ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 6 من 33

رسالة الغفران

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 6 من 331,605 كلمة في هذا الجزء

على العالم نعمته، ووسعت كلَّ شيءٍ رحمته، ووقعت بالكافر نقمته. فيقول لإحداهنَّ على سبيل الامتحان: اعملي قول أبي أمامة، وهو هذا القاعد:

أمن آل ميَّة رائحٌ أو مغتد

عجلان ذا زادٍ وغير مزوَّد؟

ثقيلاً أوَّل. فتصنعه، فتجيء به مطرباً، وفي أعضاء السامع متسربّاً. ولو نحت صنمٌ من أحجار، أو دفٌّ أشر عند النَّجَّار، ثمّ سمع ذلك الصوت لرقص، وإن كان متعالياً هبط ولم يراع أن يوقص. فيرد عليه، أورد الله قلبه المحابّ، زولٌ، تعجز عنه الحيل والحول، فيقول: هلمَّ خفيف الثَّقيل الأوَّل! فتنبعث فيه بنغمٍ لو سمعه الغريض، لأقرَّ أنَّ ما ترنَّم به مريضٌ. فإذا أجادته، وأعطته المهرة وزادته، قال: عليك بالثقيل الثاني، ما بين مثالثك والمثاني؛ فتأتي به على قريٍّ لو سمعه عبد الله بن جعفر لقرن

أغانيَّ بديحٍ إلى هدير ذي المشفر. فإذا رأى ذلك قال: سبحان الله! كل ما كشفت القدرة بدت لها عجائب، لا تثبت لها النجائب؛ فصيري إلى خفيف الثقيل الثاني، فإنّك لمجيدةٌ محسنة، تطرد بغنائك السّنة. فإذا فعلت ما أمر به، أتت بالبرحين، وقالت للأنفس: ألا تمرحين؟ ثمَّ يقترح عليها: الرَّمل وخفيفه، وأخاه الهزج وذفيفة؛ وهذه ألألحان الثمانية، للأذن تمنيها المانية. فإذا تيقّن لها حذافةً، وعرف منها بالعود لباقةً، هلَّل وكبَّر، وأطال حمد ربَّه واعتبر. وقالك ويحك! ألم تكوني السّاعة إوزَّةً طائرة، والله خلقك مهديَّة لا حائرة؟

فمن أين لك هذا العلم، كأنّك لجذل النفس خلم؟ لو نشأت بين معبدٍ وابن سريج، لما هجت السامع بهذا الهيج، فكيف نفضت بله إوزّ، وهززت إلى الطَّرب أشدَّ الهزَّ؟ فتقول: وما الذي رأيت من قدرة بارئك؟ إنّك على سيف بحرٍ، لا يدرك له عبرٌ، سبحان من يحيي العظام وهي رميم.

لبيد

فبينا هم كذلك، إذ مرَّ شابٌ في يده محجن ياقوت، ملكه بالحكم الموقوت، فيسلّم عليهم فيقولون: من أنت؟ فيقول: أنا لبيد بن ربيعة بن كلاّب. فيقولون: أكرمت أكرمت! لو قلت: لبيدٌ وسكتّ، لشهرت باسمك وإن صمت. فما بالك في مغفرة ربَّك؟ فيقول: أنا بحمد الله في عيشٍ قصّر أن يصفه الواصفون، ولديَّ نواصف وناصفون، لا هرم ولا برم. فيقول الشيخ: تبارك الملك القدُّوس، ومن لا تدرك يقينه الحدوس، كأنَّك لم تقل في الدار الفانية:

ولقد سئمت من الحياة وطولها

وسؤال هذا النّاس: كيف لبيد

ولم تفه بقولك:

فمتى أهلك فلا أحفله

بجلى الآن من العيش بجل!

من حياةٍ قد مللنا طولها

وجديرٌ طول عيشٍ أن يملّ؟

فأنشدنا ميميتَّك المعلَّقة. ... فيقول: هيهات! إنَّي تركت الشعر في الدار الخادعة، ولن أعود إليه في الدار الآخرة، وقد عوضّت ما هو خيرٌ وأبرّ. فيقول: أخبرني عن قولك:

ترَّاك أمكنةٍ، إذا لم أرضها

أو، يرتبط بعض النُّفوس حمامها

هل أردت ببعض معنى كلٍّ؟ فيقول لبيدٌ: كلا، إنَّما أردت نفسي، وهذا كما تقول للرَّجل: إذا ذهب مالك، أعطاك بعض الناس مالاً، وأنت تعني نفسك في الحقيقة، وظاهر الكلام واقعٌ على كلّ إنسان، وعلى كلّ فرقة تكون بعضاً للناس..فيقول، لا فتىء خصمه مفحماً: أخبرني عن قولك: أو يرتبط، هل مقصدك: إذا لم أرضها أو يرتبط، فيكون: لم يرتبط؟ أم غرضك: أترك المنازل إذا لم أرضها، فيكون يرتبط كالمحمول على قولك: ترَّاك أمكنةٍ؟ فيقول لبيدٌ: الوجه الأوّل أردت. فيقول، أعظم الله حظّه في الثواب: فما مغزاك

في قولك:

وصبوح صافيةٍ وجذب كرينة

بموتَّر تأتاله إبهامها؟

فإن الناس يروون في هذا البيت على وجهين: منهم من ينشده تأتاله، يجعله تفتعله، من آل الشيء يؤوله إذا ساسه، ومنهم من ينشد: تأتاله من الإتيان. فيقول لبيدٌ: كلا الوجهين يحتمله البيت، فيقول، أرغم الله حاسده: إنّ أبا عليّ الفارسيّ كان يدّعي، في هذا البيت، أنَّه مثل قولهم: استحى يستحي، على مذهب الخليل وسيبويه لأنهما يريان أنَّ قولهم: استحيت، إنما جاء على قولهم استحاي، كما أن استقمت على استقام، وهذا على مذهبٌ ظريفٌ، لأنّه يعتقد أنّ تأتى مأخوذةٌ من أوى، كأنّه بني منها افتعل، فقيل:

ائتاي، فأعلّت الواو كما تعلُّ في قولنا: اعتان من العون، واقتال من القول. ثمّ قيل: ائتيت، فحذفت الألف، كما يقال: اقتلت. ثمّ قيل في المستقبل، بالحذف، كما قيل: يستحى. فيقول لبيدٌ: معترضٌ لعننٍ لم يعنه، الأمر أيسر ممّا ظنَّ هذا المتكلَّف. ويقول لبيدٌ: سبحان الله يا أبا بصير، بعد إقرارك بما تعلم، غفر لك وحصلت في جنّة عدن؟ فيقول مولاي الشيخ متكلّماً عن الأعشى: كأنّك يا أبا عقيلٍ تعني قوله:

وأشرب بالرّيف حتى يقا

ل: قد طال بالرّيف ما قد دجن

صريفيّةً طيّباً طعمها

تصفَّق ما بين كوبٍ ودنّ

وأقررت عيني من الغانيا

ت، إمَّا نكاحاً وإمّا أزنّ

وقوله:

فبتُّ الخليفة من بعلها

وسيَّد تيّا ومستادها

وقوله:

فظللت أرعاها، وظلَّ يحوطها

حتى دنوت إذ الظّلام دنا لها

فرميت غفلة عينه عن شاته

فأصبت حبَّة قلبها وطحالها

ونحو ذلك ممّا روي عنه؛ فلا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون قاله تحسيناً للكلام على مذهب الشُّعراء، وإمّا أن يكون فعله فغفر له. قل يا عبادي الذَّين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله، إنَّ الله يغفر الذُّنوب جميعاً، إنَّه هو الغفور الرَّحيم.. إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً. ويقول، رفع الله صوته، لنابغة بني جعدة: يا أبا ليلى، إنَّي لأستحسن قولك:

طيبّة النَّشر، والبداهة، وال

علاَّت، عند الرُّقاد والنَّسم

كأنَّ فاها، إذا تنبَّه، من

طيب مشيمٍّ وحسن مبتسم

يسنُّ بالضّرو من براقش، أو

هيلان، أو ضامرٍ من العتم

ركزّ في السام والزَّبيب، أقا

حيُّ كثيب، تعلُّ بالرّهم

بماء مزنٍ، من ماء دومة قد

جرّد في ليل شمال شبم

شجّت به قرقفٌ من الرّاح، إس

فنط عقارٍ، قليلة النَّدم

ألقي فيها فلجان من مسك دا

رين، وفلجٌ من فلفل ٍ ضرم

ردّت إلى أكلف المناكب، مر

سومٍ، مقيم في الطَّين؛ محتدم

جونٍ كجوز الحمار، جرَّدة ال

بيطار، لا ناقسٍ، ولا هزم

تهدر فيه، وساورنه كما

رجَّع هدرٌ من مصعبٍ قطم

أين طيب هذه الموصوفة، من طيب من تشاهده من الأتراب العرب؟ كلاّ والله! أين الأهل من الغرب؟ وأين فوها المذكّر، من أفواهٍ ما ولب إليها المنكر؟ إنَّها لتفضل على تلك، فضل الدُّرة المختزنة على الحصاة الملقاة، والخيرات الملتمسة على الأعراض المتّقاة. ما سامك أيّها الرَّجل وزبيبك؟ ما حسن في العاجلة حبيبك. وإنَّ ثغراً يفتقر إلى قضيب البشام ليجشم حليفه بعض الإجشام! لولا أنَّه ضري بالحبر ما افتقر إلى ضرو مطلوب، أو غصنٍ من العتم مجلوب. وما الماء الذي وصفته من دومة، وغيره ينافي اللَّومة؟ أليس

هو إن أقام أجن، ولا يدوم للماكث إذا دجن؟ وإن فقد برد الشَّمأل؛ رجع كغيره من السَّمل. تلقي الغسر فيه الهابة، وتشبُّه الغرَّاء الشابَّة. والغرَّاء: الهاجرة ذات السَّراب. وما قرقفك هذه المشجوجة، ولو أنّها للشّربة محجوبة؟ قربت من حاجتك فلا تنط، لا كانت الفيهج ولا الإسفنط؛ طالما ثملت في وفقتك فندمت، وأنفقت ما تملك فعدمت. ما عقارك وما فلجاك؟ زالت عن مقلتك دجاك ؟! ولو دخل مسك دارين، جنة ربّنا الموهوبة لغير الممارين، لعدَّ في ترابها الذَّفر كصيق المقتول، أو دنس قدمٍ مبتول. زعمت أنَّها

تطيّب بالفلفل، وشبهَّها غيرك بنسيم القرنفل ! إنّ في هذه المنزلة لنشراً، لا يزيد على نشر الفانية عشراً، ولكن يشفُّ بعددٍ لا يدرك، ليس وراءه مترك. نزاهة لهذه القهوة أن تدَّخر في أكلف مناكب، من حفظه عدَّ النّاكب! أصبح بطينها مرسوماً، وضع في المتربص وسوماً، فهو جون كجوز الحمار، لا سلم ذخراً للخمَّار! ليس بناقسٍ ولكن منقوص، ذمّه المتحنّف ومن فناؤه القوس تهدر فيه الصهباء المعتصرة وهي قرب نتاج، كالسِّقاب الموضوعة بغير خداج. فإذا وصلت سنَّ البازل بطل الهدير، وأدارها في الكأس مدير. ويخطر له،

جعل الله الإحسان إليه مربوباً، وودَّه في الأفئدة مشبوباً، غناء القيان بالفسطاط ومدينة السّلام. ويذكر ترجيعهنَّ ميميّة المخبَّل السّعدي فتندفع تلك الجواري التي نقلتهنّ القدرة من خلق الطَّير اللاقطة، إلى خلق حورٍ غير متساقطة، تلحِّن قول المخبَّل السَّعديّ:

ذكر الربَّاب وذكرها سقم

وصبا، وليس لمن صبا عزم

وإذا ألمَّ خيالها طرفت

عيني، فماء شؤونها سجم

كاللّؤلؤ المسجور توبع في

سلك النِّظام، فخانه النَّظم

فلا يمرُّ حرف ولا حركة، إلاَّ ويوقع مسرّةً لو عدلت بمسرّات أهل العاجلة، منذ خلق الله آدم إلى أن طوى ذرِّيته من الأرض، لكانت الزائدة على ذلك، زيادة اللّج المتموج على دمعة الطّفل، والهضب الشامخ على الهباءة المنتفضة من الكفل. ويقول لندمائه: ألا تسمعون إلى قول السّعديّ:

وتقول عاذلتي، وليس لها

بغدٍ، ولا ما بعده علم

إنَّ الثوّاء هو الخلود، وإ

نَّ المرء، يكرب يومه العدم

ولئن بنيت لي المشقَّر في

عنقاء، تقصر دونها العصم

لتنقِّبن عني المنيَّة إ

نَّ الله ليس كحكمه حكم

فيقول إنّه المسكين، قال هذه الأبيات، وبنو آدم في دار المحن والبلاء، يقبضون من الشّدائد على السُّلاّء؛ والوالدة تخاف المنيَّة على الولد، ولا يزال رعبها في الخلد؛ والفقر يرهب ويتَّقى، والمال يطلب ويستبقى؛ والسَّغب موجود والظَّماء، والكمه معروف والكماء؛ ولم يكفف للغير عنان، ولا سكنت بالعفو الجنان. فالحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن إنَّ ربَّنا لغفور شكور. الذي أحلَّنا دار المقامة من فضله، لا يمسُّنا فيها نصب ولا يمسُّنا فيها لغوب. فتبارك الله القدُّوس! نقل هؤلاء المسمعات من زيِّ ربَّات الأجنحة، إلى زيِّ ربات الأكفال

المترجِّحة؛ ثمّ ألهمهنَّ بالحكمة حفظ أشعارٍ لم تمرر قبل بمسامعهنَّ، فجئن بها متقنةً، محمولة على الطَّرائق ملحَّنة، مصيبةً في لحن الغناء، منزّهةً عن لحن الهجناء. ولقد كانت الجارية في الدار العاجلة، إذا تفرِّست فيها النَّجابة، وأحضرت لها الملحِّنة لتلقي إليها ما تعرف من ثقيلٍ وخفيف، وتأخذها بمأخذٍ غير ذفيف؛ تقيم معها الشّهر كريتاً، قبل أن تلقَّن كذباً حنبريتاً: بيتاً من الغزل أو بتيتن، ثم تعطى المائة أو المائتين. فسبحان القادر على كل عزيز، والمميِّز لفضله كلَّ مزيز.