ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 10 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 10 من 101,620 كلمة في هذا الجزء

القول في الفصل والوصل

اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار البلاغة ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص والإ قوم طبعوا على البلاغة وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال معرفة الفصل من الوصل ذاك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة

فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرف حالها ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك وإذا كان هذا أصله في المفرد فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين أحدهما

أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد وكانت وجه الحاجة إلى الواو ظاهرا والإشراك بها في الحكم موجودا فإذا قلت مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها صفة للنكرة ونظائر ذلك تكثر والأمر فيها يسهل والذي يشكل

أمره هو الضرب الثاني وذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى كقولك زيد قائم وعمرو قاعد والعلم حسن والجهل قبيح لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن الواو أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف فتقول زيد قائم عمرو قاعد بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه واعلم

أنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف العطف وذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن الفاء توجب الترتيب من غير تراخ وثم توجبه مع تراخ وأو تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه فإذا عطفت بواحد منها الجملة على الجملة ظهرت الفائدة فإذا قلت أعطاني فشكرت ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه وإذا قلت خرجت ثم خرج زيد أفادت ثم أن خروجه كان بعد خروجك وأن مهلة وقعت بينهما وإذا قلت يعطيك أو يكسوك دلت

أو على أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه وليس للواو معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول فإذا قلت جاءني زيد وعمرو لم تفد بالواو شيئا أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد والجمع بينه وبينه ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن معنا في قولنا زيد قائم وعمرو قاعد معنى تزعم أن الواو أشركت بين هاتين الجملتين فيه ثبت إشكال المسألة ثم إن الذي

يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك إنا وإن كنا إذا قلنا زيد قائم وعمرو قاعد فإنا لا نرى هاهنا حكما نزعم أن الواو جاءت للجمع بين الجملتين فيه فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع وذلك أنا لا نقول زيد قائم وعمرو قاعد حتى يكون عمرو بسبب من زيد وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره

ويتصل حديثه بحديثه لم يستقم فلو قلت خرجت اليوم من داري ثم قلت وأحسن الذي يقول بيت كذا قلت ما يضحك منه ومن هاهنا عابوا أبا تمام في قوله الكامل لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ولا تعلق لأحدهما بالآخر وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني

مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول فلو قلت زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلقا لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر وإنما الواجب أن يقال زيد كاتب وعمرو شاعر وزيد طويل القامة وعمرو قصير وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا للمعنى في الأخرى ومضاما له مثل أن زيدا وعمرا إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما

شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك وكذا السبيل أبدا والمعاني في ذلك كالأشخاص فإنما قلت مثلا العلم حسن والجهل قبيح لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا هو يقول ويفعل ويضر وينفع ويسيء ويحسن ويأمر وينهى ويحل ويعقد ويأخذ ويعطي ويبيع ويشتري ويأكل ويشرب واشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهورا وكان الأمر حينئذ صريحا وذلك أنك إذا قلت هو يضر وينفع

كنت قد أفدت بالواو أنك أوجبت له الفعلين جميعا وجعلته يفعلهما معا ولو قلت يضر ينفع من غير واو لم يجب ذلك بل قد يجوز أن يكون قولك ينفع رجوعا عن قولك يضر وإبطالا له وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر وذلك في مثل قولك العجب من أني أحسنت وأسأت ويكفيك ما قلت وسمعت وأيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله وذلك أنه لا يشبه على عاقل أن المعنى على جعل

الفعلين في حكم فعل واحد ومن البين في ذلك قوله لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا المعنى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا وقد وجد مع إهانتكم وجامعها في الحصول ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام الطويل لهان علينا أن نقول وتفعلا ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا وأعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها

به وكالتأكيد الذي يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكدكذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها كما لا تكون الصفة غير الموصوف والتأكيد غير المؤكد فإذا قلت جاءني زيد الظريف وجاءني القوم كلهم لم يكن الظريف وكلهم غير زيد وغير القوم ومثال ما هو من الجمل

كذلك قوله تعالى آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه قوله لا ريب فيه بيان وتوكيد وتحقيق لقوله ذلك الكتاب وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن تقول هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب فتعيده مرة ثانية لتثبته وليس تثبيت الخبر غير الخبر ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه وعاطف يعطفه عليه ومثل ذلك قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم قوله تعالى لا يؤمنون تأكيد

لقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم تأكيد ثان أبلغ من الأول لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر كان في غاية الجهل وكان مطبوعا على قلبه لا محالة

وكذلك قوله عز وجل ومن الناس من يقول آمنا بالله باليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله إنما قال يخادعون ولم يقل ويخادعون لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين فهو إذا كلام أكد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئا سواه وهكذا قوله عز وجل وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون وذلك لأن معنى قولهم إنا معكم أنا لم نؤمن بالنبي ولم نترك اليهودية وقولهم إنما نحن

مستهزئون خبر بهذا المعنى بعينه

لأنه لا فرق بين أن يقولوا إنا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء وبين أن يقولوا إنا لم نخرج من دينكم وإنا معكم بل هما في حكم الشيء الواحد فصار كأنهم قالوا إنا معكم لم نفارقكم فكما لا يكون إنا لم نفارقكم شيئا غير أنا معكم كذلك لا يكون إنما نحن مستهزئون غيره فاعرفه ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا لم يأت معطوفا نحو وكأن في أذنيه

وقرا لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع إلا أن الثاني أبلغ وأكد في الذي أريد وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معه ويكون لها تأثير فيه وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر ابلغ وآكد في جعله كذلك من حيث كان من لا يصح منه السمع وإن اراد ذلك أبعد من أن

يكون لتلاوة ما يتلى عليه

NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐6fc969ff76‐84dnx Cached time: 20260826173756 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [show‐toc] CPU time usage: 0.017 seconds Real time usage: 0.021 seconds Preprocessor visited node count: 13/1000000 Revision size: 146904/2097152 bytes Post‐expand include size: 0/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 2/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 0/5000000 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 0.000 1 -total

Render ID df4f76ea-a174-11f1-ae44-c5596a50bd31

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:2011:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260826173756 and revision id 20130. Rendering was triggered because: page_view