ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 10

دلائل الإعجاز — الجزء الثاني

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 101,785 كلمة في هذا الجزء

الخبر هو الفرق بين الإثبات إذا كان بالاسم وبينه إذا كان بالفعل وهو فرق لطيف تمس الحاجة في علم البلاغة إليه وبيانه أن موضوع الاسم على أن يثبت به المعنى للشيء من غير أن يقتضي تجدده شيئا بعد شيء وأما الفعل فموضوعه على أنه يقتضي تجدد المعنى المثبت به شيئا بعد شيء فإذا قلت زيد منطلق فقد أثبت الانطلاق فعلا له من غير أن تجعله يتجدد ويحدث منه شيئا فشيئا بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك زيد طويل وعمرو قصير فكما لا تقصد هاهنا

إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد ويحدث بل توجبهما وتثبتهما فقط وتقضي بوجودهما على الإطلاق كذلك لا تتعرض في قولك زيد منطلق لأكثر من إثباته لزيد وأما الفعل فإنه يقصد فيه إلى ذلك فإذا قلت زيد ها هو ذا ينطلق فقد زعمت أن الانطلاق يقع منه جزءا فجزءا وجعلته يزاوله ويزجيه وإن شئت أن تحس الفرق بينهما من حيث يلطف فتأمل هذا البيت البسيط لا يألف الدرهم المضروب خرقتنا لكن يمر عليها وهو منطلق هذا هو الحسن اللائق بالمعنى ولو قلته بالفعل لكن يمر

عليها وهو ينطلق لم يحسن وإذا أردت أن تعتبره بحيث لا يخفى أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه فانظر إلى قوله تعالى وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فإن أحدا لا يشك في امتناع الفعل هاهنا وأن قولنا كلبهم يبسط ذراعيه لا يؤدي الغرض وليس ذلك إلا لأن الفعل يقتضي مزاولة وتجدد الصفة في الوقت ويقتضي الاسم ثبوت الصفة وحصولها من غير أن يكون هناك مزاولة وتزجية فعل ومعنى يحدث شيئا فشيئا ولا فرق بين وكلبهم باسط وبين أن يقول وكلبهم واحد مثلا في أنك لا

تثبت مزاولة ولا تجعل الكلب يفعل شيئا بل تثبته بصفة هو عليها فالغرض إذا تأدية هيئة الكلب ومتى اعتبرت الحال في الصفات المشبهة وجدت الفرق ظاهرا بينا ولم يعترضك الشك في أن أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه فإذا قلت زيد طويل وعمرو قصير لم يصلح مكانه يطول ويقصر وإنما تقول يطول ويقصر إذا كان الحديث عن شيء يزيد وينمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك مما يتجدد فيه الطول أو يحدث فيه القصر فأما وأنت تحدث عن هيئة ثابتة وعن شيء قد استقر طوله ولم

يكن ثم تزايد وتجدد فلا يصلح فيه إلا الاسم وإذا ثبت الفرق بين الشيئين في مواضع كثيرة وظهر الأمر بأن ترى أحدهما لا يصلح في موضع صاحبه وجب أن تقضي بثبوت الفرق حيث ترى أحدهما قد صلح في مكان الآخر وتعلم أن المعنى مع أحدهما غيره مع الآخر كما هو العبرة في حمل الخفي على الجلي وينعكس لك هذا الحكم أعني أنك كما وجدت الاسم يقع حيث لا يصلح الفعل مكانه كذلك تجد الفعل يقع ثم لا يصلح الاسم مكانه ولا يؤدي ما كان يؤديه

فمن البين في ذلك قول الأعشى الطويل لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في يفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق معلوم أنه لو قيل إلى ضوء نار محرقة لنبا عنه الطبع وأنكرته النفس ثم لا يكون ذاك النبو وذاك الإنكار من أجل القافية وأنها تفسد به من جهة أنه لا يشبه الغرض ولا يليق بالحال وكذلك قوله الكامل أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي عريفهم يتوسم وذاك لأن المعنى في بيت الأعشى على أن هناك موقدا يتجدد منه

الإلهاب والإشعال حالا فحالا وإذا قيل محرقة كان المعنى أن هناك نارا قد ثبتت لها وفيها هذه الصفة وجرى مجرى أن يقال إلى ضوء نار عظيمة في أنه لا يفيد فعلا يفعل وكذلك الحال في قوله بعثوا إلي عريفهم يتوسم وذلك لأن المعنى على توسم وتأمل ونظر يتجدد من العريف هناك حالا فحالا وتصفح منه للوجوه واحدا بعد واحد ولو قيل بعثوا إلي عريفهم متوسما لم يفد ذلك حق الإفادة ومن ذلك قوله تعالى هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لو قيل

هل من خالق غير الله رازق لكم لكان المعنى غير ما أريد ولا ينبغي أن يغرك أنا إذ تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم كما نقول في زيد يقوم إنه في موضع زيد قائم فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيها استواء لا يكون من بعده افتراق فإنهما لو استويا هذا الاستواء لم يكن أحدهما فعلا والآخر اسما بل كان ينبغي أن يكونا جميعا فعلين أو يكونا اسمين ومن فروق الإثبات أنك تقول زيد منطلق و زيد المنطلق

و المنطلق زيد فيكون لك في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص وفائدة لا تكون في الباقي وأنا أفسر لك ذلك اعلم انك إذا قلت زيد منطلق كان كلامك مع من لم يعلم أن انطلاقا كان لا من زيد ولا من عمرو فأنت تفيده ذلك ابتداء وإذا قلت زيد المنطلق كان كلامك مع من عرف أن انطلاقا كان إما من زيد وإما من عمرو فأنت تعلمه أنه كان من زيد ودون غيره والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك زيد منطلق فعلا لم

يعلم السامع من أصله أنه كان وتثبت في الثاني الذي هو زيد المنطلق فعلا قد علم السامع أنه كان ولكنه لم يعلمه لزيد فأفدته ذلك فقد وافق الأول في المعنى الذي له كان الخبر خبرا وهو إثبات المعنى للشيء وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت أن انطلاقا كان من أحد الرجلين لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو كان حالك في الحاجة إلى من يثبته لزيد كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله وتمام التحقيق أن

هذا كلام يكون معك إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان انطلاق من موضع كذا في وقت كذا لغرض كذا فجوزت أن يكون ذلك كان من زيد فإذا قيل لك زيد المنطلق صار الذي كان معلوما على جهة الجواز معلوما على جهة الوجوب ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فصلا بين الجزءين فقالوا زيد هو المنطلق ومن الفرق بين المسألتينوهو ما تمس الحاجة إلى معرفته أنك إذا نكرت الخبر جاز أن تأتي بمبتدأ ثان على أن تشركه بحرف العطف في

المعنى الذي أخبرت به عن الأول وإذا عرفت لم يجز ذلك تفسير هذا أنك تقول زيد منطلق وعمرو تريد وعمرو منطلق أيضا ولا تقول زيد المنطلق وعمرو ذلك لأن المعنى مع التعريف على أنك أردت أن تثبت انطلاقا مخصوصا قد كان من واحد فإذا أثبته لزيد لم يصح إثباته لعمرو ثم إن كان قد كان ذلك الانطلاق من اثنين فإنه ينبغي أن يجمع بينهما في الخبر فتقول زيد وعمرو هما المنطلقان لا أن تفرق فتثبته أولا لزيد ثم تجيء فتثبته لعمرو ومن الواضح في تمثيل

هذا النحو قولنا هو القائل بيت كذا كقولك جرير هو القائل الطويل وليس لسيفي في العظام بقية فأنت لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره فتقول جرير هو القائل هذا البيت وفلان حاولت محالا لأنه قوله بعينه فلا يتصور أن يشرك جريرا فيه غيره واعلم أنك تجد الألف واللام في الخبر على معنى الجنس ثم ترى له في ذلك وجوها أحدها أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة وذلك قولك زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع تريد أنه الكامل إلا أنك تخرج

الكلام في صورة توهم أن الجود والشجاعة لم توجد إلا فيه وذلك لأنك لم تعتد بما كان من غيره لقصوره عن أن يبلغ الكمال فهذا كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك فلو قلت زيد هو الجواد وعمرو كان خلفا من القول والوجه الثاني أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع

برأسه وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت كقولك هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرا وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى ثم اشترطت له مفعولا مخصوصا كقول الأعشى من المتقارب هو الواهب المئة المصطفاة إما مخاضا وإما عشارا فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد نوعا خاصا من الوفاء وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعا خاصا من الوفاء وكذا الباقي ثم إنك تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص وأنه للمذكور دون من عداه ألا ترى أن المعنى في بيت

الأعشى أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح وربما ظن أن اللام في هو الواهب المئة المصطفاة بمنزلتها في نحو زيد هو المنطلق من حيث كان القصد إلى هبة مخصوصة كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص وليس الأمر كذلك لأن القصد هاهنا إلى جنس من الهبة مخصوص لا إلى هبة مخصوصة بعينها يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه وعلى أنه يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى وأما المعنى في قولك زيد هو المنطلق فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة واحدة لا إلى

جنس من الانطلاق فالتكرر هناك غير متصور كيف وأنت تقول جرير هو القائل وليس لسيفي في العظام بقية تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه فافصل بين أن تقصد إلى نوع فعل وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين حاله في المعاني حال زيد في الرجال في أنه ذات بعينها والوجه الثالث أن لا تقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور لا كما كان في زيد هو الشجاع تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله هو الواهب المئة المصطفاة لكن

على وجه ثالث وهو الذي عليه قول الخنساء الوافر إذا قبح البكاء على قتيل رأيت بكاءك الحسن الجميلا لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل ولم تقيد الحسن بشيء فيتصور أن يقصر على البكاء كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح ولكنها أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه شاك ومثله قول حسان الطويل وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد أراد أن يثبت العبودية ثم يجعله ظاهر

الأمر فيها ومعروفا بها ولو قال ووالدك عبد لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة وعلى ذلك قول الآخر الطويل أسود إذا ما أبدت الحرب نابها وفي سائر الدهر الغيوث المواطر واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك وله مسلك ثم دقيق ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال يعرف وينكر وذلك قولك هو البطل المحامي وهو المتقى المرتجى وأنت لا تقصد شيئا مما تقدم فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ولم يعلم ممن كان

كما مضى في قولك زيد هوالمنطلق ولا تريد أن تقصر معنى عليه على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال كما كان في قولك ولكنك تريد أن تقول لصاحبك هل سمعت بالبطل المحامي وهل حصلت معنى هذه الصفة وكيف ينبغي أن يكون الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه فإن كنت قتلته علما وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك واشدد به يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك وطريقه طريق قولك هل سمعت بالأسد وهل تعرف ما هو فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه ويزداد هذا

المعنى ظهورا بأن تكون الصفة التي تريد الإخبار بها عن المبتدأ مجراة على موصوف كقول ابن الرومي الطويل هو الرجل المشروك في جل ماله ولكنه بالمجد والحمد مفرد تقديره كأنه يقول للسامع فكر في رجل لا يتميز عفاته وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاؤوا منه فإذا حصلت صورته في نفسك فاعلم أنه ذلك الرجل وهذا فن عجيب الشأن وله مكان من الفخامة والنبل وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه والمعول فيه على مراجعة النفس واستقصاء التأمل فإذا علمت أنه