الأرمن يرسلون بزاة
وكان قد صار بيننا وبين بني روبال - تروس ولاون لأرمن من أصحاب المصيصة وانطرطوس واذنة والدروب - مصادقة ومكاتبة أكبر أسبابها رغبته في البزاة او ما حولها على أيدي رجالة أرمن بازيارية وينفذون الكلاب الزغارية، وينفذ لهم هو الحصن والطيب ومن كسوة مصر، فكان
يجيئنا من عندهم بزاة ملاح نادرة فأجتمع عندنا بعض السنين بزاة قد جاءت من الدروب فيها باز فرخ مثل العقاب وبزاة دونه. وجاءنا من الخيل عدة بزاة فيها باز كأنه صقر عريض فرخ ما يلحق بتلك البزاة، والبازيار غنائم يقولما في هذه البزاة كلها مثل
هذا الباز اليحشور ما يترك شيئاً إلى يصيده ونحن لا نصدقه. ثم أصلح ذلك الباز فكان كما ظن فيه من أفره البزاة واطيرها واشطرها، وقرنص عندنا وخرج من القرناص أجود مما كان. وعمر ذلك الباز وفرض عندنا ثلاثة عشر سنة. فكان قد صار كأنه من
أهل البيت يصطاد للخدمة لا لما جرت به عادة الجوارح أن يصيدوا لنفوسهم. وكان مقامه عند الوالد رحمه الله لا يتركه عندا البازيار إنما يحمل الباز في الليل ويجوعه حتى يصطاد به، وذلك الباز كان يكفي من نفسه ويعمل ما يراد منه. فكنا نخرج إلى
صيد الحجل ومعنا عدة بزاة فيدفعه الوالد إلى بعض البازيارية ويقولاعتزل به ولا ترسله بالحملة وتسير في الجبل فكلما خلوا أبصروا حجلة لابدة من شجرة قد أعلموه بها يقول هاتوا اليحشور. ساعة يقيم يده له قد طار من على يد البازيار وقع على يده بغير
دعو، ثم يستشرف برأسه ورقبته فيقف على الحجلة النائمة ويرميها بقضيب في يده فتطير ويرسل عليها اليحشور فيأخذها في عشرة أذرع، ثم يقول للبازيارأشبعه فيقول لهاعتزل به. فإذا رأوا حجلة أخرى لابدة عمل بها ذلك، حتى يصيد خمس أو ست حجلات - كذا يأخذها في
عشرة أذرع، ثم يقول للبازيارأشبعه فيقول لهيا مولاي ما تدعه نتصيد به؟ يا بني معنا عشرة بزاة نتصيد بها وهذا قد أصاد، هذه الاطلاق تقطع عمره. فيشبعه ويعتزل به البازيار فإذا أنهينا في الصيد وأشبعنا الزاة وحططناها على الماء شربت واستحمت، واليحشور على يد البازيار،
فإذا استقبلنا البلد راجعين ونحن في الجبل قالهات اليحشور حمله على يده وسار، إن طارة حجلة من بين يديه أرسله عليها صادها حتى يصيد عشرة اطلاق أو أكثر قدر ما يطير له من الحجل، وهو شبعان لا يحيط منسرة في مذبح حجلة ولا يذق دمها.
فإذا دخلنا الدار قالهاتوا طاسة ماء، فجاءوا بطاسة فيها ماء فقدمها إليه وهو على يده رحمه الله فيشرب منها، وإن كان يريد يستحم خضخض منسره في الماء فيدري انه يريد يستحم، فيأمر بإحضار جفنه كبيرة فيها ماء ويقدمها ليها، فيطير ينزل في وسطها ويدف في
الماء حتى يكتفي من السباحة ثم يطلع فيحطه على قفاز خشب قد عمل له كبير، ويقرب منه منقل النار، فيتمشق ويتدهن حتى ينشف من الماء، ثم يضع له فرواً مطوياً فينزل إليه ينام عليه، فلا يزال بيننا على ذلك الفرو نائماً حتى يتهرول الليل ويريد
الوالد يدخل إلى دار الحرم فيقول لأحدناأحمله فيحمل كما هو نائم على الفرو حتى يحط إلى جانب فراش الوالد رحمه الله. وكان من عجائب هذا الباز وعجائبه كثيرة وأنا أذكر منها ما يحضرني ذكره فإن الأمد قد طال وأنستني السنون كثيراً من أحواله، إن كان
في دار الوالد حمام وطيور ماء خضر وأناثها وبيضانيات من التي تكون بين البقر تلقط الذبان في الدار، وكان يدخل الوالد وهذا الباز على يده يجلس على دكة في الدار والباز على قفاز إلى جانبه فلا يطلب شيئاً من تلك الطيور ولا يثب إليها، ولا
كأنه مما جرت عادته بصيدها. وكانت المياه تكثر في ظاهر شيزر في الشتاء فيصير براً من سورها نقاع كبئار ماء وفيها الطيور، فيأمر الوالد البازيار وغلاماً معه يخرجا إلى قريب من تلك الطيور، ويأخذ اليحشور على يده ويقف به على الحصن يريه الطيور وهو شرقي
البلد والطيور غربيها، فإذا أبصرها أرسله فينزل يشف على البلد حتى يخرج منه إلى الطيور، فيدق له البزيار الطبل فتطير الطيور فيصيد منها وبينها وبين موضع أرسل منه مسافة بعيدة. وكنا نخرج إلى صيد طير الماء والدراج ونرجع بعد عتمة نسمع صوت الطيور في خلجانكبار
بالقرب من البلد. فيقول الوالدهات اليحشور، فيأخذه وهو شبعان ويتقدم إلى الطيور يدق الطبل حتى تطير الطيور ثم يرميها عليها. فإن أصاد وقع بيننا نزل إليه البازيار ذبح في رجله ورفعه، وإن لم يصد وقع على أكناف النهر فما نراه وما ندري أين وقع، فنخليه
وندخل إلى البلد. ويصبح البازيار من سحر يخرج إليه يأخذه ويطلعبه إلى الحصن إلى عند الوالد رحمه الله. ويقول له يا مولاي قد صقل هذا الصقيع قفاه طوال الليل، وقد أصبح يقط البلاذ فاركب ابصر أيش يعمل اليوم! وما كان يفوت هذا الباز شيء من
الصيد من السمانة إلى الوز السمند والأرنب، وكان البازيار يشتهي أن يصيد به الكراكي والحرجل ما يتركه الوالد ويقولالحرجل والكراكي تصيدها بالصقور. وكان هذا الباز قد قصر عما نعهده من صيد سنة من السنين حتى أنه كان إذا أرسل وأخطأ لا يجيء إلى الدعو وهو
عاجز ولا يستحم ولا ندري ما به، ثم صلح عما كان من تقصيره وصاد.
وأستحم يوماًفرفعه البازيار من الماء وقد تفرق ريشه بالبب عن جانبه، وإذا في جانبه سلعة قد اللوزة، فأحضره البازيار بين يدي الوالد وقاليا مولاي هذه التي قصرت بالباز وكادت تهلكه ثم مسك الباز وعصرها خرجت مثل اللوزة يابسة وختم موضعها، وعاد الباز إلى الطيور بالسيف
والنطعوكان شهاب الدين محمود بن قراجا صاحب حماة ينفذ كل سنة يطلب الباز اليحشور يمضي إليه مع البازيار يقيم عنده عشرين يوماً يتصيد به وبأخذه البازيار ويعود، فمات الباز بشيزر. واتفق أنني كنت قد زرت شهاب الدين إلى حماة، وأصبحت يوماً وأنا بحماة وقد حضر
القراء والمكبرون وخلق عظيم من أهل البلد. فسألت من قد مات؟ قالوابنت لشهاب الدين. فأردت الخروج خلف الجنازة فما حكني شهاب الدين ومنعني، وخرجوا في قبروا الميت في تل صقرون، فلما عادوا قال لي شهاب الدينتدري من هو الميت؟ قلتقالواقالوا ولد لك. قال لا والله
بل هو الباز اليحشور، سمعت انه قد مات، انفذت اخذته وعملت له تابوتاًوجنازة وقبرته، فإنه كان يستحق ذلك. وكان للوالد رحمه الله فهدة في الفهود مثل اليحشور في البزاة اصطادها وهي وحشية من أكبر ما يكون من الفهود، فأخذها الفهاد وقرمها واستجابها. وكانت تركب ولا
تريد الصيد، وكانت تصرع كما يصرع المصاب بعقله وتزبد، ويقدم لها الخشف فلا تطلبه ولا تريده حتى إذا شمته وعضته. وبقيت كذلك مدة طويلة نحواً منسنة، فخرجنا يوماً إلى الأزوار، فدخلت الخيل إلى الزور وأنا واقف في فم الزور، والفهاد في هذه الفهدة يقرب مني،
فقام من الزور غزال وخرج إلي، فدفعت حصاناً كان تحتي من اجود الخيل اريد ارده إلى الفهدة، وعاجله الحصان، ندسه بصدره رماه، فوثبت الفهدة صادته فكأنها كانت نائمة وانتبهت وقالتخذوا الصيد ما اردتم! فكانت مهما قام لها من الغزلاناخذته، ولا يستطيع الفهاد ضبطها فتجذبه ترميه،
ولا تقف كما تقف الفهود في طردها بل وقت أن يقول قد وقفت تجدد عدواً أو تأخذ الغزال. وصيدنا بشيزر الغزال الادمي وهو غزال كبير، فكنا إذا خرجنا بها إلى العلاة والأرض الشرقية وفيها الغزال الأبيض، لاتترك الفهاد يركض بها حتى يمكننها ألا تجذبه ترميه،
وتغير على الغزلان كأنها كانت ترى أنهم خشوف لصغر الغزال الأبيض. وكانت هذه الفهد دون باقي الفهود في دار الوالد رحمه الله وله جارية تخدمها ولها في جانب الدار قطيفة مطوية تحتها حشيش يابس، وفي الحائط سكة مضروبة يجيء الفهاد بها من الصيد إلى الباب
الدار يحطها وفيها المرتفه وتدخل إلى الدار إلى ذلك المكان المفروش لها فتنام فيه، وتجيء الجارية تربطها إلى السكة المضروبة بالحائط وفي الدار والله، نحوى من عشرين غزال ادمي وأبيض وفحول ومعزي وخشوف قد توالدت في الدار فلا تطلبهم ولا تروعهم، ولاتزول عن موضعها وتدخل
إلى الدار وهي مسيبة فلا تلفت إلى الغزلان. وشاهدت الجارية التي كانت تدور بها وهي تسرح جسمها بالمشط فلا تمنع ولاتنفر، ورأيتها يوماًوقد بالت على تلك القطيفة المفروشة لها وهي تتلتلها وتضربها حيث بالت على القطيفة ولا تهر عليها ولا تضربها. ورأيتها يوماً وقد أثارت
من بين يدي الفهاد ارنبين، وقد لحقت الواحدة وأخذتها عضتها بفمها وتبعت الأخرى فلحقتها وجعلت تضربها بيدها وفمها مشغول في الأرنب الأولة، فوقفت عنها بعد ان ضربتها بيديها عدة ضربات ومضت الأرنب. وحضر معنا في الصيد الشيخ العلم ابو عبيد الله الطليطلي النحوي رحمه الله،
وكان في النحو سيبويه زمانه، قرأت عليه النحو نحواً من عشر سنين وكان متولي دار العلم بطرابلس.
فلما أخذ الإفرنج طرابلس نفذ الوالد والعم رحمهما الله استخلصا الشيخ ابو عبد الله هذا ويانس الناسخ، وكان قريب الطبقة في الخط من طريقة ابو البواب، اقام عندنا بشيزر مدة ونسخ للوالد رحمه الله ختمتين. ثم انتقل إلى مصر ومات بها. وشاهدت من الشيخ عبد
الله عجباً. دخلت عليه يوماً لأقراء له فوجدته بين يديه كتب النحوكتاب سيبويهو كتاب الخصائص لإبن جني وكتاب الأيضاح لأبي علي الفارسي وكتاب اللمع وكتاب الجمل فقلتيا شيخ أبو عبد الله قرأت هذه الكتب كلها؟ قرأتها؟ لا والله إلا كتبتها في اللوح وحفظتها، تريد تدريخذ
جزءاً وافتحه وأقرأ من أول الصفحة سطراً واحداً. فأخذت جزءاًوفتحته وقرأت منه سطراً، فقرأ الصفحة بأجمعها حفظاًحتى أتى على تلك الأخزاء جميعها، فرأيت منه أمراً عظيماًما هو في طاقة البشر. هذه جملة إعتراضية لا موضع لها من سياقة الحديث. وقد حضر معنا صيد هذه الفهدة
وهو راكب في رجليه افدام، وفي الأرض شوك كثير وقد ضرب رجليه أدماها، وهو مشغول ينظر صيد الفهدة ولا يحس بتألم رجليه - مشغول بما يراه من تسللها إلى الغزلان وعدوها وحسن صيدها.