ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 30 من 33

رسالة الغفران

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 30 من 331,795 كلمة في هذا الجزء

عسى فارج الكرب عن يوسفٍ

يسخِّر لي ربَّة المحمل

فقال: ما أيسر لفظ هذه الأبيات لولا أنّه حذف أن من خبر عسى! فسبحان الله، لا تعدم الحسناء ذاماً، وأيُّ الرّجال المهذَّب،وذكر عند النَّفر وتفرُّق الناس هذين البيتين:

ودّعي القلب يا قريب وجودي

لمحبٍّ فراقه قد أحمّا

ليس بين الحياة والموت إلاَّ

أن يرّدوا جمالهم فتزمّا

وقول قيس بن الخطيم:

ديار التي كادت ونحن على منى

تحلُّ بنا، لولا نجاء الرّكائب

ولم أرها إلاَّ ثلاثاً على منى

وعهدي بها عذراء ذات ذوائب

تبدّت لنا كالشّمس تحت غمامةٍ

بدا حاجب ٌ منها، وضنَّت بحاجب

وميّز بين هذين الوجهين في قوله: تحلُّ بنا، لأنََّه يحتمل أن يكون: تحلّ فينا، وقد يجوز أن يريد: تحلنا، كما يقال: انزل بنا هاهنا، أي أنزلنا، ومنه قوله:

كما زلَّت الصّفواء بالمتنزل

وإن كانت الحجج التي أتى بها مع مجاورةٍ، فقد أقام بمكّة حتى صار أعلم بها من ابن داية بوكره، والكدريِّ بأفاحيصه، والحرباء بتنضبته. وإن كان سافر إلى اليمن أو غيره، وجعل يحجُّها في كلّ سنة، فذلك أعظم درجة في الثّواب، وأجدر بالوصول إلى محلِّ الآوَّاب. ولعلّه قد وقف بالمغمِّس وترحَّم على طفيلٍ الغنوي لقوله:

هل حبل شماء بعد الهجر موصول

أم أنت عنها بعيد الدّار مشغول؟

إن هي أحوى من الرِّبعي، حاجبه

والعين بالإثمد الحاري مكحول

ترعى أسرة مولّيٍ أطاع لها

بالجزع، حيث عصى أصحابه الفيل

وإنّما أطلقت التّرحُّم على طفيلٍ إذ كان بعض الرّواة يزعم أنَّه أدرك الإسلام، وروى له مدحٌ في النبي صلّى الله عليه وسلم، ولم أسمعه في ديوانه، وهو:

وأبيك خيرٍ إنَّ إبل محمّدٍ

عزلٌ تماوح أن تهبَّ شمال

وإذا رأين لدى الفناء غريبةً

فاضت لهنَّ من الدّموع سجال

وترى لها حدَّ الشّتاء على الثّرى

رخماً، وما تحيا لهنّ فصال

وأنشد أبيات ابن أبي الصّلت الثّقفي:

إن آيات ربنا ظاهراتٌ

ما تمارى فيهنّ إلا الكفور

حبس الفيل بالمغمَّس حتى

ظلَّ يحبو، كأنَّه معقور

كلُّ دين يوم القيامة عند الله

إلاَّ دين الحنفية بور

وما عدم أن تخطر له أبيات نفيلٍ:

ألا حييت عنّا ردينا

نعمناكم مع الإصباح عينا

ردينة لو رأيت، فلا تريه

لدى جنب المغمِّس ما رأينا

إذا لعذرتني ورضيت أمري

ولم تأسي على مافات بينا

حمدت الله إذ أبصرت طيراً

وحصب حجارةً تلقى علينا

وكلُّ القوم يسل عن نفيلٍ

كأنَّ عليَّ للحبشان دينا!

وليت شعري أقارناً أهلّ أم مفرداً؟ وأرجو أن لا تكون لقيته بمكَّة شهلةٌ تعرض عليه فتيا ابن عبّاسٍ، حلف ما بها من باسٍ، فتذكَّر قول القائل:

قالت، وقد طفت سبعاً حول كعبتها:

هل لك يا شيخ في فتيا ابن عبّاس؟

هل لك في رخصة الأطراف ناعمةٍ

تمسي ضجيعك حتى مصدر النّاس

فأمّا المنتسبون إلى جوهرٍ، فالجوهر بعد إدراك الحظِّ، يرجع إلى تغيير وتشظٍّ، كم درّةٍ في تاج ملك، لمّا رمي بالمهلك، فضتَّها من الأسف حظاياه، وهل تثني من الأجل سراياه؟ وأخرى على نحر كعاب، شطَّت عن الدَّنس والعاب، منيت بالنقابة أو النُّحاز، فجعلتها الوالدة في منحاز. وكأنّي به وقد مرَّّ بأنطاكية فذكر قول امرىء القيس:

علون بأنطاكيَّةٍ فوق عقمةٍ

كجرمة نحلٍ أو كجنّة يثرب

وخطر له أن النّطك وهو اللّفظ الذي يجب أن يشتق منه أنطاكية لو كانت عربيّةً، مهملٌ لم يحكه مشهورٌ من الثِّقات. ولمّا مرَّ بملطية أنكر وزنها وقال: فعلية، مثالٌ لم يذكر، وإذا حملناها على التّصريف وجب أن تكون ياؤها زائدةً لأن قبلها ثلاثةً من الأصول.

وأمّا صديقه الذي جدب عند السَّبر، فهو يعرف المثل: أعرض عن ذي قبر، إذا حجز دون الشّخص ترابٌ، فقد تقضَّت الآراب، من ليم في حال حياته، استحقَّ المعذرة في مماته، ولعله نطق بما نطق في معنى انبساطٍ، لا وهو بالكلم ساطٍ، ومن غفر ذنب حيٍّ وهو يلحق به الأذاة، فكيف لا يغفر له بعد الميتة وقد عدم منه الشَّذاة؟ وسلامٌ على رمسٍ من مخالسٍ، يعدل بألف تسليمةٍ في المجالس، وهو يعرف ما قالوه في معنى البيت:

وآتي صاحبي حيث ودَّعا

...................

أي أزور قبره. وأمّا الذي أنكره من البديه، فمولاي الشّيخ مكرَّرٌ في الأدب تكرير الحسن والحسين في آل هاشم، والوشم المرجَّع بكفِّ الواشم، وهل يعجب لسعجةٍ من قمريّ،أو قطرةٍ تسبق من السّحاب المريّ؟ ولو باده خزامى عالجٍ بالرائحة لجاز أن يرعف غضيضها، أو البروق الوامضة لما امتنع أن يعجل وميضها. وفي النّاس من يكون طبعه المماظَّة، فيؤذي الجليس، ويكثر التّدليس وهو يعلم أنّه فاضل، لا ينضله في الرّمي مناضل.

البديه ينقسم أفانين، ويصرّف للنّفر أظانين.فمنه القبل، ولعلّه فيه أجرى من سبل، أو هو السَّبل. والمراد بسبل الفرس الأنثى المعروفة، والسَّبل: المطر،وبديه التّمليط، ولا تجود الرّاسية بالسَّليط،وبديه الإعنات، وذلك الموقظ من السِّنات، وهو يختلف كاختلاف الأشكال، ولا ينهض به ذو الوكال،وأمّا أبو عبد الله بن خالويه وإحضاره للبحث النُّسخ، فإنّه ما عجز ولا أفسخ أي نسي ولكن الحازم يريد استظهاراً، ويزيد على الشّهادة الثانية ظهاراً:

أرى الحاجات عند أبي خبيبٍ

نكدن، ولا أميَّة في البلاد

أين كأبي عبد الله؟ لقد عدمه الشّام! فكان كمكَّة إذ فقد هشام، عنيت هشام بن المغيرة، لأنَّ الشاعر رثاه فقال:

أصبح بطن مكَّة مقشعرّاً

كأنَّ الأرض ليس بها هشام

يظلُّ كأنّه أثناء سوطٍ

وفوق جفانه شحمٌ ركام

فللكبراء أكلٌ كيف شاءوا

وللصُّغراء حملٌ واقتثام

وأبو الطيب اللّغوي اسمه عبد الواحد بن عليٍّ، له كتابٌ في الإتباع صغير على حروف المعجم في أيدي البغداديين، وله كتابٌ يعرف بكتاب الإبدال، قد نحا به نحو كتاب يعقوب في القلب، وكتابٌ يعرف بشجر الدرِّ، سلك به مسلك أبي عمر في المداخل، وكتابٌ في الفرق قد أكثر فيه وأسهب. ولا شكَّ أنَّه قد ضاع كثيرٌ من كتبه وتصنيفاته، لأنّ الرّوم قتلوه وأباه في فتح حلب. وكان ابن خلويه يلقبِّه قرموطة الكبرثل، يريد دحروجة الجمل، لأنّه كان قصيراً.

وحدّثني الثقه أنّه كان في مجلس أبي عبد الله بن خالويه وقد جاءه رسول سيف الدّولة يأمره بالحضور ويقول له: قد جاء رجلٌ لغويُّ، يعني أبا الطّيب هذا، قال المحدِّث: فقمت من عنده ومضيت إلىالمتنبي فحكيت له الحكاية، فقال: السّاعة يسلء الرّجل عن شوط براحٍ، والعلَّوض، ونحو ذلك، يعني أنّه يعنته.

وكان أبو الطيب اللّغوي بينه وبين أبي العبّاس بن كاتب البكتمريّ مودّةٌ ومؤانسةٌ، وله يقول:

يا عبد إنّك عند القلب جنتَّه

حبّاً، وإّنَك عند الطَّرف ناظره

أزمعت سيراً، فقل ما أنت قائله

واذكر لراعي الهوى، ما أنت ذاكره

لا أشتكي سهراً طالت مسافته

اللّيل يعلم أنّي الدّهر ساهره

قوله: يا عبد، يريد: يا عبد الواحد، كما قال عديُّ بن زيد في الأبيات الصادية التي مضت:

غيبَّت عنّي عبد في ساعه الشَّرّ

وجنِّبت أوان العويص

يريد عبد هندٍ،وقد كان أبو الطيب يتعاطى شيئاً من النَّظم.

وقد علم الله أنّي لا في العير ولا في النّفير، ومن للجارمة بالتّكفير؟ كلَّما رغبت في الخمول، قدِّر لي غير المأمول، كان حقُّ الشّيخ إذ أقام في معرَّة النّعمان سنةً ان لا يسمع لي بذكرٍ، ولا أخطر له على فكر، والآن فقد غمر إفضاله، وأظلَّني دوح أدبه لا ضاله، وجاءتني منه فرائد لو تمثِّلت لواحدة منها تومةً، لم تكن بالصحف مكتومةً، ولاستغنى بثمنها القبيل، وعمر إليها السّبيل؛ ينظر منها النّاظر إلى جوهرةٍ، مثل الزّهرة، كما قال الرّاجز:

ذهب لمّا أن رآها تزمره

وقال: يا قوم، رأيت منكرة

شذرة واد إذ رأيت الزُّهرة

وبعضهم يروي: ترمله، مكان: تزمره، وهي أكثر الرّوايتين على ما فيها من الإكفاء. وهو، أدام الله عزَّ الأدب بحياته، كريم الطّبع والكريم يخدع، ومن سمع جاز أن يخال، والجندل لا ينتج الرِّخال،وأمَّا ما ذكره من ميله في مصر إلى بعض اللّذات، فهو يعرف الحديث: أريحوا القلوب تع الذِّكر. وقال أحيحة بن الجلاح:

صحوت عن الصِّبا واللهو غول

ونفس المرء آونة ملول

وكان ينبغي أن يكون في هذا الوقت يضبط ما معه من الأدب بدرس من يدرس عليه، إذ كانت السِّنُّ لابدَّ لها من تأثير، وأن ترمي بقلَّةٍ كلَّ كثيرٍ، ولكنَّ قطرته الفاردة تغرَّق، ونفسه إذا برد يحرِّق، وقال رجلٌ من قريش:

لله درّي حين أدركني البلى

على أيِّما تأتي الحوادث أندم؟؟!

ألم أجتل البيضاء يبرق حجلها

لها بشرٌ صافٍ ووجهٌ مقسَّم؟

ولم أصطبح قبل العواذل شربةً

مشعشعةً، كأنَّ عاتقها الدّم

ولعلّه قد قضى الأرب من ذلك كلَّه، والأشياء لها أواخر، وإنَّما العاجلة سرابٌ ساخر، وقد عاشر ملوكاً ووزراء، فلا منقصة ولا إزراء، وقد سمع نبأ النّعمان الأكبر، إذ فارق ملكه فراق المعبر، وتعوَّض من الحرير المسوح، ورغب في أن يسوح،وإيّاه عنى العباديُّ في قوله:

وتذكَّر ربَّ الخورنق إذ فكَّ

ر يوماً وللهدى تفكير

سرَّه ملكه وثرة ما يم

لك والبحر معرضاً والسّدير

فارعوى جهله فقال: وما غب

طة حيٍّ إلى الممات يصير؟

والسُّكر محرَّمٌ في كلِّ الملل، ويقال:إنّ الهند لا يملِّكون عليهم رجلاً يشرب مسكراً، لأنّهم يرونه منكراً، ويقولون: يجوز أن يحدث في المملكة نبأٌ الملك سكران، فإذا الملك المتبع هكران.

لعنت القهوة، فكم تهبط بها رهوةٌ؛ لا خيرة في الخمر، توطىء على مثل الجمر. من اصطبح فيهجاً،فقد سلك إلى الدّهية منهجاً. من اغتبق أمَّ ليلى، فقد سحب في الباطل ذيلاً. من غري بأمَّ زنبق، فقد سمح بالعقل الموبق. من حمل بالرّاحة راحاً، فقد أسرع للرّشد سراحاً. من رضي بصحبة العقار فقد خلع ثوب الوقار. من أدمن قرقفاً، فليس على الواضحة موقفاً. من سدك بالخرطوم، رجع إلى حال المفطوم. المواظبة على العانِّي، تمنع بلوغ الأماني. الخيبة لسبيئةٍ، تخرج من سرٍّ كلَّ خبيئةٍ. لا فائدة في الكميت،

جعل حيَّها مثل الميت. من بلي بالصَّرخديّ، لم يكن من الفاضحة بالمفديّ. ما أخون عهود السُّلاف، تنفض مرير الأحلاف. أمّا السُّلافة، فسلٌّ وآفة. كم شابٍّ في بني كلابٍ، مات غبطةً،وما بلغ من الدّنيا غبطة؟! رماه بسحافٍ قاتلٍ، إدمان المعتقَّة ذات المخاتل. من بكر إلى الشَّمول، فرأيه ينظر بطرف مسمول. أقلُّ عنتاً من كرينة، ليثٌ زأر في العرينة. كم بربطٍ، عصف بجعد وسبط! كم مزهرٍ، أوقع هاجداً في السَّهر! وهو يعرف أبيات المتنخِّل:

ممّا أقضِّي ومحار الفتى

للضبع والشيبة والمقتل

إن يمس نشوان بمصروفةٍ

منها بنيءٍ، وعلى مرجل

لا تقه الموت وقيّاته

خطَّ له ذلك في المحبل

وينبغي أن يزِّهده في الصّهباء الصّافية، أن نداماه الأكرمين أصبحوا في الأجداث العافية، كم جلس مع فتيانٍ، أتى عليهم الزّمن كلَّ الإتيان، فكان كما قال الجعديُّ:

تذكّرت والذّكرى تهيج لي الهوى

ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا

نداماي عند المنذر بن محرِّقٍ

فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا

وهو يعرف الأبيات التي أوّلها:

خليليَّ هبَّا طال ما قد رقدتما

أجدّكما لا تقضيان كراكما؟

وهل يعجز أن يكون كما قال الآخر:

أمّا الطّلاء فإنّى لست ذائقها

حتى ألاقي بعد الموت جبَّارا