عمرو بن كلثوم
فليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم، فيقال: ها هوذا من تحتك، إن شئت أن تحاوره فحاوره. فيقول: كيف أنت أيُّها المصطبح بصن الغانية، والمغتبق من الدُّنيا الفانية؟ لوددت أنَّك لم تساند في قولك:
كأنَّ متونهنَّ متون غدرٍ
تصفِّقها الرَّياح إذا جرينا
فيقول عمروٌ: إنك لقرير العين لا تشعر بما نحن فيه، فأشغل نفسك بتمجيد الله واترك ما ذهب فإنّه لا يعود. وأمّا ذكرك سنادي، فإنَّ الإخوة ليكونون ثلاثةً أو أربعةً، ويكون فيهم الأعرج أو الأبخق فلا يعابون بذلك، فكيف إذا بلغوا المائة في العدد، ورهاقها في المدد؟ فيقول:أعزز عليَّ بأنَّك قصرت على شرب حميم، وأخذت بعملك الذّميم، من بعد ماكانت تسبأ لك القهوة من خُصٍ أو غير خصّ، تقابلك بلون الحصّ.
وقالوا في قولك سخيناً قولين: أحدهما أنّه فعلنا من السّخاء والنون نون المتكلمين، والآخر أنّه من الماء السّخين لأنَّ لأندرين وقاصرين كانتا في ذلك الزمن للرُّوم، ومن شأنهم أن يشربوا الخمر بالماء السَّخين في صيفٍ وشتاءٍ،ولقد سئل بعض الأدباء بمدينة السِّلام عن قولك:
فما وجدت كوجدي أمُّ سقبٍ
أضلَّته فرجعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها
لها من تسعة إلاّ جنينا
هل يجوز نصب شمطاء. فلم يجب بشيء، وذلك يجوز عندي من وجهين: أحدهما على إضمار فعلٍ دلَّ عليه السامع معرفته به، كأنَّك قلت: ولا أذكر شمطاء، اي إنَّ حنينها شديدٌ، ويجوز أن يكون على قولك: ولا تنسَ شمطاء، أو نحو ذلك من الأفعال، وهذا كقولك: إنَّ كعب بن مامة جوادٌ ولا حاتماً، أي ولا أذكر حاتماً، أي إنَّه جوادٌ عظيم الجود، قد استغنيت عن ذكره باشتهاره،والآخر، أن يكون من ولاه المطر إذا سقاه السَّقية الثانية، أي هذا الحنين اتَّفق مع حنيني، فكأنَّه قد صار له
وليّاً، ويحتمل أن يكون من ولي يلي، وقلب الياء على اللغة الطائيّة.
وينظر فإذا الحارث اليشكريُ فيقول: لقد أتبعت الرُّواة في تفسير قولك:
زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العي
ر موالٍ لنا، وأنَّا الولاء
وما أحسبك أردت إلا العير الحمار. ولقد شنَّعت هذه الكلمة بالإقواء في ذلك البيت، ويجوز أن تكون لغتك أن تقف على آخرالبيت ساكناً، وإذا فعلت ذلك،اشتبه المطلق بالمقيَّد، وصارت هذه القصيدة مضافةً إلى قول الراجز:
دارٌ لظميا وأين ظميا
أهلكت أم هي بين الأحبا
وبعض الناس من ينشد قولك:
فعشن بخيرٍ لا يضر
ك النُّوك ما أعطيت جدًّا
فيجمع بين تحريك الشِّين وحذف الياء، من: عاش يعيش، وذلك رديٌ. ومنه قول الآخر:
متى تشئي يا أمَّ عثمان تصرمي
وأوذنك إيذان الخليط المزايل
وإنّما الكلام: متى تشائي، لأنَّ هذا السّاكن إذا حُرُّك عاد الساكن المحذوف. ولقد أحسنت في قولك:
لا تكسع الشُّول بأغبارها
إنَّك لا تدري من النَّاتج
وقد كانوا في الجاهليَّة يعكسون ناقة الميت على قبرة، ويزعمون أنَّه إذا نهض لحشره وجدها قد بعثت له فيركبها فليته لا يهص بثقله منكبها. وهيهات! بل حشروا عراةً حفاةً بهماً أي غرلاً وتلك البليَّة ذكرت في قولك:
أتلهَّى بها الهواجر إذ ك
لُّ ابن همٍّ بليَّةٌ عمياء
طرفة بن العبد
ويعمد لسؤال طرفة بن العبد فيقول: يا ابن أخي يا طرفة خفَّف الله عنك، أتذكر قولك:
كريم يروِّي نفسه في حياته
ستعلم إن متنا غداً أيُّنا الصَّدي
وقولك:
أرى قبر نحّامٍ بخيلٍ بما له
كقبر غويٍّ في البطالة مفسد
وقولك:
متى تأتني، صبحك كأساً رويَّةً
وإن كنت عنها غانياً، فاغن وازدد
فكيف صبوحك الآن وغبوقك؟ إنّي لأحسبهما حميماً، لا يفتأ من شربهما ذميماً. وهذا البيت يتنازع فيه: فينّسبه إليك قومٌ، وينسبه آخرون إلى عدىّ بن زيدٍ، وهو بكلامك أشبه، والبيت:
واصفر مضبوحٍ نظرت حويره
على النار، واستودعته كفَّ مجمد
وأشدَّ ما اختلف النُّحاة في قولك:
أألاأيُّهاذا الزَّاجري أحضر الوغى
وأن أشهد اللَّذات، هل أنت مخلدي؟
وأمّا سيبويه فيكره نصب أحضر، لأنّه يعتقد أنَّ عوامل الأفعال لا تضمر. وكان الكوفيَّون ينصبون أحضر بالحرف المقدَّر، ويقوَّي ذلك: وأن أشهد اللَّذات، فجئت بأن، وليس هذا بأبعد من قوله:
مشائيم ليسوا مصلحين قبيلةً
ولا ناعبٍ إلاّ ببينٍ غرابها
وقد حكى المازنيُّ عن عليّ بن قطربٍ أنَّه سمع أباء قطرباً، يحكي عن بعض العرب نصب أحضر. ولقد جئت بأعجوبةٍ في قولك:
لو كان في أملاكنا ملكٌ
يعصر فينا، كالّذي تعصر
لاجتبت صحني العراق على
حرفٍ أمونٍ، دفُّها أزور
متَّعني يوم الرّحيل بها
فرعٌ تنقَّاه القداح يسر
ولكنّك سلكت مسالك العرب، فجئت بقريِّ كلمة المرقِّش:
هل بالدَّيار أن تجيب صمم؟
لو كان حيّاً ناطقاً كلُّم
وقول الأعشى: أقصر فكلُّ طالبٍ سيملّ على أنَّ مرقِّشاً خلط في كلمته فقال:
ماذا علينا أن غزا ملكٌ
من آل جفنة ظالمٌ مرغم
وهذا خروجٌ عمَّا ذهب إليه الخليل. ولقد كثرت في أمرك أقاويل النَّاس: فمنهم من يزعم أنَّك في ملك النُّعمان اعتقلت، وقال قومٌ: بل الذي فعل بك ما فعل عمرو بن هندٍ. ولو لم يكن لك أثرٌ في العاجلة إلا قصيدتك التي على الدال، لكنت قد أبقيت أثراً حسناً. فيقول طرفة: وددت أنّي لم أنطق مصراعاً،وعدمت في الدار الزّائلة إمراعاً، ودخلت الجنَّة مع الهمج والطَّغام، ولم يعمد لمرسي بالإرغام،وكيف لي بهدءٍ وسكون، أركن إليه بعض الركون؟ " وأمّا القاسطون فكانوالجهنِّم حطباً " .
ويلفت عنقه يتأمّل، فإاذ هو بأوس بن حجر، فيقول: يا أوس، إنَّ أصحابك لا يجيبون السائل فهل لي عندك من جوابٍ؟ فإنِّي أريد أن أسألك عن هذا البيت:
وفارقت وهي لم تجرب، وباع لها
من الفصافص بالنُّمِّيِّ سفسير
فإنّه في قصيدتك التي أوِّلها:
هل عاجلٌ من متاع الحيِّ منظور
أم بيت دومة بعد الوصل مهجور
ويروي في قصيدة النَّابغة التي أوَّلها:
ودِّع أمامة والتّوديع تعذير
وماوداعك من قفَّت به العير
وكذلك البيت الذي قبله:
قد عرِّيت نصف حولٍ اشهراً حدداً
يسفي على رحلها في الحيرة المور
وكذلك قوله:
إنّ الرَّحيل إلى قومٍ، وإن بعدوا
أمسوا ومن دونهم ثهلان فالنِّير
وكلاكما معدودٌ في الفحول، ايِّ شيءٍ يحمل ذلك؟ فلم تزل تعجبني لاميَّتك التي ذكرت فيها الجرجة وهي الخريطة من الأدم فقلت لمّا وصفت القوس:
فجئت ببيعتي مولياً لا أزيده
عليه بها، حتَى يؤوب المنخَّل
ثلاثة أبرادٍ جيادٍ، وجرجةٌ
وأدكن من أري الدَّبور معسَّل
فيقول أوسٌ: قد بلغني أنَّ نابغة بني ذبيان في الجنَّة، فأسأله عمَا بدا لك فلعلَّه يخبرك، فإنَّه أجدر بأن يعي هذه الأشياء، فأمَّا أنا فقد ذهلت: نارٌ توقد، وبنانٌ يعقد؛ إذا غلب عليَّ الظَّمأ، رفع لي شيءٌ كالنّهر، فإذا اغترقت منه لأشرب، وجدته سعيراً مضطرماً، فليتني أصبحت درماً، وهو الذي يقال فيه: أودى درمٌ. وهو من بني دبِّ بن مرَّة بن ذهل بن شيبان ولقد دخل الجنَّة من هو شرَّ منِّي، ولكنَّ المغفرة أرزاقٌ، كأنَّها النَّشب في الدار العاجلة. فيقول، صار وليُّه من المتبوعين، وشانئه
بالسفَّه من المسبوعين: إنّما أردت أن آخذ عنك هذه الألفاظ، فأتحف بها أهل الجنَّة فأقول: قال لي أوسٌ، وأخبرني أبو شريح. وكان في عزمي أن أسألك عمّا حكاه سيبويه في قولك:
تواهق رجلاها يداه، ورأسه
لها قتبٌ خلف الحقيبة رادف
فإنَّي لا أختار أن ترفع الرِّجلان واليدان، ولم تدع إلى ذلك ضرورةٌ،لأنِّك لو قلت: تواهق رجليها يداه لم يزغ الوزن؛ ولعلَّك، إن صحَّ قولك لذلك، أن تكون طلبت المشاكهة، وهذا المذهب يقوى إذا روي: يداها بالإضافة إلى المؤنَّث، فأمَّ في حال الإضافة إلى ضمير المذكَّر فر قوَّة له.
وإنّي لكارهٌ قولك: والخيل خارجةٌ من القسطال أخرجت الاسم إلى مثالٍ قليلٍ، لأنَّ فعلاً لم يجيء في غير المضاعف، وقد حكي: ناقةٌ بها خزعالٌ أي بها ظلعٌ. ويرى رجلاً في النَّار لا يميّزه من غيره، فيقول: من أنت أيُّها الشَّقيُّ؟ فيقول: أنا أبو كبيرٍ الهذلي، عامر بن الحليس، فيقول: إنَّك لمن أعلام هذيلٍ، ولكني لم أوثر قولك:
أزهير هل عن شيبةٍ من معدل
أم لا سبيل إلى الشَّباب الأوَّل
وقلت في الأخرى:
أزهير هل عن شيبةٍ من مصرف
أم لا خلود لعاجزٍ متكلِّف
وقلت في الثّالثة: أزهير هل عن شيبةٍ من معكم أي من محبس فهذا يدلُّ على ضيق عطنك بالقريض، فهلاّ ابتدأت كلَّ قصيدة بفنٍّ؟ والأصمعيُّ لم يرو لك إلاَّ هذه القصائد الثلاث، وقد حُكي أنّه يروي عنك الرائية التي أوَّلها: أزهير هل عن شيبةٍ من مقصر وأحسن بقولك:
ولقد وردت الماء لم يشرب به
بين الشّتاء إلى شهور الصّيِّف
إلاّ عواسل كالمراط معيدةً
باللَّيل مورد أيِّمٍ متغضِّف
زقبٌ يظلُّ الذِّئب يتبع ظلِّه
فيه، فيستنُّ استنان الأخلف
فصددت عنه ظامئاً، وتركته
يهتزُّ غلفقه، كأن لم يكشف
فيقول أبو كبيرٍ الهذليّ: كيف لي أن أقضم على جمراتٍ محرقاتٍ، لأرد عذاباً غدقاتٍ؟ وإنَّما كلام أهل سقر ويلٌ وعويلٌ، ليس لهم إلاّ ذلك حويلٌ، فاذهب لطيّتك، واحذر أن تشغل عن مطيَّتك. فيقول، بلَّغه الله أقاصي الأمل: كيف لا أجذل وقد ضمنت لي الرَّحمة الدائمة، ضمنها من يصدق ضمانه، ويعمُّ أهل الخيفة أمانة؟ فيقول: ما فعل صخر الغيِّ؟ فيقال: هاهو حيث تراه. فيقول: يا صخر الغىِّ ما فعلت دهماؤك؟ لا أرضك لها ولا سماؤك! كانت في عهدك وشبابها رؤدٌ، يأخذك من حبابها الزَّؤد، فلذلك قلت:
إنّي بدهماء عزِّ ما أجد
يعتادني من حبابها زؤد!
وأين حصل تليدك؟ شغلك عنه تخليدك، وحقّ لك أن تنساه، كما ذهل وحشيُّ دمي نساه. وإذا هو برجلٍ يتضوّر، فيقول: من هذا؟ فيقال: الأخطل التَّغلبيّ، فيقول له: ما زالت صفتك للخمر، حتى غادرتك أكلاً للجمر، كم طربت السَّادات على قولك:
أناخوا فجرّوا شاصياتٍ كأنَّها
رجالٌ من السُّودان لم يتسربلوا
فقلت: اصبحوني، لا أبا لأبيكم
وما وضعوا الأثقال إلاّ ليفعلوا
فصبوا عقاراً في الإناء كأنَّها
إذا لمحوها، جذوةٌ تتأكّل
وجاؤوا ببيسانيَّةٍ هي، بعدما
يعلُّ بها السّاقي، ألذُّ وأسهل
تمرُ بها الأيدي سنيحاً وبارحاً
وتوضع باللَّهم حيَّ، وتحمل
فتوقف أحياناً، فيفصل بيننا
غناء مغنٍّ، أو شواءٌ مرعبل
فلذَّت لمرتاحٍ، وطابت لشاربٍ
وراجعني منها مراحٌ وأخيل
فما لبَّثتنا نشوةٌ لحقت بنا
توابعها ممّا نُعلّ وننّهل
تدبُّ دبيباً في العظام كأنَّه
دبيب نمالٍ في نقاً يتهيّل
ربت وربا في كرمها ابن مدينةٍ
مكبٌّ على مسحاته يتركَّل
إذا خاف من نجمٍ عليها ظماءةً
أدَّب إليها جدولاً يتسلسل
فقلت: اقتلوها عنكم بمزاجها
وحبَّ بها مقتولةً حين تقتل
فقال التَّغلبيّ: إنّي جررت الذّارع، ولقيت الدَّارع، وهجرت الآبدة، ورجوت أن تدعى النَّفس العابدة، ولكن أبت الأقضية. فيقول، أحلَّ الله الهلكة بمبغضيه: أخطأت في أمرين، جاء الإسلام فعجزت أن تدخل فيه، ولزمت أخلاق السفيه؛ وعاشرت يزيد بن معاوية، وأطعت نفسك الغاوية؛ وآثرت ما فني على باقٍ، فكيف لك بالإباق؟ فيزفر الأخطل زفرةً تعجب لها الزَّبانية، ويقول: آه على أيّام يزيد أسوف عنده عنبرا، ولا أعدم لديه سيسنبرا؛ وأمزح معه مزح خليل، فيحتملني احتمال الجليل؛ وكم ألبسني من موشيّ، أسحبه في البكرة أو العشيّ، وكأنِّي بالقيان
الصّدحة بين يديه تغنِّيه بقوله:
ولها بالماطرون إذا
أنفذ النّمل الذي جمعا
خلفةٌ حتى إذا ظهرت
سكنتت من جلِّقٍ بيعا
في قبابٍ حول دسكرةٍ
حولها الزّيتون قد ينعا