ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 7 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 7 من 10987 كلمة في هذا الجزء

صفة تقرنها إليه جنسية وهكذا القول في المصادر تقول العلم والجهل والضرب والقتل والسير والقيام والقعود فتجد كل واحد من هذه المعاني جنسا كالرجل والفرس والحمار فإذا وصفت فقلت علم كذا وعلم كذا كقولك علم ضروري وعلم مكتسب وعلم جلي وعلم خفي وضرب شديد وضرب خفيف وسير سريع سير بطيء وما شاكل ذلك انقسم الجنس منها أقساما وصار أنواعا وكان مثلها مثل الشيء المجموع المؤلف تفرقه فرقا وتشعبه شعبا وهذا مذهب معروف عندهم وأصل متعارف في كل جيل وأمة ثم إن هاهنا أصلا هو كالمتفرع

على هذا الأصل أو كالنظير له وهو أن من شأن المصدر أن يفرق بالصلات كما يفرق بالصفات ومعنى هذا الكلام أنك تقول الضرب فتراه جنسا واحدا فإذا قلت الضرب بالسيف صار تعديتك له إلى السيف نوعا مخصوصا ألا تراك تقول الضرب بالسيف غير الضرب بالعصا تريد أنهما نوعان مختلفان وأن اجتماعهما في اسم الضرب لا يوجب اتفاقهما لأن الصلة قد فصلت بينهما وفرقتهما ومن المثال البين في ذلك قول المتنبي الكامل وتوهموا اللعب الوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان لولا أن اختلاف صلة

المصدر تقتضي اختلافه في نفسه وأن يحدث في انقسام وتنوع لما كان لهذا الكلام معنى ولكان في الاستحالة كقولك والطعن غير الطعن فقد بان إذا أنه إنما كان كل واحد من الطعنين جنسا برأسه غير الآخر بأن كان هذا في الهيجاء وذاك في الميدان وهكذا الحكم في كل شيء تعدى إليه المصدر وتعلق به فاختلاف مفعولي المصدر يقتضي اختلافه وأن يكون المتعدي إلى هذا المفعول غير المتعدي إلى ذاك وعلى ذلك تقول ليس إعطاؤك الكثير كإعطائك القليل وهكذا إذا عديته إلى الحال كقولك ليس إعطاؤك

معسرا كإعطائك موسرا وليس بذلك وأنت مقل كبذلك وأنت مكثر وإذ قد عرفت هذا من حكم المصدر فاعتبر به حكم الاسم المشتق منه وإذا اعتبرت ذلك علمت أن قولك هو الوفي حين لا يفي أحد وهو الواهب المئة المصطفاة وقوله الخفيف

وهو الضارب الكتيبة والطعنة تغلو والضرب أغلى وأغلى واشباه ذلك كلها أخبار فيها معنى الجنسية وأنها في نوعها الخاص بمنزلة الجنس المطلق إذا جعلته خبرا فقلت أنت الشجاع وكما أنك لا تقصد بقولك أنت الشجاع إلى شجاعة بعينها قد كانت وعرفت من إنسان وأردت أن تعرف ممن كانت بل تريد أن تقصر جنس الشجاعة عليه ولا تجعل لأحد غيره فيه حظا كذلك لا تقصد بقولك أنت الوفي حين لا يفي أحد إلى وفاء واحد كيف وأنت تقول حين لا يفي أحد وهكذا محال أن يقصد

من قوله هو الواهب المئة المصطفاة إلى هبة واحدة لأنه يقتضي أن يقصد إلى مئة من الإبل قد وهبها مرة ثم لم يعد لمثلها ومعلوم أنه خلاف الغرض لأن المعنى أنه الذي من شأنه أن يهب المئة أبدا والذي يبلغ عطاؤه هذا المبلغ كما تقول هو الذي يعطي مادحه الألف والألفين وكقوله الرجز وحاتم الطائي وهاب المئي وذلك أوضح من أن يخفى وأصل آخر وهو أن من حقنا أن نعلم أن مذهب الجنسية في الاسم وهو خبر غير مذهبها وهو مبتدأ تفسير هذا أنا وإن

قلنا إن اللام في قولك أنت الشجاع للجنس كما هو له في قولهم الشجاع موقى والجبان ملقى فإن الفرق بينهما عظيم وذلك أن المعنى في قولك الشجاع موقى أنك تثبت الوقاية لكل ذات من صفتها الشجاعة فهو في معنى قولك الشجعان كلهم موقون ولست أقول إن الشجاع كالشجعان على الإطلاق وإن كان ذلك ظن كثير من الناس ولكني أريد أنك تجعل الوقاية تستغرق الجنس وتشمله وتشيع فيه وأما في قولك أنت الشجاع فلا معنى فيه للاستغراق إذ لست تريد أن تقول أنت الشجعان كلهم حتى

كأنك تذهب به مذهب قولهم أنت الخلق كلهم وأنت العالم كما قال السريع ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ولكن لحديث الجنسية هاهنا مأخذا آخر غير ذلك وهو أنك تعمد بها إلى المصدر المشتق منه الصفة وتوجهها إليه لا إلى نفس الصفة ثم لك في توجيهها إليه مسلك دقيق وذلك أنه ليس القصد أن تأتي إلى شجاعات كثيرة فتجمعها له وتوجدها فيه ولا أن تقول إن الشجاعات التي يتوهم وجودها في الموصوفين بالشجاعة هي موجودة فيه لا فيهم هذا كله محال بل

المعنى على أنك تقول كنا قد عقلنا الشجاعة وعرفنا حقيقتها وما هي وكيف ينبغي أن يكون الإنسان في إقدامه وبطشه حتى يعلم أنه شجاع على الكمال واستقرينا الناس فلم نجد في واحد منهم حقيقة ما عرفناه حتى إذا صرنا إلى المخاطب وجدناه قد استكمل هذه الصفة واستجمع شرائطها وأخلص جوهرها ورسخ فيه سنخها ويبين لك أن الأمر كذلك اتفاق الجميع على تفسيرهم له بمعنى الكامل ولو كان المعنى على أنه استغرق الشجاعات التي يتوهم كونها في الموصوفين بالشجاعة لما قالوا إنه بمعنى الكامل في الشجاعة

لأن الكمال هو أن تكون الصفة على ما ينبغي أن تكون عليه وأن لا يخالطها ما يقدح فيها وليس الكمال أن تجتمع آحاد الجنس وينضم بعضها إلى بعض فالغرض إذا بقولنا أنت الشجاع هو الغرض بقولهم هذه هي الشجاعة على الحقيقة وما عداها جبن وهكذا يكون العلم وما عداه تخيل وهذا هو الشعر وما سواه فليس بشيء وذلك أظهر من أن يخفى وضرب آخر من الاستدلال في إبطال أن يكون أنت الشجاع بمعنى أنك كأنك جميع الشجعان على حد أنت الخلق كلهم وهو أنك في

قولك أنت الخلق وأنت الناس كلهم وقد جمع العالم منك في واحد تدعي له جميع المعاني الشريفة المتفرقة في الناس من غير أن تبطل تلك المعاني وتنفيها عن الناس بل على أن تدعي له أمثالها ألا ترى أنك إذا قلت في الرجل إنه معدود بألف رجل فلست تعني أنه معدود بألف رجل لا معنى فيهم ولا فضيلة لهم بوجه بل تريد أنه يعطيك من معاني الشجاعة أو العلم أو كذا أو كذا مجموعا ما لا تجد مقداره مفرقا إلا في ألف رجل وأما في نحو

أنت الشجاع فإنك تدعي له أنه قد انفرد بحقيقة الشجاعة وأنه قد أوتي فيها مزية وخاصية لم يؤتها أحد حتى صار الذي كان يعده الناس شجاعة غير شجاعة وحتى كأن كل إقدام إحجام وكل قوة عرفت في الحرب ضعف وعلى ذلك قالوا جاد حتى بخل كل جواد وحتى منع أن يستحق اسم الجواد أحد كما قال الوافر وأنك لا تجود على جواد هباتك أن يلقب بالجواد وكما يقال جاد حتى كأن لم يعرف لأحد جود وحتى كأن قد كذب الواصفون الغيث بالجود كما قال البسيط

أعطيت حتى تركت الريح حاسرة وجدت حتى كأن الغيث لم يجد