ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 29 من 33

رسالة الغفران

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 29 من 331,796 كلمة في هذا الجزء

وبمسراك يا أميم إلينا!

عجباً ما جزعت من وحشة اللَّح

د ومن ظلمة القبور علينا!

وأعوذ بالله من قومٍ يحثُّهم المشيب على أن يستكثروا من أمّ زنبقٍ، كأنّها المنجية من بنت طبق،كما قال حاتم:

وقد علم الأقوام لو أنَّ حاتماً

أراد ثراء المال، كان له وفر

يفكُّ به العاني، ويؤكل طيِّباً

وليست تعرِّيه القداح ولا اليسر

أماويّ إن يصبح صداي بقفرةٍ

من الأرض، لا ماءٌ لديَّ ولا خمر

تري أنَّ ما أهلكت لم يك ضرَّني

وأنَّ يدي ممّا بخلت به صفر

وقال طرفة:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيَّتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي

وقال عبد الله بن المعتز:

لا تطل بالكؤوس مطلي وحبسي

ليس يومي، يا صاحبي، مثل أمسي

لاتسلني وسل مشيبي عنّي

مذ عرفت الخمسين أنكرت نفسي

فهذا حثتَّه كثرة سنيه على أن يستكثر من السُّلافة، وما حفظ حقَّ الخلافة، وإنّ العجب طمعه أن يبلي، كأنّه في العبادة شحب وبلي، ولكنّ القائل قال لمعاوية بن يزيد:

لقَّاها يزيدٌ عن أبيه

فخذها يا معاوي عن يزيدا!

وقد كان محمّد بن يزيد المبرَّد ينادم البحتريَّ ثمّ تركه.وأنا أضنُّ به، ميزّ الله من الغيظ قلب عدوِّه، أن يكون كأبي عثمان المازني: عوتب في الشّراب فقال: إذا صار أكبر ذنوبي تركته.

وأمّا إبراهيم بن المهديّ فقد أساء في تعريضه بالكأس لمحمّد بن حازم، ولكن من عبث بالبمَّ والزِّير، لم يكن في الدّيانة أخا تعزير. وقد روي أنّ المعتصم دعا إبراهيم كعادته فغنَّاه البيتين اللذين يقال فيهما: غنّى صوت ابن شكلة، وبكى إبراهيم، فقال له المتعصم: ما يبكيك؟ فقال: كنت عاهدت الله إذا بلغت ستين سنةً أن أتوب، وقد بلغتها. فأعفاه المعتصم من الغناء وحضور الشراب.

والتّوبة إذا لم تكن نصوحاً، لم يلف خلقها منصوحاً. وكان في بلدنا رجلٌ مغرمٌ بالقهوة، فلمّا كبر رغب في المطبوخ، وكان يحضر مع نداماه وبين يديه خرداذيُّ فيه مطبخةٌ، وعندهم قدحٌ واحدٌ، فيشرب هو من المطبوخ ويشرب صحابه من النيء، فإذا جاء القدح إليه ليشرب، غسله من أثر الخمر وشرب فيه، فإذا فرغ خرداذيُّ المطبوخ رجع فشرب من شراب إخوانه.

وأمّا مخاطبته غيره وهو يعني نفسه، فهو كقولهم في المثل: إيّاك أعني واسمعي يا جارة. ولا عندد عن الجبلَّة، يريد المتنسِّك أن ينصرف حبُّه عن العاجلة، وليس يقدر على ذلك، كما لو لا تقدر الظبية أن تصير لبؤةً، ولا الحصاة أن تتصوَّر لؤلؤةً: يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنَّك كنت من الخاطئين. وقول القائل في الدّعاء: اللّهم اجعل وصعي بازياً، يكون للسّفه مواذياً.

ولقد علمت ولا أنهاك عن خلق

أن لا يكون امرؤ إلاّ كما خلقا

وإنَّا لنجد الرّجل موقناً بالآخرة، مصدِّقاً بالقيامة، معترفاً بالوحدانية وهو يحجأ على النّابح بعظمٍ، وعلى الجارية بعارية نظمٍ، كأنّه في الأرض مخلدٌ، وإن فني سهلٌ وجلدٌ.

وكثير من الذين يتلون الآية: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلة مائة حبِّةٍ، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسعٌ عليم " . وهم بها مصدِّقون، ومن خشية إلههم مشفقون، يضنُّون بالقليل التافه ولا يسمحون للسّائل ولا الوافه، فكيف تكون حال من ينكر حديث الجزاء، ولا يقبل عن الفانية حسن العزاء؟ وقد مرّ به حديث أبي طلحة، أو أبي قتادة ومعناه أنهّ خاصم يهوديّاً إلى النبيّ صلّى الله وسلّم، وكان لأبي طلحة حديقة نخلٍ، وبينه وبين

اليهوديّ خلفٌ في نخلةٍ واحدةٍ. فقال النبيُّ ﷺ ، لليهوديّ: أتسمح له بالنخلة حتى أضمن لك نخلةً في لجنّة؟ ونعتها رسول الله ﷺ ، بنعوت أشجار الجنّة. فقال اليهوديُّ: لا أبيع عاجلاً بآجل. فقال أبو طلحة: أتضمن لي يا رسول الله كما ضمنت له حتى أعطه الحديقة؟ فقال: نعم. فرضي أبو طلحة بذلك. وأخذ اليهوديّ وذهب إلى حديقته، فوجد فيها امرأته وأبناءه وهم يأكلون من جناها، فجعل يدخل إصبعه في أفواههم فيخرج ما فيها من التمر، فقالت امرأته: لِمَ تفعل هذا ببنيك؟ فقال: إنّي قد

بعت الحديقة. فقالت: إن كنت بعتها بعاجلٍ فبئس ما فعلت! فقصَّ عليها الخبر، ففرحت بذلك.

ولو قيل لبعض عبَّاد هذا العصر: أعط لبنةً ذات قضَّةٍ، لتعطى في الآجلة لبنةً من فضَّة، لما أجاب. لو سئل أمةً عوراء، يعوَّض منها في الآخرة بحوراء، لما فعل. على أنّه من المصدِّقين، فكيف من غذي بالتكذيب، وجحد وقوع التّعذيب؟ وأمّا فاذوه فلقي طائر الحين، متكفياً من بين جناحين، فلا إله إلاَّ الله، ما أعدَّ المهراس، ليفضح به الرأس، ولكن لكلِّ أجل كتابٌ، والشرُّ يبكر وينتاب. منته نفسه التّوبة، فكانت كصاحبة امرىء القيس لمّا قال لها:

منَّيتنا بغدٍ وبعد غدٍ

حتى بخلت كأسوإ البخل

أبي الهذيل العلاف

ويحكى عن أبي الهذيل العلاَّف أنّه كان يمرُّ في الأسواق على حمارٍ ويقول: يا قوم احذروا توبة غلامي.وكان له غلامٌ يعد نفسه التّوبة، فسقطت عليه آجرةٌ فقتلته، والدّنيا الغرَّارة ختلته.

وأوّل ما سمعت بأخبار الشّيخ، أدام الله تأثيل لفضل ببقائه، من رجلٍ واسطيٍّ يتعرّض لعلم العروض، ذكر أنّه شاهده بنصيبين، وفيها رجلٌ يعرف بأبي الحسين البصري، معلماً لبعض العلويّة، وكان غلامٌ يختلف إليه يعرف بابن الدن، وقد اجتاز الشّيخ ببلدنا والواسطيُّ يومئذٍ فيه. وقد شاهدت عند أبي أحمد عبد السّلام بن الحسين المعروف بالواجكا رحمه الله، فلقد كان من أحرار النّاس كتباً عليها سماعٌ لرجلٍ من أهل حلب، وما أشكُّ أنّه الشّيخ، أيّد الله شخصه بالتّوفيق، وهو أشهر من الأبلق العقوق، لا يفتقر إلى تعريف

بالقريض، بل يصدح شرفه بغير التّعريض. قال البكريُّ النَّسابة لرؤبة: من أنت؟ قال: أنا ابن العجَّاج. قال: قصَّرت وعرَّفت. وإنّما هو في الاشتهار، كما سطع من ضوء نهارٍ، وكما قال الطائيُّ:

تحميه لألاؤه أو لو ذعيتَّه

من أن يذال بمن أو ممَّن الرّجل؟

وإن تناسخت الأمم في العصور، فهو عليُّ بن منصور الذي مدحه الجعفيُّ، فقال والخالق وفيّ:

في رتبةٍ حجب الورى عن نيلها

وعلا، فسمّوه عليَّ الحاجبا

حجب طلاب الأدب عن تلك الرّتبة، ونزل بالمشّامخة لا العتبة. وأمّا العلماء الذين لقيهم، فأولئك مصابيح النّاجية وكواكب الدّاجية، وإنَّ في النّظر إليهم لشرفاً، فكيف بمن اغترف من كلِّ بحرٍ وجد غرفاً؟ وإنّما أقول ذلك على الاقتصار، ولعلَّه قد نزف بحارهم بالقلم والفهم، وفتحوا له أغلاق البهم جمع بهمةٍ وهو الأمر الذي لا يهتدى له فأخذ عن الكتابيّ سور التنّزيل، وفاز بثواب جزيل،فكأنما لقنّه إيّاه الرّسول، وبدون تلك الدّرجة يبلغ السُّول. أو أخذها عن جبرئيل،فى غير ولا تبديل. وسهّلوا له ما صعب من جبال العربيّة،

فصارت حزونة كتاب سيبويه عنده كالدِّمات، وغني في اللُّجج عن ركوب الأرماث.

وأمّا انحيازه إلى أبي الحسن، رحمه الله، فقد كان ذلك الرّجل سيَّداً، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيَّداً، ولمن قوي منهم وادّاً، ودونه لللنوب محاداً، وكان كما قال القائل:

وإذا رأيت صديقه وشقيقه

لم تدر أيهما ذوو الأرحام

وكما قال الطّائيّ:

كلُّ شعبٍ كنتم به آل وهب

فهو عبي وشعب كل أديب

والمثل السّائر: على أهلها تجني براقش. وذكر الصُّوليّ أنّه دخل على المتَّقي بعدما قتل بنو حمدان محمّد بن رائق، فسأله عن أبيات نهشل بن حرِّيّ:

ومولىّ عصاني واستبدَّ برأيه

كما لم يطع بالبفتين قصير

فلما رأى ما غب أمري وأمره

وناءت بأعجاز الأمور صدور

تمنَّى نئيشاً أن يكون أطاعني

وقد حدثت بعد الأمور أمور

يقال: فعل كذا نئيشاً، أي بعدما فات، قال الشاعر:

إنّك يا قطين ولت منهم

لألأم مالك عقباً وريشاً

تناءت منكم عدس بن زيدٍ

فلم تعرفكم إلا نئيشاً

وما زال الشّبان المحسون من أنفسهم بالنهضة، يبغون ما شرف من المراهص، وكيف بالسّلامة من الواهص؟ والمثل السّائر: رأي الشّيخ خير من مشهد الغلام. وربمّا سار الطّالب سورّة، فواجهت من القدر زورةّ، إنّ الغفة من العيش، لتغني المجتهد عن البري والرّيش، ولكن لا موئل من القضاء المحتوم، وآهٍ من عمرٍ بالتّلف مختوم:

وسورة علمٍ لن تسَّدد، فأصبحت

وما يتمارى أنّها سورة الجهل

وأمّا حججه الخمس فهو، إن شاء الله، يستغني في المحشر بالأولى منهن، وينظر في المتأخرين من أهل العلم، فلا ريب أنّه يجد فيهم من لم يحجج، فيتصدّق عليهم بالأربع.

وكأنّي به وعماعم الحجيج، يرفعون التّلبية بالعجيج، وهو يفكر في تلبيات العرب وأنّها جاءت على ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطورٍ. فالمسجوع كقولهم:

ليبك ربنّا لَّبيك

والخير كله بيديك

والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرَّجز، والأخر من المنسرح، فالذي من الرَّجز كقولهم:

لبيك إن الحمد لك

والملك لا شريك لك

إلا شريك هو لك

تملكه وما ملك

أبو بناتٍ بفدك

فهذه من تلبيات الجاهليّة، وفدك يومئذ فيها أصنام، وكقولهم:

لبيك يا معطي الأمر

لبيّك عن بني النّمر

جئناك في العام الزَّمر

نأمل غيثاً ينهمر

يطرق بالسيّل الخمر.

والذي من المنسوج جنسان: أحدهما في آخره ساكنان، كقولهم:

لبيك ربَّ همدان

من شاحطٍ ومن دان

جئناك نبغي الإحسان

بكلّ حرفٍ مذعان

نطوي إليك الغيطان:

نأمل فضل الفغران

والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:

لبيك عن بجيلة

الفخمة الرّجيلة

ونعمت القبيلة

جاءتك بالوسيله

نؤّمل الفضيله

وربّما جاؤوا به على قوافٍ مختلفة، كما رورا في تلبية بكر بن وائل:

لبيك حقاً حقاً

تعبّداً ورقاً

جئناك النَّصاحه

لم نأت للرَّقاحه

والمشطور جنسان: أحدهما عند الخليل من الرّجز، كما روي في تلبية تميم:

لبيك لولا أنّ بكراً دونكا

يشكرك الناس ويكفرونكا

ما زال منّا عثج يأتونكا

والآخر من السريع وهو نوعان: أحدهما يلتقي فيه ساكنان كما يروون في تلبية همدان:

لبيك مع كل قبيلٍ لبوك

همدان أبناء الملوك تدعوك

قد تركوا أصنامهم وأنتابوك

فاسمع دعاءً في جميع الأملوك

قوهم: لبَوك، أي لزموا أمرك، ومن روى: لبَّوك، فهو سناد مكروه. والمشطور الذي لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:

لبيك عن سعدٍ وعن بنيها

وعن نساءٍ خلفها تعنيها

سارت إلى الرّحمة تجتنيها

والموزون من التلبية يجب أن يكون كلهّ من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعّلهم قد لبّوا به ولم تنقله الرّواة.

وكأني به لمّا اعتزم على استلام الرّكن، وقد ذكر البيتين اللذّين ذكرهما المفجع في حدَّ الإعراب:

لو كان حياّ قبلهن ظعائناً

حيَّا الحطيم وجوهنَّ وزمزم

لكنَّه عمّا يطيف بركنه

منهنَّ صمّاء الصدى مستعجم

فيعجب من خروجه من المذكَّر إلى المؤنث. وإذا حمل هذا على إقامة الصفّة مقام الموصوف لم يبعد. وكذلك يذكر قول الآخر:

ذكرتك والحجيج له عجيجٌ

بمكثة والقلوب لها وجيب

فقلت ونحن في بلدٍ حرامٍ

به لله أخلصت القلوب

أتوب إليك يا ربّاه ممّا

جنيت فقد تظاهرت الذّنوب

فأمّا من هوى ليلى وحبِّي

زيارتها، فإنِّي لا أتوب

فيقول: أليس قال البصريون إنَّ هاء النُّدبة لا تثبت في الوصل والهاء في قوله: يا ربَّاه، مثل تلك الهاء ليس بينهما فرقٌ؟ ولكن يجوز أن يكون مغزاهم في ذلك المنثور من الكلام، إذ كان المنظوم يحتمل أشياء لا يحتملها سواه،ولعلّه قد ذكر هذه الأبيات في الطَّواف:

أطوِّف بالبيت فيمن يطوِّف

وأرفع من مئزري المسبل

وأسجد باللّيل حتى الصّباح

وأتلو من المحكم المنزل