ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 101,797 كلمة في هذا الجزء

يثني المزن عن صوبه مثلك ورعى الحق والحرمة مثلك ويحمل على الادهم والأشهب مثل الأمير وينخدع غيري بأكثر هذا الناس ويأكل غيري المعروف سحتا رأيت كلاما مقلوبا عن جهته ومغيرا عن صورته ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه ورأيت الطبع يأبى أن يرضاه وأعلم أن معك دستورا لك فيه إن تأملت غنى عن كل ما سواه وهو أنه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه في الاستفهام معنى لا يكون له ذلك المعنى في الخبر وذاك أن الاستفهام استخبار والاستخبار هو طلب من المخاطب

أن يخبرك فإذا كان كذلك كان محالا أن يفترق الحال بين تقديم الاسم وتأخيره في الاستفهام فيكون المعنى إذا قلت أزيد قام غيره إذا قلت أقام زيد ثم لا يكون هذا الافتراق في الخبر ويكون قولك زيد قام وقام زيد سواء ذاك لأنه يؤدي إلى أن تستعمله أمرا لا سبيل فيه إلى جواب وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه وجملة الأمر أن المعنى في إدخالك حرف الاستفهام على الجملة من الكلام هو أنك تطلب أن يقفك في

معنى تلك الجملة ومؤداها على إثبات أو نفي فإذا قلت أزيد منطلق فأنت تطلب أن يقول لك نعم هو منطلق أو يقول لا ما هو منطلق وإذا كان ذلك كذلك كان محالا أن لا تكون الجملة إذا دخلتها همزة الاستفهام استخبارا عن المعنى على وجه لا تكون هي إذا نزعت منها الهمزة إخبارا به على ذلك الوجه فاعرفه

فصل هذا كلام في النكرة إذا قدمت على الفعل أو قدم الفعل عليها

إذا قلت أجاءك رجل فأنت تريد أن تسأله هل كان مجيء من أحد من الرجال إليه فإن قدمت الاسم فقلت أرجل جاءك فأنت تساله عن جنس من جاءه أرجل هو أم امرأة ويكون هذا منك إذا كنت علمت أنه قد أتاه آت ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي فسبيلك في ذلك سبيلك إذا أردت أن تعرف عين الآتي فقلت أزيد جاءك أم عمرو ولا يجوز تقديم الاسم في المسالة الأولى لأن تقديم الاسم يكون إذا كان السؤال عن الفاعل والسؤال عن الفاعل يكون إما عن

عينه أو عن جنسه ولا ثالث وإذا كان كذلك كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس لأنه لا يكون لسؤالك حينئذ متعلق من حيث لا يبقى بعد الجنس إلا العين والنكرة لا تدل على عين شيء فيسال بها عنه فإن قلت أرجل طويل جاءك أم قصير كان السؤال عن أن الجائي من جنس طوال الرجال أم قصارهم فإن وصفت النكرة بالجملة فقلت أرجل كنت عرفته من قبل أعطاك هذا أم رجل لم تعرفه كان السؤال عن المعطي أكان ممن عرفه

قبل أم كان إنسانا لم تتقدم منه معرفة وإذا قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام فابن الخبر عليه فإذا قلت رجل جاءني لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول جاءني رجل فتقدم الفعل وكذلك إن قلت رجل جاءني لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير أو نزلته من ظن ذلك وقولهم شر أهر ذا ناب إنما

قدم فيه شر لأن المراد أن يعلم أن الذي أهر ذا

الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير فجرى مجرى أن تقول رجل جاءني تريد أنه رجل لا امرأة وقول العلماء إنه إنما يصلح لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر بيان لذلك ألا ترى أنك لا تقول ما أتاني إلا رجل إلا حيث يتوهم السامع أنه قد أتتك امرأة ذاك لأن الخبر بنقض النفي يكون حيث يراد أن يقصر الفعل على شيء وينفى عما عداه فإذا قلت ما جاءني إلا زيد كان المعنى أنك قد قصرت المجيء على زيد ونفيته عن كل من

عداه وإنما يتصور قصر الفعل على معلوم ومتى لم يرد بالنكرة الجنس لم يقف منها السامع على معلوم حتى يزعم أني أقصر له الفعل عليه وأخبره أنه كان منه دون غيره وأعلم أنا لم نرد بما قلناه من أنه إنما حسن الابتداء بالنكرة في قولهم شر أهر ذا ناب لأنه أريد به الجنس أن معنى شر والشر سواء وإنما أردنا أن الغرض من الكلام أن نبين أن الذي أهر ذا الناب هو من جنس الشر لا جنس الخير كما أنا إذا قلنا في قولهم أرجل

أتاك أم امرأة أن السؤال عن الجنس لم نرد بذلك أنه بمنزلة أن يقال الرجل أم المرأة أتاك ولكنا نعني أن المعنى على أنك سألت عن الآتي أهو من جنس الرجال أم جنس النساء فالنكرة إذا على أصلها من كونها لواحد من الجنس إلا أن القصد منك لم يقع إلى كونه واحدا وإنما وقع إلى كونه من جنس الرجال وعكس هذا أنك إذا قلت أرجل أتاك أم رجلان كان القصد منك إلى كونه واحدا دون كونه رجلا فاعرف ذلك أصلا وهو أنه قد يكون في

اللفظ دليل على أمرين ثم يقع القصد إلى أحدهما دون الآخر فيصير الآخر بأن لم يدخل في القصد كأنه لم يدخل في دلالة اللفظ وإذا اعتبرت ما قدمته من قول صاحب الكتاب أنك قلت عبد الله فنبهته له ثم بنيت عليه الفعل وحدته يطابق هذا وذاك أن التنبيه لا يكون إلا على معلوم كما أن قصر الفعل لا يكون إلا على معلوم فإذا بدأت بالنكرة فقلت رجل وأنت لا تقصد بها الجنس وأن تعلم السامع أن الذي أردت بالحديث رجل لا امرأة كان محالا أن

تقول إني قدمته لأنبه المخاطب له لأنه يخرج بك إلى أن تقول إني أردت أن أنبه السامع لشيء لا يعلمه في جملة ولا تفصيل وذلك ما لا يشك في استحالته فاعرفه

القول في الحذف

هو باب دقيق المسلك لطيف المأخذ عجيب الأمر شبيه بالسحر فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر وتدفعها حتى تنظر أنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه واقيم الحجة من ذلك عليه صاحب الكتاب البسيط اعتاد قلبك من ليلى عوائده وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به وكل

حيران جار ماؤه خضل قال أراد ذاك ربع قواء أو هو ربع قال ومثله قول الآخر البسيط

هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا كما عرفت بجفن الصيقل الخللا

دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالكانسية نرعى اللهو والغزلا

كأنه قال تلك دار قال شيخنا رحمه الله ولم يحمل البيت الأول على أن الربع بدل من الطلل لأن الربع أكثر من الطلل والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه فأما الشيء من أقل منه ففاسد لا يتصور وهذه طريقة مستمرة لهم إذ ذكروا الديار والمنازل وكما يضمرون في المبتدأ فيرفعون فقد يضمرون الفعل فينصبون كبيت الكتاب أيضا البسيط ديار مية إذ مي تساعفنا ولا يرى مثلها عجم ولا عرب أنشده بنصب ديار على إضمار فعل كأنه قال أذكر ديار مية ومن المواضع التي

يطرد فيها حذف المبتدأ القطع والاستئناف يبدؤون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاما آخر وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ مثال ذلك قوله من مجزوء الكامل وعلمت أني يوم ذاك منازل كعبا ونهدا قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حلقا وقدا وقوله الوافر هم حلوا من الشرف المعلى ومن حسب العشيرة حيث شاؤوا بناة مكارم واساة كلم دماؤهم من الكلب الشفاء وقوله طويل رآني على ما بي عميلة فاشتكى إلى ماله حالي أسر كما جهر غلام

رماه الله بالخير مقبلا له سيمياء لا تشق على البصر وقوله طويل إذا ذكر ابنا العنبرية لم تضق ذراعي وألقى باسته من أفاخر هلالان حمالان في كل شتوة من الثقل ما لا تستطيع الأباعر حمالان خبر ثان وليس بصفة كما يكون لو قلت مثلا رجلان حمالان ومما اعتيد فيه أن يجيء خبرا قد بني على مبتدأ محذوف قولهم بعد أن يذكروا الرجل فتى من صفته كذا وأغر من صفته كيت وكيت كقوله طويل

ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ولا عرف إلا قد تولى وأدبرا فتى حنظلي ما تزال ركابه تجود بمعروف وتنكر منكرا وقوله طويل سأشكر عمرا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت ومن ذلك قول جميل البسيط وهل بثينة يا للناس قاضيتي ديني وفاعلة خيرا فأجزيها ترنو بعيني مهاة أقصدت بهما قلبي عشية ترميني وأرميها هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ريا العظام بلا عيب يرى فيها من الأوانس مكسال مبتلة خود

غذاها بلين العيش غاذيها وقوله الكامل إني عشية رحت وهي حزينة تشكو إلي صبابة لصبور وتقول بت عندي فديتك ليلة أشكو إليك فإن ذاك يسير غراء مبسام كأن حديثها در تحدر نظمه منثور

محطوطة المتنين مضمرة الحشا ريا الروادف خلقها ممكور

وقول الأقيشر في ابن عم له موسر سأله فمنعه وقال كم أعطيك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك والله لا أعطيك فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم فشكاه إلى القوم وذمه فوثب إليه ابن عمه فلطمه فأنشأ يقول طويل سريع إلى ابن العم يلطم وجهه وليس إلى داعي الندى بسريع حريص على الدنيا مضيع لدينه وليس لما في بيته بمضيع فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدا واحدا وانظر إلى موقعها في نفسك وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع

الحذف منها ثم قلبت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت وأن رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد وإن أردت ما هو أصدق في ذلك شهادة وأدل دلالة فانظر إلى قول عبد الله بن الزبير يذكر غريما له قد ألح عليه طويل عرضت على زيد ليأخذ بعض ما يحاوله قبل اعتراض الشواغل فدب دبيب البغل يألم ظهره وقال تعلم أنني غير فاعل

تثاءب حتى قلت داسع نفسه وأخرج أنيابا له كالمعاول الأصل حتى قلت هو داسع نفسه أي حسبته من شدة التثاؤب ومما به من الجهد يقذف نفسه من جوفه ويخرجها من صدره كما يدسع البعير جرته ثم إنك ترى نصبة الكلام وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ وتباعده عن وهمك وتجتهد أن لا يدور في خلدك ولا يعرض لخاطرك وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء يكره مكانه والثقيل يخشى هجومه ومن لطيف الحذف قول بكر بن النطاح السريع العين تبدي الحب والبغضا وتظهر الإبرام والنقضا درة

ما أنصفتني في الهوى ولا رحمت الجسد المنضى غضبى ولا والله يا أهلها لا أطعم البارد أو ترضى يقول في جارية كان يحبها وسعي به إلى أهلها فمنعوها منه والمقصود قوله غضبى وذلك أن التقدير هي غضبى أو غضبى هي لا محالة ألا ترى أنك ترى النفس كيف تتفادى من إظهار هذا المحذوف وكيف تأنس إلى إضماره وترى الملاحة كيف تذهب إن أنت رمت التكلم به ومن جيد الأمثلة في هذا الباب قول الآخر يخاطب امرأته وقد لامته على الجود الكامل قالت سمية قد غويت

بأن رأت حقا تناوب مالنا ووفودا غي لعمرك لا أزال أعوده ما دام مال عندنا موجودا المعنى ذاك غي لا أزال أعود إليه فدعي عنك لومي وإذ قد عرفت هذه الجملة من حال الحذف في المبتدأ فاعلم أن ذلك سبيله في كل شيء فما من اسم أو فعل تجده قد حذف ثم أصيب به موضعه وحذف في الحال ينبغي أن يحذف فيها إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره وترى إضماره في النفس أولى وآنس من النطق به وإذ قد بدأنا في الحذف بذكر