ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 3 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 3 من 101,776 كلمة في هذا الجزء

المبتدأ وهو حذف اسم إذ لا يكون المبتدأ إلا اسما فإني أتبع ذلك ذكر المفعول به إذا حذف خصوصا فإن الحاجة إليه أمس وهو بما نحن به أخص واللطائف كأنها فيه أكثر وما يظهر بسببه من الحسن والرونق أعجب وأظهر وهاهنا أصل يجب ضبطه وهو أن حال الفعل مع المفعول الذي يتعدى إليه حاله مع الفاعل وكما أنك إذا قلت ضرب زيد فاسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك من ذلك أن تثبت الضرب فعلا له لا أن تفيد وجود الضرب في نفسه وعلى الإطلاق وكذلك

إذا عديت الفعل إلى المفعول فقلت ضرب زيد عمرا كان غرضك أن تفيد التباس الضرب الواقع من الأول بالثاني ووقوعه عليه فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان من أجل أن يعلم التباس المعنى الذي اشتق منه بهما فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباس الضرب به من جهة وقوعه منه والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه ولم يكن ذلك ليعلم وقوع الضرب في نفسه بل إذا أريد الإخبار بوقوع الضرب ووجوده في الجملة من غير أن ينسب

إلى فاعل أو مفعول أو يتعرض لبيان ذلك بالعبارة فيه أن يقال كان ضرب أو وقع ضرب أو وجد ضرب وما شاكل ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد في الشيء وإذ قد عرفت هذه الجملة فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها لفاعلين من غير أن يتعرضوا لذكر المفعولين فإذا كان الأمر كذلك كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا في أنك لا ترى مفعولا لا لفظا ولا تقديرا ومثال ذلك قول

الناس فلان يحل ويعقد ويأمر وينهى ويضر وينفع وكقولهم هو يعطي ويجزل ويقري ويضيف المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة من غير أن يتعرض لحديث المفعول حتى كأنك قلت صار إليه الحل والعقد وصار بحيث يكون منه حل وعقد وأمر ونهي وضر ونفع وعلى هذا القياس وعلى ذلك قوله تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون المعنى هل يستوي من له علم ومن لا علم له

من غير أن يقصد النص على معلوم وكذلك قوله تعالى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وقوله وأنه هو أغنى وأقنى المعنى هو الذي منه الإحياء والإماتة والإغناء والإقناء وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء وأن يخبر بأن من شأنه أن يكون منه أو لا يكون إلا منه أو لا يكون منه فإن الفعل لا يعدى هناك لأن تعديته تنقص الغرض وتغير المعنى ألا ترى أنك إذا قلت هو يعطي الدنانير كان المعنى على أنك قصدت

أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء في نفسه ولم يكن كلامك مع من نفى أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه بل مع من أثبت له إعطاء إلا أنه لم يثبت إعطاء الدنانير فاعرف ذلك فإنه أصل كبير عظيم النفع فهذا قسم من خلو الفعل عن المفعول وهو أن لا يكون له مفعول يمكن النص عليه وقسم ثان وهو أن يكون له مفعول مقصود قصده

معلوم إلا أنه يحذف من اللفظ لدليل الحال عليه وينقسم إلى جلي لا صنعة فيه وخفي تدخله الصنعة فمثال الجلي قولهم أصغيت إليه وهم يريدون أذني و أغضيت عليه والمعنى جفني وأما الخفي الذي تدخله الصنعة فيتفنن ويتنوع فنوع منه أن تذكر الفعل وفي نفسك له مفعول مخصوص قد علم مكانه إما لجري ذكر أو دليل حال إلا أنك تنسيه نفسك وتخفيه وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن تثبت نفس معناه من غير أن تعديه إلى شيء أو تعرض فيه لمفعول ومثاله قول

البحتري الخفيف شجو حساده وغيظ عداه أن يرى مبصر ويسمع واع المعنى لا محالة أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره وأوصافه ولكنك تعلم على ذلك أنه كأنه يسرق علم ذلك من نفسه ويدفع صورته عن وهمه ليحصل له معنى شريف وغرض خاص وذاك أنه يمدح خليفة وهو المعتز ويعرض بخليفة وهو المستعين فأراد أن يقول إن محاسن المعتز وفضائله والمحاسن والفضائل يكفي فيها أن يقع عليها بصر ويعيها سمع حتى يعلم أنه المستحق للخلافة والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها فأنت ترى

حساده وليس شيء أشجى لهم وأغيظ من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا يعي حتى ليتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يعي معها كي يخفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها وهذا نوع آخر منه وهو أن يكون معك مفعول معلوم مقصود قصده قد علم أنه ليس للفعل الذي ذكرت مفعول سواه بدليل الحال أو ما سبق من الكلام إلا أنك تطرحه وتتناساه وتدعه يلزم ضمير النفس لغرض غير الذي مضى وذلك الغرض أن تتوفر

العناية على إثبات الفعل للفاعل وتخلص له وتنصرف بجملتها وكما هي إليه ومثاله قول عمرو بن معدي كرب طويل فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت أجرت فعل متعد ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم نحو ولكن الرماح أجرتني وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى إليه لاستحالة أن يقول فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ثم يقول ولكن الرماح أجرت غيري إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك والسبب في

ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض وذلك أن الغرض هو أن تثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن عن النطق وأن تصحح وجود ذلك ولو قال أجرتني جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ذكر المفعول مثاله أنك تقول أضربت زيدا وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب ضرب وإنما تنكر أن يكون وقع الضرب منه على زيد وأن يستجيز ذلك أو يستطيعه فلما

كان في تعدية أجرت ما يوهم ذلك وقف فلم يعد البتة ولم ينطق بالمفعول لتخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح وتصحيح أنه كان منها وتسلم بكليتها لذلك ومثله قول جرير الوافر أمنيت المنى وخلبت حتى تركت ضمير قلبي مستهاما الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة وأن بقول لها أهكذا تصنعين وهذه حيلتك في فتنة الناس ومن بارع ذلك ونادره ما تجده في هذه الأبيات روى المرزباني في كتاب الشعر بإسناد قال لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة استبطأته الأنصار فقال

إما كلفتموني أخلاق رسول الله فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس ولكني والله ما أوتى من مودة لكم ولا حسن رأي فيكم وكيف لا نحبكم فوالله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب طويل جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت هم خلطونا بالنفوس وألجؤوا إلى حجرات أدفأت وأظلت فيها حذف مفعول مقصود قصده في أربعة مواضع قوله لملت وألجؤوا

وأدفأت وأظلت لأن الأصل لملتنا وألجؤونا إلى حجرات أدفأتنا وأظلتنا إلا أن الحال على ما ذكرت لك من أنه في حد المتناسي حتى كأن لا قصد إلى مفعول وكأن الفعل قد أبهم أمره فلم يقصد به قصد شيء يقع عليه كما يكون إذا قلت قد مل فلان تريد أن تقول قد دخله الملال من غير أن تخص شيئا بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته وكما تقول هذا بيت يدفىء ويظل تريد أنه بهذه الصفة واعلم أن لك في قوله أجرت ولملت فائدة

أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل وهي أن تقول كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال ما يجر مثله وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم إلا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى لأنك إذا قلت ولكن الرماح أجرتني لم يكن أن يتأول على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجر شاعرهم ونظيره

أنك تقول قد كان منك ما يؤلم تريد ما الشرط مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان ولو قلت ما يؤلمني لم يفد ذلك لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك وهكذا قوله ولو أن أمنا تلاقي الذي لاقوه منا لملت يتضمن أن من حكم مثله في كل أم تمل وتسأم وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له الابن وتتبرم مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد وذلك أنه وإن قال أمنا فإن المعنى

على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها ولو قلت لملتنا لم يحتمل ذلك لأنه يجري مجرى أن تقول لو لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها منا وإذا قلت ما يملها منا فقيدت لم يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن وكذلك قوله إلى حجرات أدفأت وأظلت لأن فيه معنى قولك حجرات من شأن مثلها أن تدفىء وتظل أي هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول إذ لا تقول

حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظلنا هذا لغو من الكلام فاعرف هذه النكتة فإنك تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل والدلالة على أن القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله لا أن تعلم التباسه بمفعوله وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب فانظر إلى قوله تعالى ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم

امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع إذ المعنى وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم وامرأتين تذودان غنمهما وقالتا لا نسقي غنمنا فسقى لهما غنمهما ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي ومن المرأتين ذود

وأنهما قالتا لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي فأما ما كان المسقي غنما أم إبلا أم غير ذلك فخارج عن الغرض وموهم خلافه وذاك أنه لو قيل وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود بل من حيث هو ذود غنم حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود كما أنك إذا قلت ما لك تمنع أخاك كنت منكرا المنع لا من حيث هو منع

بل من حيث هو منع أخ فاعرفه تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة وأن الغرض لا يصح إلا على تركه ومما هو كأنه نوع آخر غير ما مضى قول البحتري الطويل إذا بعدت أبلت وإن قربت شفت فهجرانها يبلي ولقيانها يشفي قد علم أن المعنى إذا بعدت عني أبلتني وإن قربت مني شفتني إلا أنك تجد الشعر يأبى ذكر ذلك ويوجب اطراحه وذاك لأنه أراد أن يجعل البلى كأنه