ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 9 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 9 من 101,673 كلمة في هذا الجزء

الرشاء خلى القليب ليس فيه الماء ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير واون ويحسن ذلك ثم تنظر فترى ذلك إنما حسن من أجل حرف دخل عليها مثاله قول الفرزدق الطويل فقلت عسى أن تبصريني كأنما بني حوالي الأسود الحوارد قوله كأنما بني إلى آخره في موضع الحال من غير شبهة ولو أنك تركت كأن فقلت عسى أن تبصريني بني حوالي كالأسود رأيته لا يحسن حسنه الأول ورأيت الكلام يقتضي الواو كقولك عسى أن تبصريني وبني حوالي كالأسود

الحوارد وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد فلطف مكانها ولو أنك أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن مثال ذلك قول ابن الرومي السريع والله يبقيك لنا سالما برداك تبجيل وتعظيم فقوله برداك تبجيل في موضع حال ثانية ولو أنك أسقطت سالما من البيت فقلت والله يبقيك برداك تبجيل لم يكن شيئا وإذ قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر فلا بد من أن يكون ذلك إنما كان من أجل علل

توجبه وأسباب تقتضيه فمحال أن يكون هاهنا جملة لا تصح إلا مع الواو وأخرى لا تصلح فيها الواو وثالثة تصلح أن تجيء فيها بالواو وأن تدعها فلا تجيء بها ثم لا يكون لذلك سبب وعلة وفي الوقوف على العلة في ذلك إشكال وغموض ذاك لأن الطريق إليه غير مسلوك والجهة التي منها تعرف غير معروفة وأنا أكتب لك أصلا في الخبر إذا عرفته انفتح لك وجه العلة في ذلك واعلم أن الخبر ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه وخبر ليس

بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له فالأول خبر المبتدا كمنطلق في قولك زيد منطلق والفعل كقولك خرج زيد وكل واحد من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال كقولك جاءني زيد راكبا وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبته بالخبر للمبتدأ وبالفعل للفاعل ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك جاءني زيد راكبا لزيد إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء وهو أن

تجعله بهذه الهيئة في مجيئه ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به ابتداء بل بدأت فأثبت المجيء ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع لغيره وبشرط أن يكون في صلته وأما في الخبر المطلق نحو زيد منطلق وخرج عمرو فإنك أثبت المعنى إثباتا جردته له وجعلته يباشره من غير واسطة ومن غير أن تتسبب بغيره إليه وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من الواو فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها فضممته إلى الفعل

الأول في إثبات واحد وكل جملة جاءت حالا ثم اقتضت الواو فذاك لأنك مستأنف بها خبرا وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات تفسير هذا أنك إذا قلت جاءني زيد يسرع كان بمنزلة قولك جاءني زيد مسرعا في أنك تثبت مجيئا فيه إسراع وتصل أحد المعنيين بالآخر وتجعل الكلام خبرا واحدا وتريد أن تقول جاءني كذلك وجاءني بهذه الهيئة وهكذا قوله وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم قديديمة الجوزاء مسموم كأنه قال وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا وكذلك قوله متى

أرى الصبح قد لاحت مخايله لأنه في معنى متى أرى الصبح باديا لائحا بينا متجليا وعلى هذا القياس أبدا وإذا قلت جاءني وغلامه يسعى بين يديه ورأيت زيدا وسيفه على كتفه كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية ثم استأنفت خبرا وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه ولكون السيف على كتفه ولما كان المعنى على استئناف الإثبات احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى فجيء بالواو كما جيء بها في قولك زيد منطلق وعمرو ذاهب والعلم حسن والجهل قبيح وتسميتنا لها واو الحال

لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى جملة ونظيرها في هذا الفاء في جواب الشرط نحو إن تأتني فأنت مكرم

فإنها وإن لم تكن عاطفة فإن ذلك لا يخرجها من أن تكون بمنزلة العاطفة في أنها جاءت لتربط جملة ليس من شأنها أن ترتبط بنفسها فاعرف ذلك ونزل الجملة في نحو جاءني زيد يسرع وقد علوت قتود الرحل يسفعني يوم منزلة الجزاء الذي يستغني عن الفاء لأن من شأنه أن يرتبط بالشرط من غير رابط وهو قولك إن تعطني أشكرك ونزل الجملة في جاءني زيد وهو راكب منزلة الجزاء الذي ليس من شأنه أن يرتبط بنفسه ويحتاج إلى الفاء كالجملة في نحو إن تأتني فأنت

مكرم قياسا سويا وموازنة صحيحة فإن قلت لقد علمنا أن علة دخول الواو على الجملة أن تستأنف الإثبات ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد ولا تنزل الجملة منزلة المفرد ولكن بقي أن تعلم لم كان بعض الجمل بأن يكون تقديرها تقدير المفرد في أن لا يستأنف بها الإثبات أولى من بعض وما الذي منع في قولك جاءني زيد وهو يسرع أو وهو مسرع أن يدخل الإسراع في صلة المجيء ويضامه في الإثبات كما كان ذلك حين قلت جاءني زيد يسرع فالجواب أن السبب

في ذلك أن المعنى في قولك جاءني زيد وهو يسرع على استئناف إثبات للسرعة ولم يكن ذلك في جاءني زيد يسرع وذلك أنك إذا أعدت ذكر زيد فجئت بضميره المنفصل المرفوع كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول جاءني زيد وزيد يسرع في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل يسرع في صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات وذلك أن إعادتك ذكر زيد لا تكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع وحتى تبتدىء إثباتا للسرعة لأنك إن لم تفعل ذلك تركت المبتدأ الذي هو

ضمير زيد أو اسمه الظاهر بمضيعة وجعلته لغوا في البين وجرى مجرى أن تقول جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما ولم تبتدىء للسرعة إثباتا وأن حال يسرع هاهنا حاله إذا قلت جاءني زيد يسرع فجعلت السرعة له ولم تذكر عمرا وذلك محال فإن قلت إنما استحال في قولك جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه أن ترد يسرع إلى زيد وتنزله منزلة قولك جاءني زيد يسرع من حيث كان في يسرع ضمير لعمرو وتضمنه ضمير عمرو يمنع أن يكون لزيد وأن يقدر

حالا له وليس كذلك جاءني زيد وهو يسرع لأن السرعة هناك لزيد لا محالة فكيف ساغ أن تقيس إحدى المسألتين على الأخرى قيل ليس المانع أن يكون يسرع في قولك جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه حالا من زيد أنه فعل لعمرو فإنك لو أخرت عمرا فرفعته بيسرع وأوليت يسرع زيدا فقلت جاءني زيد يسرع عمرو أمامه وجدته قد صلح حالا لزيد مع أنه فعل لعمر وإنما المانع ما عرفتك من أنك تدع عمرا بمضيعة وتجيء به مبتدأ ثم لا تعطيه خبرا ومما يدل على فساد

ذلك أنه يؤدي إلى أن يكون يسرع قد اجتمع في موضعه النصب والرفع وذلك أن جعله حالا من زيد يقتضي أن يكون في موضع نصب وجعله خبرا عن عمرو المرفوع بالابتداء يقتضي أن يكون في موضع رفع وذلك بين التدافع ولا يجب هذا التدافع إذا أخرت عمرا فقلت جاءني زيد يسرع عمرو أمامه لأنك ترفعه بيسرع على أنه فاعل له وإذا ارتفع به لم يوجب في موضعه إعرابا فيبقى مفرغا لأن يقدر فيه النصب على أنه حال من زيد وجرى مجرى أن تقول جاءني زيد

مسرعا عمرو أمامه فإن قلت فقد ينبغي على هذا الأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو وقد ذكرت قبل أن ذلك قد جاء في مواضع من كلامهم فالجواب أن القياس والأصل أن لا تجيء جملة من مبتدأ وخبر حالا إلا مع الواو وأما الذي جاء من ذلك فسبيله سبيل الشيء يخرج عن أصله وقياسه والظاهر فيه بضرب من التأويل ونوع من التشبيه فقولهم كلمته فوه إلى في إنما حسن بغير واو من أجل أن المعنى كلمته مشافها له وكذلك قولهم

رجع عوده على بدئه إنما جاء الرفع فيه والابتداء من غير واو لأن المعنى رجع ذاهبا في طريقه الذي جاء فيه وأما قوله وجدته حاضراه الجود والكرم فلأن تقديم الخبر الذي هو حاضراه يجعله كأنه قال وجدته حاضرا عنده الجود والكرم وليس الحمل على المعنى وتنزيل الشيء منزلة غيره بعزيز في كلامهم وقد قالوا زيد اضربه فأجازوا أن يكون مثال الأمر في موضع الخبر لأن المعنى على النصب نحو اضرب زيدا ووضعوا الجملة من المبتدأ والخبر موضع الفعل والفاعل في نحو قوله تعالى أدعوتموهم أم

أنتم صامتون لأن الأصل في المعادلة أن تكون الثانية كالأولى نحو أدعوتموهم أم صمتم

ويدل على أن ليس مجيء الجملة من المبتدأ والخبر حالا بغير الواو أصلا قلته وأنه لا يجيء إلا في الشيء بعد الشيء هذا ويجوز أن يكون ما جاء من ذلك إنما جاء على إرادة الواو كما جاء الماضي على إرادة قد واعلم أن الوجه فيما كان مثل قول بشار خرجت مع البازي علي سواد أن يؤخذ فيه بمذهب أبي الحسن الأخفش فيرفع سواد بالظرف دون الابتداء ويجري الظرف هاهنا مجراه إذا جرت الجملة صفة على النكرة نحو مررت برجل معه صقر صائدا به غدا وذلك

أن صاحب الكتاب يوافق أبا الحسن في هذا الموضع فيرفع صقر بما في معه من الفعل فلذلك يجوز أن يجري الحال مجرى الصفة فيرفع الظاهر بالظرف إذا هو جاء حالا فيكون ارتفاع سواد بما في علي من معنى الفعل لا بالابتداء ثم ينبغي أن يقدر هاهنا خصوصا أن الظرف في تقدير اسم فاعل لا فعل أعني أن يكون المعنى خرجت كائنا علي سواد أو باقيا علي سواد ولا يقدر يكون سواد علي ويبقى علي سواد اللهم إلا أن تقدر فيه فعلا ماضيا مع قد كقولك

خرجت مع البازي قد بقي علي سواد والأول أظهر وإذا تأملت الكلام وجدت الظرف وقد وقع مواقع لا يستقيم فيها إلا أن يقدر تقدير اسم فاعل ولذلك قال أبو بكر بن السراج في قولنا زيد في الدار إنك مخير بين أن تقدر فيه فعلا فتقول استقر في الدار وبين أن تقدر اسم فاعل فتقول مستقر في الدار وإذا عاد الأمر إلى هذا كان الحال في ترك الواو ظاهرة وكان سواد في قوله خرجت مع البازي علي سواد بمنزلة قضاء الله في قوله الطويل سأغسل عني

العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبا في كونه اسما ظاهرا قد ارتفع باسم فاعل قد اعتمد على ذي حال فعمل عمل الفعل ويدلك على أن التقدير فيه ما ذكرت وأنه من أجل ذلك حسن أنك تقول جاءني زيد والسيف على كتفه وخرج والتاج عليه فتجده لا يحسن إلا بالواو وتعلم أنك لو قلت جاءني زيد السيف على كتفه وخرج التاج عليه كان كلاما نافرا لا يكاد يقع في الاستعمال وذلك لأنه بمنزلة قولك جاءني وهو متقلد سيفه وخرج وهو لابس التاج في

أن المعنى على أنك استأنفت كلاما وابتدأت إثباتا وأنك لم ترد جاءني كذلك ولكن جاءني وهو كذلك فاعرفه

بسم الله الرحمن الرحيم