ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 4 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 4 من 101,770 كلمة في هذا الجزء

واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه وكأنه كالطبيعة فيه وكذلك حال الشفاء مع القرب حتى كأنه قال أتدري ما بعادها هو الداء المضني وما قربها هو الشفاء والبرء من كل داء ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة إلا بحذف المفعول البتة فاعرفه وليس لنتائج هذا الحذف أعني حذف المفعول نهاية فإنه طريق إلى ضروب من الصنعة وإلى لطائف لا تحصى وهذا نوع منه آخر اعلم أن هاهنا بابا من الإضمار والحذف يسمى الإضمار على شريطة التفسير وذلك مثل قولهم أكرمني وأكرمت عبد الله

أردت أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله ثم تركت ذكره في الأول استغناء بذكره في الثاني فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر وشيء لا يعبأ به ويظن أنه ليس فيه أكثر مما تريك الأمثلة المذكورة منه وفيه إذا أنت طلبت الشيء من معدنه من دقيق الصنعة ومن جليل الفائدة ما لا تجده إلا في كلام الفحول فمن لطيف ذلك ونادره قول البحتري الكامل لو شئت لم تفسد سماحة حاتم كرما ولم تهدم مآثر خالد الأصل لا محالة لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها

ثم حذف ذلك من الأول استغناء بدلالته في الثاني عليه ثم هو على ما تراه وتعلمه من الحسن والغرابة وهو على ما ذكرت لك من أن الواجب في حكم البلاغة أن لا ينطق بالمحذوف ولا يظهر إلا اللفظ فليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت لو شئت أن لا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها صرت إلى كلام غث وإلى شيء يمجه السمع وتعافه النفس وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام وبعد التحريك له أبدا لطفا ونبلا لا يكون إذا

لم يتقدم ما يحرك وأنت إذا قلت لو شئت علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء فهو يضع في نفسه أن هنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون أو أن لا يكون فإذا قلت لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء ومجيء المشيئة بعد لو وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معداة إلى شيء كثير شائع كقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولو شاء لهداكم أجمعين والتقدير في ذلك كله على ما ذكرت فالأصل لو شاء الله يجمعهم على الهدى

لجمعهم و لو شاء أن يهديكم أجمعين لهداكم إلا أن البلاغة في أن يجاء به كذلك

محذوفا وقد يتفق في بعضه أن يكون إظهار المفعول هو الأحسن وذلك نحو قول الشاعر الطويل ولو شئت أن أبكي دما لبكيته عليه ولكن ساحة الصبر أوسع فقياس هذا لو كان على حد ولو شاء الله لجمعهم على الهدى أن يقول لو شئت بكيت دما ولكنه كأنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنها أحسن في هذا الكلام خصوصا وسبب حسنه أنه كأنه بدع عجيب أن يشاء الإنسان أن يبكي دما فلما كان كذلك كان الأولى أن يصرح بذكره ليقرره في نفس السامع ويؤنسه به

وإذا استقريت وجدت الأمر كذلك أبدا متى كان مفعول المشيئة أمرا عظيما أو بديعا غريبا كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر يقول الرجل يخبر عن عزة نفسه لو شئت أن أرد على الأمير رددت ولو شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيت فإذا لم يكن مما يكبره السامع فالحذف كقولك لو شئت خرجت ولو شئت قمت ولو شئت أنصفت ولو شئت لقلت وفي التنزيل لو نشاء لقلنا مثل هذا وكذا تقول لو شئت كنت كزيد قال البسيط لو شئت كنت ككرز في عبادته أو كابن

طارق حول البيت والحرم وكذلك الحكم في غيره من حروف المجازاة أن تقول إن شئت قلت وإن أردت دفعت قال الله تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك وقال عز اسمه من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ونظائر ذلك من الآي ترى الحذف فيها المستمر ومما يعلم أن ليس فيه لغير الحذف وجه قول طرفة الطويل وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت مخافة ملوي من القد محصد وقول حميد الطويل إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة أو الزرق من تثليث أو

بيلملما مطوقة ورقاء تسجع كلما دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما وقول البحتري الطويل إذا شاء غادى صرمة أو غدا على عقائل سرب أو تقنص ربربا وقوله الكامل لو شئت عدت بلاد نجد عودة فحللت بين عقيقه وزروده معلوم أنك لو قلت وإن شئت أن لا ترقل لم ترقل أو قلت إذا شئت أن تغنيني

بأجزاع بيشة غنتني وإذا شاء أن يغادي صرمة غادى ولو شئت أن تعود بلاد نجد عودة عدتها أذهبت الماء والرونق وخرجت إلى كلام غث ولفظ رث وأما قول الجوهري الطويل فلم يبق مني الشوق غير تفكري فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا فقد نحا به نحو قوله ولو شئت أن أبكي دما لبكيته فأظهر مفعول شئت ولم يقل فلو شئت بكيت تفكرا لأجل أن له غرضا لا يتم إلا بذكر المفعول وذلك أنه لم يرد أن يقول ولو شئت أن أبكي تفكرا بكيت كذلك ولكنه

أراد أن يقول قد أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول حتى لو شئت بكاء فمريت شؤوني وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده ولخرج بدل الدمع التفكر فالبكاء الذي أراد إيقاع المشيئة عليه مطلق مبهم غير معدى إلى التفكر البتة والبكاء الثاني مقيد معدى إلى التفكر وإذا كان الأمر كذلك صار الثاني كأنه شيء غير الأول وجرى مجرى أن تقول لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين في أن الثاني لا يصلح أن يكون تفسيرا للأول واعلم أن هذا الذي ذكرنا ليس

بصريح أكرمت وأكرمني عبد الله ولكنه شبيه به في أنه إنما حذف الذي حذف من مفعول المشيئة والإرادة لأن الذي يأتي في جواب لو وأخواتها يدل عليه وإذا أردت ما هو صريح في ذلك ثم هو نادر لطيف ينطوي على معنى دقيق وفائدة جليلة فانظر إلى بيت البحتري الخفيف قد طلبنا فلم نجد لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا المعنى قد طلبنا لك مثلا ثم حذف لأن ذكره في الثاني يدل عليه ثم إن للمجيء به كذلك من الحسن والمزية والروعة ما لا يخفى ولو

أنه قال طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة هو نفي الوجود عن المثل فأما الطلب فكالشيء يذكر ليبنى عليه الغرض ويؤكد به أمره وإذا كان هذا كذلك فلو أنه قال قد طلبنا لك السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل وأوقعه على ضميره ولن تبلغ الكناية مبلغ الصريح أبدا ويبين هذا كلام ذكره

أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين وأنا أكتب لك الفصل حتى يستبين الذي هو المراد قال والسنة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب ألا ترى أن قيس بن خارجة لما ضرب بسيفه مؤخرة راحلة الحاملين في شأن حمالة داحس وقال ما لي فيها أيها العشمتان قالا بل ما عندك قال عندي قرى كل نازل ورضا كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع قالوا فخطب يوما إلى الليل فما أعاد كلمة ولا معنى

فقيل لأبي يعقوب هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع أوليس الأمر بالصلة هو النهي عن القطيعة قال أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإيضاح والتكشيف انتهى الفصل الذي أردت أن أكتبه فقد بصرك هذا أن لن يكون إيقاع نفي الوجود على صريح لفظ المثل كإيقاعه على ضميره وإذ قد عرفت هذا فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري فيعمل الأول من الفعلين وذلك قوله الوافر ولم أمدح

لأرضيه بشعري لئيما أن يكون أصاب مالا أعمل لم أمدح الذي هو الأول في صريح لفظ اللئيم وأرضى الذي هو الثاني في ضميره وذلك لأن إيقاع نفي المدح على اللئيم صريحا والمجيء به مكشوفا ظاهرا هو الواجب من حيث كان أصل الغرض وكان الإرضاء تعليلا له ولو أنه قال ولم أمدح لأرضي بشعري لئيما لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو الأصل وأبانه فيما ليس بالأصل فاعرفه ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كان لإعادة اللفظ في مثل

قوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وقوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد من الحسن والبهجة ومن الفخامة والنبل ما لا يخفى موضعه على بصير وكان لو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار فقيل وبالحق أنزلناه وبه نزل وقل هو الله أحد هو الصمد لعدمت الذي أنت واجده الآن فصل في تحليل شاهد متميز للحذف عند البحتري قد بان الآن واتضح لمن نظر نظر المتثبت الحصيف الراغب في اقتداح زناد العقل والازدياد من الفضل ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها ويتغلغل إلى

دقائقها ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذي يجري مع الظاهر ولا يعدو الذي يقع في أول الخاطر أن الذي قلت في شأن الحذف وفي تفخيم أمره والتنويه بذكره وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر ويبهر الفكر كالذي قلت وهذا فن آخر من معانيه عجيب وأنا ذاكره لك قال البحتري في قصيدته التي أولها الطويل أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم وهو يذكر محاماة الممدوح عليه وصيانته له ودفعه نوائب الزمان عنه وكم ذدت عني من تحامل حادث وسورة أيام حززن إلى العظم الأصل لا محالة حززن

اللحم إلى العظم إلا أن في مجيئه به محذوفا وإسقاطه له من النطق وتركه في الضمير مزية عجيبة وفائدة جليلة وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهم في بدء الأمر شيئا غير المراد ثم ينصرف إلى المراد ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله إلى العظم أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله وأنه قطع ما يلي

الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم وأسقطه من اللفظ ليبرىء السامع من هذا الوهم ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك من أنك قد ترى ترك الذكر أفصح من الذكر والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير أحسن للتصوير فصل القول على فروق في الخبر أول ما ينبغي أن

يعلم منه أنه ينقسم إلى خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه وخبر ليس بجزء من الجملة ولكنه زيادة في خبر آخر سابق له فالأول خبر المبتدأ كمنطلق في قولك زيد منطلق والفعل كقولك خرج زيد فكل واحد من هذين جزء من الجملة وهو الأصل في الفائدة والثاني هو الحال كقولك جاءني زيد راكبا وذاك لأن الحال خبر في الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال كما تثبت بخبر المبتدأ للمبتدأ وبالفعل للفاعل ألا تراك قد أثبت الركوب في قولك جاءني

زيد راكبا لزيد إلا أن الفرق أنك جئت به لتزيد معنى في إخبارك عنه بالمجيء وهو أن تجعله بهذه الهيئة في مجيئه ولم تجرد إثباتك للركوب ولم تباشره به بل ابتدأت فأثبت المجيء ثم وصلت به الركوب فالتبس به الإثبات على سبيل التبع للمجيء وبشرط أن يكون في صلته وأما في الخبر المطلق نحو زيد منطلق وخرج عمرو فإنك مثبت للمعنى إثباتا جردته له وجعلته يباشره من غير واسطة ومن غير أن تتسبب بغيره إليه فاعرفه وإذ قد عرفت هذا الفرق فالذي يليه من فروق