ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 23 من 33

رسالة الغفران

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 23 من 331,786 كلمة في هذا الجزء

شاتم الدهر

وكان في عبد القيس شاعر يقال له " شاتم الدهر " ، وهو القائل:

ولما رأيت الدهر وعراً سبيله

وأبدى لنا وجهاً أزب مجدعا

وجبهة قرد كالشراك ضئيلة

وأنفاً، ولوى بالعثانين أخدعا

ذكرت الكرام الذاهبين أولي الندى

وقلت لعمرو والحسام: ألا دعا

وأما غيظه على الزنادقة والملحدين فأجره الله عليه، كما أجره على الظمأ في طريق مكة، واصطلاء الشمس بعرفة، ومبيته بالمزدلقة. ولا ريب أنه ابتهل إلى الله، سبحانه، في الأيام المعدودات والمعلومات، أن يثبت هضاب الإسلام، ويقيم لمن اتبعه النير من الأعلام. ولكن الزندقة داء قديم، طالما حلم بها الأديم. وقد رأى بعض الفقهاء أن الرجل إذا ظهرت زندقته ثم تاب فزعاً من القتل، لم تقبل توبته. وليس كذلك غيرهم من الكفار، لأن المرتد إذا رجع قبل منه الرجوع.

ولا ملة إلا ولها قوم ملحدون، يرون أصحاب شرعهم أنهم موالفون وهم فيما بطن مخالفون، ولا بد أن ينهتك مخادع، وتبدو من الشر جنادع.

وقد كانت ملوك فارس تقتل على الزندقة، والزنادقة هم الذين يسمون الدهرية، لا يقولون بنبوة ولا كتاب.

وبشار إنما أخذ ذلك عن غيره، وقد روي أنه وجد في كتبه رفعة مكتوب فيها: إني أردت أن أهجو فلان بن فلان الهاشمي فصفحت عنه لقرابته من رسول الله ﷺ . وزعموا أنه كان يشار سيبويه، وأنه حضر يوماً حلقة يونس بن حبيبٍ فقال: هل ههنا من يرفع خبراً؟ فقالوا: لا فأنشدهم:

بني أمية هبوا من رقادكم

إن الخليفة يعقوب بن داود

ليس الخليفة بالموجود فالتمسوا

خليفة الله بين الناي والعود

وكان في الحلقة سيبويه، فيدعي بعض الناس أنه وشى به.وسيبويه، فيما أحسب كان أجل موضعاً من أن يدخل في هذه الدنيات، بل يعمد لأمور سنيات وحكى عنه أنه عاب عليه قوله:

على الغزلى من السلام، فطال ما

لهوت بها في ظل مخضرة زهر

فقال سيبويه: لم تستعمل العرب الغزلى، فقال بشار: هذا مثل قولهم البشكى والجمزي، ونحو ذلك. وجاء بشار في شعره بالنينان( جمع نونٍ من السمك) فيقال إنه أنكره عليه، وهذه أخبار لا تثبت. وفيما روي في كتاب سيبويه أن النون يجمع على نينان، فهذا نقض للخبر.

وذكر من نقل أخبار بشار أنه توعد سيبويه بالهجاء، وأنه تلافاه واستشهد بشعره. ويجوز أن يكون استشهاده به على نحو ما يذكره المتذاكرون في المجالس ومجامع القوم. وأصحاب بشارٍ يروون له هذا البيت:

وما كل ذي لبٍ بمؤيتك نصحه

وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب

وفي كتاب سيبويه نصف هذا البيت الآخر، وهو في باب الإدغام لم يسم قائله. وزعم غيره أنه لأبي الأسود الدؤلي. ويقال: إن يعقوب بن داود وزير المهدي تحامل بشار حتى قتل، واختلف في سنه: فقيل كان يومئذ ابن ثمانين سنة، وقيل أكثر، والله العالم بحقيقة الأمر،ولا أحكم عليه بأنه من أهل النار، وإنما ذكرت ما ذكرت فيما تقدم لأني عقدته بمشيئة الله، وإن الله لحليم وهاب.

وذكر صاحب كتاب الورقة جماعة من الشعراء في طبقة أبي نواس ومن قبله، ووصفهم بالزندقة، وسرائر الناس مغيبة، وإنما يعلم، بها علام الغيوب. وكانت تلك الحال تكتم في ذلك الزمان خوفاً من السيف، فالآن ظهر نجيث القوم، وانغاصت التريكة عن أخبث رأل.

وكان في ذلك العصر رجل له أصدقاء من الشيعة وصديق زنديق، فدعا المتشيعة في بعض الأيام، فجاء الزنديق فقرع حلقة الباب وقال:

أصبحت جم بلابل الصدر

متقسم الأشجان والفكر

قال صاحب المنزل: ويحك! مم ذا؟ فتركه الزنديق ومضى، فلقيه صاحب المأدبة فقال له: يا هذا، أردت أن توقعني فيما أكره( خوفاً من أن يظن أصدقاؤه أنه زنديق) فقال: ادعهم ثانية وأعملني بمكانهم. فلما حصلوا عنده، جاء الزنديق فقال:

أصبحت جم بلابل الصدر

متقسم الأشجان والفكر

فقالوا: ويحك! مما ذا؟ فقال:

مما جناه على أبي حسن

عمر وصاحبه أبو بكر

وانصرف. ففرح الشيعة بذلك، ولقيه صاحب المنزل فقال: جزيت عني خيراً، فقد خلصتني من الشبهة! وكان يجلس في مجلس البصرة جماعة من أهل العلم، وكان فيهم رجل زنديق له سيفان، قد سمى أحدهما " الخير " والآخر " الفلح " فإذا سلم عليه رجل من المسلمين قال: صبحك الخير ومساك الفلح ثم يلتفت لأصحابه الذين قد عرفوا مكان السيفين فيقول:

سيفان كالبرق إذا البرق لمح

فأما قول الحكمي: تيه مغن وظرف زنديق فقد عيب عليه هذا المعنى، وقيل: إنه أراد رجلاً من بني الحارث كان معروفاً بالزندقة والظرف، وكان له موضع من السلطان،وقوله في صدر هذا البيت:

نديم قيلٍ محدثه ملكٍ

فهو نحو من قول امريْ القيس:

فاليوم أشرب غير مستحقب

إثماً من الله ولا واغل

وليس ينبغي أن يحمل على قول من وقف على الهاء كما قال: يا بيذره، يا بيذره، يا بيذره وكما قال الآخر:

يا رب أباز من العصم صدع

تقبض الظل عليه فاجتمع

لما رأى ألا دعه ولا شبع

مال إلى أرطأة حقف فاضطجع

لأن هذأ حسن فيه إظهار الهاء، إذ كان الكلام تاماً يحسن عليه السكوت، وقوله: محدثه ملك، مضاف ومضاف إليه، فلا يحسن فيه مثل ذلك، إذ كان الاسمان كاسم واحد.

صالح بن عبد القدوس

وأما صالح بن عبد القدوس فقد شهر بالزندقة، ولم يقتل، ولله العلم، حتى ظهرت عنه مقالات توجب ذلك. ويروى لأبيه عبد القدوس:

كما أهلكت ملكة من زائرٍ

خربها الله وأبياته

لا رزق الرحمن أحياءها

وأشوت الرحمة أمواتها

وقد كان لصالح ولد حبس على الزندقة حبساً طولاً، وهو الذي يروى له:

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

فما نحن بالأحياء فيها ولا الموتى

إذا ما أتانا زائر متفقد

فرحنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا

وأما رجوعه عن الزندقة لما أحس بالقتل، فإنما ذلك على سبيل الختل. فصلى الله على محمد، فقد روي عنه أنه قال: " بعثت بالسيف، والخير في السيف، والخير بالسيف " . وفي حديث آخر: لا تزال أمتي بخير ما حملت السيوف " . والسيف حمل صالحاً على التصديق، ورده عن رأي الزنديق، وتلك آية من آيات الله إذا هي ظهرت للنفس الكافرة، فقد فني لا ريب زمانها، ولا يقبل هناك إيمانها: " لم تكن آمنت من قبل " وللسفه طل ووبل.

وأما " القصار " فجهل يجمع ويصار، ولو تبع حقاً مقروباً، لكفي سماً مشروباً، ولكن الغرائز أعاد، ولا بد من لقاء الميعاد.

وأما المنسوب إلى الصناديق، فإنه يحسب من الزناديق. وأحسبه الذي كان يعرف بالمنصور، ظهر سنة سبعين ومائتين، وأقام برهة باليمن، وفي زمانه كانت القيان تلعب بالدف وتقول:

خذي الدف يا هذه والعبي

وبثي فضائل هذا النبي

تولى نبي بني هاشم

وقام نبي بني يعرب

فما نبتغي السعي عند الصفا

ولا زورة القبر في يثرب

إذا القوم صلَّوا فلا تنهضي

وإن صوّموا فكلي واشربي

ولا تحرمي نفسك المؤمنين

من أقربين ومن أجنبي

فكيف حللت لذاك الغريب

وصرت محرمة للأب؟

أليس الغراس لمن ربّه

وروّاه في عامه المجدب؟

وما الخمر إلا كماء السحا

ب طلق، فقد ست من مذهب

فعلى معتقد هذه المقالة بهلة المبتهلين. وهذه الطبقة، لعنها الله، تستعبد الطغام بأصناف مختلفة، فإذا طمعت في دعوى الربوبية لم تتئب في الدعوى، ولا لها عما قبح رعوى، وإذا علمت أن في الإنسان تميزاً، أرته إلى ما يحسن تحيزاً. وقد كان باليمن رجل يحتجب في حصن له، ويكون الواسطة بينه وبين الناس خادماً له أسود قد سماه جبريل، فقتله الخادم في بعض الأيام وانصرف. فقال بعض المجان:

تبارك الله في علاه

فر من الفسق جبرئيل

فظل من تزعمون رباً

وهو على عرشه قتيل

ويقال إنه حمله على ذلك ما كان يكلفه من الفسق.

وإذا طمع بعض هؤلاء، فإنه لا يقتنع بالإمامة ولا النبوة. ولكنه يرتفع صعداً في الكذب، ويكون شربه من تحت العذب ( أي الطُّحلب.) ولم تكن العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم. بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء. وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي.

وكان ربيعة بن أمية بن خلفٍ الجمحي، جرى له مع أبي بكر الصديق، رحمة الله عليه، خطب، فلحق بالروم، ويروى أنه قال:

لحقت بأرض الروم غير مفكرٍ

بترك صلاة من عشاء ولا ظهرِ

فلا تتركوني من صبوح مدامةٍ

فما حرم الله السلاف من الخمرِ

إذا أمرت تيم بن مرة فيكم

فلا خير في أرض الحجاز ولا مصرِ

فإن يك إسلامي هو الحق والهدى

فإني قد خليته لأبي بكرِ

وافتن الناس في الضلالة حتى استجازوا دعوى الربوبية، فكان ذلك تنطساً في الكفر، وجمعاً للمعصية في المزاد الوفر. وإنما كان أهل الجاهلية يدفعون النبوة ولا يجاوزون ذلك إلى سواه.

ولما أجلى عمر بن الخطاب، رحمة الله عليه، أهل الذمة عن جزيرة العرب، شق ذلك على الجالين، فيقال إن رجلاً من يهود خيبر يعرف بسمير بن أدكن قال في ذلك:

يصول أبو حفصٍ علينا بدرةٍ

رويدك إن المرء يطفو ويرسب

كأنك لم تتبع حمولة ماقطٍ

لتشبع، إن الزاد شيء محبب

فلو كان موسى صادقاً ما ظهرتم

علينا ولكن دولة ثم تذهب

ونحن سبقناكم إلى المين فاعرفوا

لنا رتبة البادي الذي هو أكذب

مشيتم على آثارنا في طريقنا

وبغيتكم في أن تسودوا وترهبوا

وما زال اليمن منذ كان، معدناً للمتكسبين بالتدين، والمحتالين على السحت بالتزين. وحدثني من سافر إلى تلك الناحية، أن به اليوم جماعة كلهم يزعم أنه القائم المنتظر، فلا يعدم جباية من مالٍ، يصل بها إلى خسيس الآمال.

وحكي لي أن للقرامطة بالأحساء بيتاً يزعمون أن إمامهم يخرج منه، ويقيمون على باب ذلك البيت فرساً بسرجٍ ولجام، ويقولون للهمج والطغام: هذا الفرس لركاب المهدي، يركبه متى ظهر بحق بديٍ. وإنما غرضهم بذلك خدعُ وتعليل، وتوصل إلى المملكة وتضليل. ومن أعجب ما سمعت أن بعض رؤساء القرامطة في الدهر القديم، لما حضرته المنية جمع أصحابه وجعل يقول لهم لما أحس بالموت: إني قد عزمت على النقلة، وقد كنت بعثت موسى وعيسى ومحمداً، ولا بد لي أن أبعث غير هؤلاء! فعليه اللعنة، لقد كفر أعظم

الكفر، في الساعة التي يجب أن يؤمن فيها الكافر، ويؤوب إلى آخرته المسافر.

وأما الوليد بن يزيد فكان عقله عقل وليد، وقد بلغ سن الكهل الجليد، ما أغنته نية سابجة، ولا نفعت البنابجة. وشغل عن الباطية، بجريرة النفس الخاطية. دحاه إلى سقر داحٍ، فما يغترف بالأقداح. وقد رويت له أشعار، يلحق به منها العار، كقوله:

أدنيا مني خليلي

عبد لا دون الإزار

فلقد أيقنت أني

غير مبعوثٍ لنار

واتركا من يطلب الجن

ة يسعى في خسار

سأروض الناس حتى

يركبوا دين الحمار

فالعجب لزمان صير مثله إماماً، وأورده من المملكة جماماً ولعل غيره ممن ملك يعتقد مثله أو قريباً، ولكن يساتر ويخاف تثريباً. ومما يروى له:

أنا الإمام الوليد مفتخراً

أجر بردي، وأسمع الغزلا

أسحب ذيلي إلى منازلها

ولا أبالي من لام أو عذلا

ما العيش إلى سماع محسنةٍ

وقهوة تترك الفتى ثملا

لا أرتجي الحور في الخلود وهل

يأمل حور الجنان من عقلا؟

إذا حبتك الوصال غانية

فجازها بذلها كمن وصلا

ويقال إنه لما أحيط به، دخل القصر وأغلق بابه وقال:

دعوا لي هنداً والرباب وفرتنى

ومسمعة، حسبي بذلك مالا

خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم

فليس يساوي بعد ذاك عقالا

وخلوا سبيلي قبل عير وما جرى

ولا تحسدوني أن أموت هزالا

فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورئي رأسه في فم كلب. كذلك نقل بعض الرواة، والله القائم بجزاء الغواة. ولا حيلة للبشر في أم دفرٍ، أعيت كل حضرٍ وسفرٍ. كان حق الخلافة أن تفضي إلى من هو بنسكٍ معروف، لا تصرفه عن الرشد صروف، ولكن البلية خلقت مع الشمس، فهل يخلص من سكن في رمس؟ وأما أبو عيسى بن الرشيد، فليس بالناشد ولا النشيد. وإن صح ما روي عنه فقد باين بذلك أسلافه، وأظهر لأهل الديانة خلافه.

وما يحفل ربه بالعبيد صائمين للخيفة ولا مفطرين، ولكن الإنس غدوا محظرين. وربما كان الجاهل أو المتجاهل، ينطق بالكلمة وخلده بضدها آهل، وإنما أقول ذلك راجياً أن أبا عيسى ونظراءه، لم يتبعوا في الغي أمراءه، وأنهم على سوى ما علن يبيتون، لقد وعظهم الميتون.