنَّا لها ذهباً جامداً

فكالت لنا ذهباً سائلا

ولا ألغز عنها هذا البيت:

دنانيرنا من قرن ثورٍ، ولم تكن

من الذهب المضروب بين الصّفائح

لو رآها المرقِّش لعلم أنّها أحسن من وجوه حبائبه، لمَّا غدا الظّاعن بربائبه، فقال:

النَّشر مسكٌ، والوجوه دنا

نيرٌ، وأطراف الأكفِّ عنم

وإنها لأحسن من الوجوه التي ذكرها الجعدي، وزعم أن حسنها بديّ، فقال:

في فتوٍ شمّ العرانين أمثا

ل الدّنانير شفن بالمثقال

أخذت من جوائز كرامٍ صيدٍ، تارةً بالخدمة وتارة بالقصيد، ولم تكن في العيدية مرهناتٍ، ولا عند الغرض موهناتٍ، كما قال ردَّادٌ الكلابيُّ:

يطوي ابن سلمى بها عن راكبٍ بعراً

عيديَّة، أرهنت فيها الدّنانير

وهي عند البله والكيس، أجود من الخاتم الذي ذكره ابن فيسٍ، فقال:

إن ختمت جاز طين خاتمها

كما تجوز العبديّة العتق

أراد بالعبدية دنانير نسبها إلى عبد الملك بن مروان، ويقال إنّه أول من ضرب الدّنانير في الإسلام،وجلتّ عن نقد الصّيرفي، وهي الرّواجح لدى الميزان الوفّي، حاش الله أن تكون كما قال الفرزدق:

تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرةٍ

نفي الدّنانير تنقاد الصّياريف

وهذا البيت ينشد على وجهين: الدّنانير والدّارهيم،ولا هي من دنانير أيلة، باع بها البائع نخيله، وإنمّا ذكروا دنانير أيلة لأنهّا كانت في حيّز الرّوم فتأتيها الدَّنانر من الشام، قال:

وما هبرزي من دنانير أيلةٍ

بايدي الوشاة مشرقاً يتأكَّل

لوشاة: النقاشون الذين يشونه ولو رآها الضبيّ محرزٌ، لشهد أنهّا حين تبرز، أجلُّ من تلك القسمات وإن كانت في أوجه ذي سماتٍ، قال:

كأن دنانيراً عى قسماتهم

وإن كان قد شفّ الوجوه لقاء

ومعاذ الله أن نقرن بحوذان وادٍ، سقته روائح وغوادٍ، حتى إذا القيظ وهج، تمزّق ما لبس وانهج، قال الشاعر:

وربَّ وادٍ سقاه كوكب أمر

فيه الأوابد والأدم اليعافير

هبطته غادياً والشّمس شارقة

كأن حوذانه فيه الدّنانير

ولو أخذ مثلها النّادم على بيع كميته، لأسكنت البهجة في خلده وبيته، ولم يأسف أن عوض حماراً من فرس، ولوجد على الشّكوى ذا خرسٍ، ولم يقل:

ندمت على بيع الكميت، وأنمّا

حياة الفتى هم له وخسار

وامّا أتاني بالدنّانير سائمي

أصاخت وهشت للبياع نوار

وقالت: أتم البيع واشتر غيره

فحولك في المشتى بنون صغار

فأنفقت فيهم ما أخذت، ولم يزل

لدي شراب راهن وقتار

إلى أن تداعى الجند بالغزو وانجلت

غوم شتاء سحبهن غزا

وأعوزني مهر يكون مكانه

كأن ليس ين العالمين مهار

وسار على الخل المغذَّة صحبتي

وسرت وتحتي للشقاء حمار

ولله المنّة كما نجّاها بالقدر من بكورٍ، ليس من بكره بالمشكور، يحمل معه دنانير، ولا يصحب من القوم صنانير، أي بخلاء فيقيم بهم في الدَّسكرة أيامّاً، أيقاظاً في السكر أو نياماً، فتفني الذَّهب أقداح، كأنّها جزور الميسر وهي القداح قال الجعدي:

ود سكرةٍ صوت أبوابها

كصوت المواتح في الحوأب

سبقت إليها صياح الدّيوك

وصوت نواقي لم تضرب

وقال آخر:

وقبضةٍ من دنانير غدوت بها

للدّسكري وحولي فتية مح

ولم يزل ثمّ يسقينا ويأخذها

حتى استقلَّ بما في الصّرَّة القدح

ولو كان الشيخ أدرك من تقدم من الملوك، لكن كلّ واخد منها كالذي قال فيه القائل:

وأصفر من ضرب دار الملوك

يلوح على وجهه جعفر

يزيد على مائة واحداً

إذا ناله معشرٌ أيسروا

ودنانيره، بإذن الله، مقدَّسات، ما هنَّ بالحرج ملدسات،والحزامة من سومه وشيمه، فلا يدفع إلى مقارض شيئاً من عيمه أي مختاراته وفي الكتاب العزيز: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدَّه إليك " وهذا قيل لرسول الله ﷺ : وقد كان في زمانه من تخرج، يتضمخ بالنسك ويتأرخ، فأما اليوم فلو أمن كتابي على نميٍَّ، لأسرعت إليه الظنَّن إسراع رميّ والرَّمي ههنا سحاب سريع الإقشاع، من قول الهذلي:

أولئك و دعوت أتاك منهم

رجال مثل أرمية الحميم

وما عنيت بالكتابي، من نسب إلى توارةٍ وإنجيل، دون من نسب إلى القرآن البجيل،على أنّه لا بدّ من أمانةٍ مفترقة في البلاد، تكون للخيّر من التّلاد، وإنّها في الآخرة لأشرف، وأرحض لما يقترف، فليشفق على الصّبابة، إشفاق الندَّس ذي اللَّبابة، فكل واحدٍ منها دينار أعزةٍ، يبعث الرّابي على الهزّة، كما قال سحيم:

تريك غداة البين كفاً ومعصماً

ووجهاّ كدينار الأعزَّة صافيا

ولو نظر إليه قيس بن الخطيم لما شبّه به وجه كنوده، وجعله من أنصر جنوده، ولم يسمح أن يقول:

صرمت اليوم حبلك من كنودا

لتبدل وصلها وصلاً جديدا

عشيَّة طالعت فأرتك قصراً

محاسن فخمة منها وجيدا

ووجهاً خلته لمّا بدا لي

غداة البين ديناراً نقيدا

ولمثله قصد ربيعة بن المكدَّم، لمّا أيقن بحتفٍ مقدَّم، فقال:

شديّ علىَّ العصب أنَّ سيّار

فقد رزيت فارساً كالدّينار

أو ملكه مالك بن دينار مع زهده، وبلوغه في الورع أقصى جهده، لجاز أن يحجأ به على دينار أبيه، وقد يكذب قائل في التشبيه.

وكلّ هبرزيٍ من هذه الصُّفر المباركة، أبلغ في قضاء الحاجة من دينارٍ الذي اختاره للمأربة قائل هذا البيت:

هل أنت باعث دينارٍ لحاجتنا

أو عبد ربٍ أخا عون بن مخراق

وهذا البيت يتداوله النحويوّن، وزعم بعض المتأخرين من أهل العلم أنّه مصنوع، وما أجدره بذلك! فأمّا قول الفرزدق:

رأيت ابن دينارٍ يزيد رمى به

إلى الشام يوم العنز، والله قاتله

و كان دينار هذا المذكور كأحد هذه الدّنانير، لأرب به أن ينسب إليه يزيد،وأين هي من دنانير النّخَّة التي قال في واحدها القائل:

عميّ الذي منع الدّينار ضاحيّةّ

دينار نخَّة جرمٍ وهو مشهود

ودينار النَّخَّة دينار كان يأخذه المصدَّق إذا فرغ من الجباية،وكل نقيشٍ من هذه الرّاجعة بعد اليأس، أنقع لغليل الصَّديان، من دينار الذي دعاه لسقيه راكب فلاةٍ، وهو على كور علاةٍ فقال:

أقول لدينارٍ وهنَ شوائل

بنا كنعامٍ طالبات رئال

لكّ الويل أدركني بشربة آجن

من الماء، ما مشروبها بزلال

فما كاد دينار يغيث بنطفة

حشاشة نفسٍ آذنت بزوال

ولا هو كدينار الأخطل الذي ذكره في قوله:

كمت ثلاثة أحوال بطينتها

حتى اشتراها عبادي بدينار

لو وقع إلى عبادي لما مذل

به لخمَّار، ولو حسب في الضمَّار

ولا كالدّينار في البيت الذي أنشده أبو عمرو الزّاهد:

وفي الكتاب أسطر محكوكه

لا حظَّ في الدّينار للكاروكه

زعم أن الكاروكة القوادة،والعجب لها تفر من بنان السّارق، فرار دنانير الشَّارق، وصفها أبو الطيب فقال:

وألقى الشّرق منها في ثيابي

دنانيراً تفر من البنان

لو رآها كثيرَّ عزة لآلى أوكد أليةٍ، أنّها أحسن من الهرقليَّة، التي شبه بمنفردها نفسه فقال:

يروق عيون النّاظرين كأنّه

هرقلي وزنٍ، أحمر التبّر، راجح

وإن كانت زائدة على الثمانين

فقد أوفت على عدَّة أصحاب

موسى الذين جاء فيهم: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا " وعلى عدّة الاستغفار المذكور في قوله: " إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم " ، وعلى عدّة أذرع السّلسلة في قوله تعالى: " في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه " .

ولو كان الإنسان في قليب عمقه ثمانون قامةً، جاز أن تستنقذه هذه المصفرَّة من غير مرضٍ، والزّائلة بما يعترض من الجرض وإنّما ذكرت ذلك لقول الأعشى:

ولو كنت في جبٍ ثمانين قامةً

ورقيِّت أسباب السّماء بسَّلم

ولو كانت سنو زهير مثلها لما وصف نفه بالسآمة، ولكانت له أنهض قامة والقامة الأعوان، كأنّها جمع قائم. قال الرّاجز:

وقامني ربيعة بن كعب

حسبك ما عندهم وحسبي

ولو أدركه عروة بن حزام وهو يقول:

يكلفّني عمّي ثمانين ناقة

وما لي يا عفراء غير ثمان

لجاز أن يرقّ له فيغيثه من هذه الثّمانين ببعضها أو يسمح له بكلّها، لأنّه كريم طبع، وعوده في النُّوب عود نبعٍ؛ ولو صارت في يد عروة هذه الثمانون، لبلغ بها الأمنية لأنّ النّاقة في ذلك الزّمان كانت ربّما اشتريت بعشرةٍ دراهم.