القول في الفصل والوصل
اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار البلاغة ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص والإ قوم طبعوا على البلاغة وأوتوا فنا من المعرفة في ذوق الكلام هم بها أفراد وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حدا للبلاغة فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال معرفة الفصل من الوصل ذاك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة
فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرف حالها ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك وإذا كان هذا أصله في المفرد فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين أحدهما
أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريا مجرى عطف المفرد وكانت وجه الحاجة إلى الواو ظاهرا والإشراك بها في الحكم موجودا فإذا قلت مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها صفة للنكرة ونظائر ذلك تكثر والأمر فيها يسهل والذي يشكل
أمره هو الضرب الثاني وذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى كقولك زيد قائم وعمرو قاعد والعلم حسن والجهل قبيح لا سبيل لنا إلى أن ندعي أن الواو أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف فتقول زيد قائم عمرو قاعد بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه واعلم
أنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف العطف وذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن الفاء توجب الترتيب من غير تراخ وثم توجبه مع تراخ وأو تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه فإذا عطفت بواحد منها الجملة على الجملة ظهرت الفائدة فإذا قلت أعطاني فشكرت ظهر بالفاء أن الشكر كان معقبا على العطاء ومسببا عنه وإذا قلت خرجت ثم خرج زيد أفادت ثم أن خروجه كان بعد خروجك وأن مهلة وقعت بينهما وإذا قلت يعطيك أو يكسوك دلت
أو على أنه يفعل واحدا منهما لا بعينه وليس للواو معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول فإذا قلت جاءني زيد وعمرو لم تفد بالواو شيئا أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد والجمع بينه وبينه ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن معنا في قولنا زيد قائم وعمرو قاعد معنى تزعم أن الواو أشركت بين هاتين الجملتين فيه ثبت إشكال المسألة ثم إن الذي
يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك إنا وإن كنا إذا قلنا زيد قائم وعمرو قاعد فإنا لا نرى هاهنا حكما نزعم أن الواو جاءت للجمع بين الجملتين فيه فإنا نرى أمرا آخر نحصل معه على معنى الجمع وذلك أنا لا نقول زيد قائم وعمرو قاعد حتى يكون عمرو بسبب من زيد وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره
ويتصل حديثه بحديثه لم يستقم فلو قلت خرجت اليوم من داري ثم قلت وأحسن الذي يقول بيت كذا قلت ما يضحك منه ومن هاهنا عابوا أبا تمام في قوله الكامل لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ولا تعلق لأحدهما بالآخر وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني
مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول فلو قلت زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلقا لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر وإنما الواجب أن يقال زيد كاتب وعمرو شاعر وزيد طويل القامة وعمرو قصير وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا للمعنى في الأخرى ومضاما له مثل أن زيدا وعمرا إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما
شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك وكذا السبيل أبدا والمعاني في ذلك كالأشخاص فإنما قلت مثلا العلم حسن والجهل قبيح لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحا واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحدا كقولنا هو يقول ويفعل ويضر وينفع ويسيء ويحسن ويأمر وينهى ويحل ويعقد ويأخذ ويعطي ويبيع ويشتري ويأكل ويشرب واشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهورا وكان الأمر حينئذ صريحا وذلك أنك إذا قلت هو يضر وينفع
كنت قد أفدت بالواو أنك أوجبت له الفعلين جميعا وجعلته يفعلهما معا ولو قلت يضر ينفع من غير واو لم يجب ذلك بل قد يجوز أن يكون قولك ينفع رجوعا عن قولك يضر وإبطالا له وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر وذلك في مثل قولك العجب من أني أحسنت وأسأت ويكفيك ما قلت وسمعت وأيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله وذلك أنه لا يشبه على عاقل أن المعنى على جعل
الفعلين في حكم فعل واحد ومن البين في ذلك قوله لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا المعنى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا وقد وجد مع إهانتكم وجامعها في الحصول ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام الطويل لهان علينا أن نقول وتفعلا ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا وأعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها
به وكالتأكيد الذي يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكدكذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها وكانت إذا حصلت لم تكن شيئا سواها كما لا تكون الصفة غير الموصوف والتأكيد غير المؤكد فإذا قلت جاءني زيد الظريف وجاءني القوم كلهم لم يكن الظريف وكلهم غير زيد وغير القوم ومثال ما هو من الجمل
كذلك قوله تعالى آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه قوله لا ريب فيه بيان وتوكيد وتحقيق لقوله ذلك الكتاب وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن تقول هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب فتعيده مرة ثانية لتثبته وليس تثبيت الخبر غير الخبر ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه وعاطف يعطفه عليه ومثل ذلك قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم قوله تعالى لا يؤمنون تأكيد
لقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وقوله ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم تأكيد ثان أبلغ من الأول لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر كان في غاية الجهل وكان مطبوعا على قلبه لا محالة
وكذلك قوله عز وجل ومن الناس من يقول آمنا بالله باليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله إنما قال يخادعون ولم يقل ويخادعون لأن هذه المخادعة ليست شيئا غير قولهم آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين فهو إذا كلام أكد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئا سواه وهكذا قوله عز وجل وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون وذلك لأن معنى قولهم إنا معكم أنا لم نؤمن بالنبي ولم نترك اليهودية وقولهم إنما نحن
مستهزئون خبر بهذا المعنى بعينه
لأنه لا فرق بين أن يقولوا إنا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء وبين أن يقولوا إنا لم نخرج من دينكم وإنا معكم بل هما في حكم الشيء الواحد فصار كأنهم قالوا إنا معكم لم نفارقكم فكما لا يكون إنا لم نفارقكم شيئا غير أنا معكم كذلك لا يكون إنما نحن مستهزئون غيره فاعرفه ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا لم يأت معطوفا نحو وكأن في أذنيه
وقرا لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع إلا أن الثاني أبلغ وأكد في الذي أريد وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معه ويكون لها تأثير فيه وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر ابلغ وآكد في جعله كذلك من حيث كان من لا يصح منه السمع وإن اراد ذلك أبعد من أن
يكون لتلاوة ما يتلى عليه
NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐6fc969ff76‐84dnx Cached time: 20260826173756 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [show‐toc] CPU time usage: 0.017 seconds Real time usage: 0.021 seconds Preprocessor visited node count: 13/1000000 Revision size: 146904/2097152 bytes Post‐expand include size: 0/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 2/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 0/5000000 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 0.000 1 -total
Render ID df4f76ea-a174-11f1-ae44-c5596a50bd31
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:2011:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260826173756 and revision id 20130. Rendering was triggered because: page_view