ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 6 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 6 من 101,717 كلمة في هذا الجزء

لا يريد بقوله الرجل المشروك في جل ماله أن يقول هو الذي بلغك حديثه وعرفت من حاله وقصته أنه يشرك في جل ماله على حد قولك هو الرجل الذي بلغك أنه أنفق كذا والذي وهب المئة المصطفاة من الإبل ولا أن يقول إنه على معنى هو الكامل في هذه الصفة حتى كأن هاهنا أقواما يشركون في جل أموالهم إلا أنه في ذلك أكمل وأتم لأن ذلك لا يتصور وذاك أن كون الرجل بحيث يشرك في جل ماله ليس بمعنى يقع فيه تفاضل كما أن بذل

الرجل كل ما يملك كذلك ولو قيل الذي يشرك في ماله جاز أن يتفاوت وإذا كان كذلك علمت أنه معنى ثالث وليس إلا ما أشرت إليه من أنه يقول للمخاطب ضع في نفسك معنى قولك رجل مشروك في جل ماله ثم تأمل فلانا فإنك تستملي هذه الصورة منه وتجده يؤديها لك نصا ويأتيك بها كملا وإن أردت أن تسمع في هذا المعنى ما تسكن النفس إليه سكون الصادي إلى برد الماء فاسمع قوله الطويل أنا الرجل المدعو عاشق فقره إذا لم تكارمني صروف زماني وإن

أردت أعجب من ذلك فقوله الكامل أهدى إلي أبو الحسين يدا أرجو الثواب بها لديه غدا وكذاك عادات الكريم إذا أولى يدا حسبت عليه يدا إن كان يحسد نفسه أحد فلأزعمنك ذلك الأحدا فهذا كله على معنى الوهم والتقدير وأن يصور في خاطره شيئا لم يره ولم يعلمه ثم يجريه مجرى ما عهد وعلم وليس شيء أغلب على هذا الضرب الموهوم من الذي فإنه يجيء كثيرا على أنك تقدر شيئا في وهمك ثم تعبر عنه بالذي ومثال ذلك قوله الطويل أخوك الذي إن تدعه لملمة

يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب وقول الآخر الطويل أخوك الذي إن ربته قال إنما أربت وإن عاتبته لان جانبه فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه وأحلت السامع على ما يعن في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه حتى كأنك قلت أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يجبك ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيل جرى على ما يوصف بالاستحالة كقولك للرجل وقد تمنى هذا هو

الذي لا يكون وهذا ما لا يدخل في الوجود وقوله الكامل ما لا يكون فلا يكون بحيلة أبدا وما هو كائن سيكون ومن لطيف هذا الباب قوله الطويل وإني لمشتاق إلى ظل صاحب يرق ويصفو إن كدرت عليه قد قدر كما ترى ما لم يعلمه موجودا ولذلك قال المأمون خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب فهذا التعريف الذي تراه في الصاحب لا يعرض فيه شك أنه موهوم وأما قولنا المنطلق زيد والفرق بينه وبين زيد المنطلق فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر

أنهما سواء من حيث كان الغرض في الحالين إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد فليس الأمر كذلك بل بين الكلامين فصل ظاهر وبيانه أنك إذا قلت زيد المنطلق فأنت في حديث انطلاق قد كان وعرف السامع كونه إلا أنه لم يعلم أمن زيد كان أم من عمرو فإذا قلت زيد المنطلق أزلت عنك الشك وجعلته يقطع وبأنه كان من زيد بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز وليس كذلك إذا قدمت المنطلق فقلت المنطلق زيد بل يكون المعنى حينئذ على أنك رأيت إنسانا

ينطلق بالبعد منك فلم يثبته ولم تعلم أزيد هو أم عمرو فقال لك صاحبك المنطلق زيد أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد وقد ترى الرجل قائما بين يديك وعليه ثوب ديباج والرجل ممن عرفته قديما ثم بعد عهدك به فتناسيته فيقال لك اللابس الديباج صاحبك الذي كان يكون عندك في وقت كذا أما تعرفه لشد ما نسيت ولا يكون الغرض أن يثبت له لبس الديباج لاستحالة ذلك من حيث إن رؤيتك الديباج عليه تغنيك عن إخبار مخبر وإثبات مثبت لبسه له فمتى

رأيت اسم فاعل أو صفة من الصفات قد بدىء به فجعل مبتدأ وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرا فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرا كقولك زيد المنطلق واعلم أنه ربما اشتبهت الصورة في بعض المسائل من هذا الباب حتى يظن أن المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرا لم يختلف المعنى فيهما بتقديم وتأخير ومما يوهم ذلك قول النحويين في باب كان إذا اجتمع معرفتان كنت بالخيار في جعل أيهما شئت اسما والآخر خبرا كقولك كان زيد أخاك

وكان أخوك زيدا فيظن من هاهنا أن تكافؤ الاسمين في التعريف يقتضي أن لا يختلف المعنى بأن تبدأ بهذا وتثني بذاك وحتى كان الترتيب الذي يدعى بين المبتدأ والخبر وما يوضع لهما في المنزلة في التقدم والتأخر يسقط ويرتفع إذا كان الجزآن معا معرفتين ومما يوهم ذلك أنك تقول الأمير زيد وجئتك والخليفة عبد الملك فيكون المعنى على إثبات الإمارة لزيد والخلافة لعبد الملك كما يكون إذا قلت زيد الأمير وعبد الملك الخليفة وتقوله لمن لا يشاهد ومن هو غائب عن حضرة الإمارة ومعدن الخلافة

وهكذا يتوهم في نحو قوله من الطويل أبوك حباب سارق الضيف برده وجدي يا حجاج فارس شمرا وأنه لا فصل بينه وبين أن يقال حباب أبوك وفارس شمر جدي وهو موضع غامض والذي يبين وجه الصواب ويدل على وجوب الفرق بين المسألتين أنك إذا تأملت الكلام وجدت ما لا يحتمل التسوية وما تجد الفرق قائما فيه قياما لا سبيل إلى دفعه هو الأعم الأكثر وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما قدمت لك من قولك اللابس الديباج زيد وأنت تشير له إلى رجل بين

يديه ثم انظر إلى قول العرب ليس الطيب إلا المسك وقول جرير الوافر ألستم خير من ركب المطايا

ونحو قول المتنبي الوافر ألست ابن الألى سعدوا وسادوا وأشباه ذلك مما لا يحصى ولا يعد وأراد المعنى على أن يسلم لك مع قلب طرفي الجملة وقل ليس المسك إلا الطيب و أليس خير من ركب المطايا إياكم و أليس ابن الألى سعدوا وسادوا إياك تعلم أن الأمر على ما عرفتك من وجوب اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أولا ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ

بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى والخبر خبرا لأنه مسند ومثبت به المعنى تفسير ذلك أنك إذا قلت زيد منطلق فقد أثبت الانطلاق لزيد وأسندته إليه فزيد مثبت له ومنطلق مثبت به وأما تقدم المبتدأ على الخبر لفظا فحكم واجب من هذه الجهة أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند ولو كان المبتدأ مبتدأ لأنه في اللفظ مقدم مبدوء به لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن

يقال منطلق زيد ولوجب أن يكون قولهم إن الخبر مقدم في اللفظ والنية به التأخير محالا وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول فإذا قلت زيد أخوك كنت قد أثبت ب أخوك معنى لزيد وإذا قدمت وأخرت فقلت أخوك زيد وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى ل أخوك وإلا كان تسميتك له الآن مبتدأ وإذ ذاك خبرا تغييرا للاسم عليه من غير معنى ولأدى إلى أن لا يكون لقولهم المبتدأ والخبر فائدة

غير أن يتقدم اسم في اللفظ على اسم من غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه وذلك مما لا يشك في سقوطه ومما يدل دلالة واضحة على اختلاف المعنى إذا جئت بمعرفتين ثم جعلت هذا مبتدأ وذاك خبرا تارة وتارة بالعكس قولهم الحبيب أنت وأنت الحبيب وذاك أن معنى الحبيب أنت أنه لا فصل بينك وبين من تحبه إذا صدقت المحبة وأن مثل المتحابين مثل نفس يقتسمها شخصان كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال الحبيب أنت إلا أنه غيرك فهذا كما

ترى فرق لطيف ونكتة شريفة ولو حاولت أن تفيدها بقولك أنت الحبيب حاولت ما لا يصح لأن الذي يعقل من قولك أنت الحبيب هو ما عناه المتنبي في قوله البسيط أنت الحبيب ولكني أعوذ به من أن أكون محبا غير محبوب ولا يخفى بعد ما بين الغرضين فالمعنى في قولك أنت الحبيب أنك أنت الذي أختصه بالمحبة من بين الناس وإذا كان كذلك عرفت أن الفرق واجب أبدا وأنه لا يجوز أن يكون أخوك زيد و زيد أخوك بمعنى واحد وهاهنا شيء يجب النظر فيه

وهو أن قولك أنت الحبيب كقولنا أنت الشجاع تريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أو كقولنا زيد المنطلق تريد أنه الذي كان منه الانطلاق الذي سمع المخاطب به وإذا نظرنا وجدناه لا يحتمل أن يكون كقولنا أنت الشجاع لأنه يقتضي أن يكون المعنى أنه لا محبة في الدنيا إلا ما هو به حبيب كما أن المعنى في هو الشجاع أنه لا شجاعة في الدنيا إلا ما تجده عنده وما هو شجاع به وذلك محال وأمر آخر وهو أن الحبيب فعيل بمعنى مفعول فالمحبة إذا ليست

هي له بالحقيقة وإنما هي صفة لغيره قد لا بسته وتعلقت به تعلق الفعل بالمفعول والصفة إذا وصفت بالكمال وصفت به على أن يرجع ذلك الكمال إلى من هي صفة له دون من تلابسه ملابسة المفعول وإذا كان كذلك بعد أن تقول أنت المحبوب على معنى أنت الكامل في كونك محبوبا كما أن بعيدا أن يقال هو المضروب على معنى أنه الكامل في كونه مضروبا وإن جاء شيء من ذلك جاء على تعسف فيه وتأويل لا يتصور هاهنا وذلك أن يقال مثلا زيد هو المظلوم

على معنى أنه لم يصب أحدا ظلم يبلغ في الشدة والشناعة الظلم الذي لحقه فصار كل ظلم سواه عدلا في جنبه ولا يجيء هذا التأويل في قولنا أنت الحبيب لأنا نعلم أنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا إن أحدا لم يحب أحدا محبتي لك وإن ذلك قد أبطل المحبات كلها حتى صرت الذي لا يعقل للمحبة معنى إلا فيه وإنما الذي يريدون أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك وأنه ليس لأحد غيرك حظ في محبة مني وإذا كان كذلك بان أنه لا يكون بمنزلة

أنت الشجاع تريد الذي تكامل الوصف فيه إلا أنه ينبغي من بعد أن تعلم أن بين أنت الحبيب وبين زيد المنطلق فرقا وهو أن لك في المحبة التي أثبتها طرفا من الجنسية من حيث كان المعنى أن المحبة مني بجملتها مقصورة عليك ولم تعمد إلى محبة واحدة من محباتك ألا ترى أنك قد أعطيت بقولك أنت الحبيب أنك لا تحب غيره وأن لا محبة لأحد سواه عندك ولا يتصور هذا في زيد المنطلق لأنه لا وجه هناك للجنسية إذ ليس ثم إلا انطلاق واحد قد

عرف المخاطب أنه كان واحتاج أن يعين له الذي كان منه وينص له عليه فإن قلت زيد المنطلق في حاجتك تريد الذي من شأنه أن يسعى في حاجتك عرض فيه معنى الجنسية حينئذ على حدها في أنت الحبيب وهاهنا أصل يجب أن تحكمه وهو أن من شأن أسماء الأجناس كلها إذا وصفت أن تتنوع بالصفة فيصير الرجل الذي هو جنس واحد إذا وصفته فقلت رجل ظريف ورجل قصير ورجل شاعر ورجل كاتب أنواعا مختلفة يعد كل منها شيئا على حدة ويستأنف في اسم الرجل بكل