ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 4 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 4 من 131,737 كلمة في هذا الجزء

فليقل في الوزن ما شاء وليضعه حيث أراد فليس يعنينا أمره ولا هو مرادنا من هذا الذي راجعنا القول فيه وهذا هو الجواب لمتعلق إن تعلق بقوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له وأراد أن يجعله حجة في المنع من الشعر ومن حفظه وروايته وذاك أنا نعلم أنه لم يمنع الشعر من أجل أن كان قولا فضلا وكلاما جزلا ومنطقا حسنا وبيانا بينا كيف وذلك يقتضي أن يكون الله تعالى قد منعه البيان والبلاغة وحماه الفصاحة والبراعة وجعله لا يبلغ مبلغ الشعراء في حسن

العبارة وشرف اللفظ وهذا جهل عظيم وخلاف لما عرفه العلماء وأجمعوا عليه من أنه كان أفصح العرب وإذا بطل أن يكون المنع من أجل هذه المعاني وكنا قد أعلمناه أنا ندعو إلى الشعر من أجلها ونحذو بطلبه على طلبها كان الاعتراض بالآية محالا والتعلق بها خطلا من الرأي وانحلالا فإن قال إذا قال الله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له فقد كره للنبي الشعر ونزهه عنه بلا شبهة وهذه الكراهة وإن كانت لا تتوجه إليه من حيث هو كلام ومن حيث إنه بليغ بين

وفصيح حسن ونحو ذلك فإنها تتوجه إلى أمر لا بد لك من التلبس به في طلب ما ذكرت أنه مرادك من الشعر وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تميز كونه كلاما عن كونه شعرا حتى إذا رويته التبست به من حيث هو كلام ولم تلتبس به من حيث هو شعر وهذا محال وإذا كان لا بد لك من ملابسة موضع الكراهة فقد لزم العيب برواية الشعر وإعمال اللسان فيه قيل له هذا منك كلام لا يتحصل وذلك أنه لو كان الكلام إذا وزن حط

ذلك من قدره وأزرى به وجلب على المفرغ له في ذلك القالب إثما وكسبه ذما لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو من يريده لمكان الوزن خصوصا دون من يريده لأمر خارج عنه ويطلبه لشيء سواه فأما قولك إنك لا تستطيع أن تطلب من الشعر ما لا يكره حتى تلتبس بما يكره فإني إذا لم أقصده من أجل ذلك المكروه ولم أرده له وأردته لأعرف به مكان بلاغة وأجعله مثالا في براعة أو أحتج في تفسير كتاب وسنة وأنظر إلى نظمه

ونظم القرآن فأرى موضع الإعجاز وأقف على الجهة التي منها كان وأتبين الفصل والفرقان فحق هذا التلبس أن لا يعتد علي وأن لا أؤاخذ به إذ لا تكون مؤاخذة حتى يكون عمد إلى أن تواقع المكروه وقصد إليه وقد تتبع العلماء الشعوذة والسحر وعنوا بالتوقف على حيل المموهين ليعرفوا فرق ما بين المعجزة والحيلة فكان ذلك منهم من أعظم البر إذ كان الغرض كريما والقصد شريفا هذا وإذا نحن رجعنا إلى ما قدمناه من الأخبار وما صح من الآثار وجدنا الأمر على خلاف ما ظن

هذا السائل ورأينا السبيل في منع النبي الوزن وأن ينطلق لسانه بالكلام الموزون غير ما ذهبوا إليه وذاك لو كان منع تنزيه وكراهة لكان ينبغي أن يكره له سماع الكلام موزونا وأن ينزه سمعه عنه كما نزه لسانه ولكان لا يأمر به ولا يحث عليه وكان الشاعر لا يعان على وزن الكلام وصياغته شعرا ولا يؤيد فيه بروح القدس وإذا كان هذا كذلك فينبغي أن يعلم أن ليس المنع في ذلك منع تنزيه وكراهة بل سبيل الوزن في منعه عليه السلام إياه سبيل الخط حين

جعل عليه السلام لا يقرأ ولا يكتب في أن لم يكن المنع من أجل كراهة كانت في الخط بل لأن تكون الحجة أبهر وأقهر والدلالة أقوى وأظهر ولتكون أكعم للجاحد وأقمع للمعاند وأرد لطالب الشبهة وأمنع في ارتفاع الريبة وأما التعلق بأحوال الشعراء بأنهم قد ذموا في كتاب الله تعالى فما أرى عاقلا يرضى به أن يجعله حجة في ذم الشعر وتهجينه والمنع من حفظه وروايته والعلم بما فيه من بلاغة وما يختص به من أدب وحكمة ذاك لأنه يلزم على قود هذا القول أن

يعيب العلماء في استشهادهم بشعر امرىء القيس وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن وفي غريبة وغريب الحديث وكذلك يلزمه أن يدفع ما تقدم ذكره من أمر النبي بالشعر وإصغائه إليه واستحسانه له هذا ولو كان يسوغ ذم القول من أجل قائله وأن يحمل ذنب الشاعر على الشعر لكان ينبغي أن يخص ولا يعم وأن يستثنى فقد قال الله عز وجل إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ولولا أن القول يجر بعضه بعضا وأن الشيء يذكر لدخوله في القسمة لكان حق هذا ونحوه أن

لا يشاغل به وأن لا يعاد ويبدأ في ذكره

وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له وإصغارهم أمره وتهاونهم به فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم وأشبه بأن يكون صدا عن كتاب الله وعن معرفة معاينه ذاك لأنهم لا يجدون بدا من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه

ولا ينكر ذلك إلا من نكر حسه وإلا من غالط في الحقائق نفسه وإذا كان الأمر كذلك فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه ولم ير أن يستسقيه من مصبه ويأخذه من معدنه ورضي لنفسه بالنقص والكمال لها معرض وآثر الغبينة وهو يجد إلى الربح سبيلا فإن قالوا إنا لم نأب صحة هذا العلم ولم ننكر مكان الحاجة إليه في معرفة كتاب الله تعالى وإنما أنكرنا أشياء كثرتموه بها وفضول قول تكلفتموها ومسائل عويصة تجشمتم الفكر فيها ثم لم تحصلوا على شيء أكثر

من أن تغربوا على السامعين وتعايوا بها الحاضرين قيل لهم خبرونا عما زعمتم أنه فضول قول وعويص لا يعود بطائل ما هو فإن بدأوا فذكروا مسائل التصريف التي يضعها النحويون للرياضة ولضرب من تمكين المقاييس في النفوس كقولهم كيف تبني من كذا كذا وكقولهم ما وزن كذا وتتبعهم في ذلك الألفاظ الوحشية كقولهم ما وزن عزويت وما وزن أرونان

وكقولهم في باب ما لا ينصرف لو سميت رجلا بكذا كيف يكون الحكم وأشباه ذلك وقالوا أتشكون أن ذلك لا يجدي إلا كد الفكر وإضاعة الوقت قلنا لهم أما هذا الجنس فلسنا نعيبكم إن لم تنظروا فيه ولم تعنوا به وليس يهمنا أمره فقولوا فيه ما شئتم وضعوه حيث أردتم فإن تركوا ذلك وتجاوزوه إلى الكلام على أغراض واضع اللغة وعلى وجه الحكمة في الأوضاع وتقرير المقاييس التي اطردت عليها وذكر العلل التي اقتضت أن تجري على ما أجريت عليه كالقول في المعتل وفيما يلحق

الثلاثة التي هي الواو والياء والألف من التغير بالإبدال والحذف والإسكان أو ككلامنا مثلا على التثنية وجمع السلامة لم كان إعرابهما على خلاف إعراب الواحد ولم تبع النصب فيهما الجر وفي النون أنه عوض عن الحركة والتنوين في حال وعن الحركة وحدها في حال والكلام على ما ينصرف وما لا ينصرف ولم كان منع الصرف وبيان العلة فيه والقول على الأسباب التسعة وأنها كلها ثوان لأصول وأنه إذا حصل منها اثنان في العلم أو تكرر سبب صار بذلك ثانيا من جهتين وإذا صار كذلك أشبه

الفعل لأن الفعل ثان للأسم والأسم المقدم والأول وكل ما جرى هذا المجرى قلنا إنا نسكت عنكم في هذا الضرب أيضا ونعذركم فيه ونسامحكم على علم منا بأن قد أسأتم الاختيار ومنعتم أنفسكم ما فيه الحظ لكم ومنعتموها الاطلاع على مدارج الحكمة وعلى العلوم الجمة فدعوا ذلك وانظروا في الذي اعترفتم بصحته وبالحاجة إليه

هل حصلتموه على وجهه وهل أحطتم بحقائقه وهل وفيتم كل باب منه حقه وأحكمتموه إحكاما يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير وتعاطيتم علم التأويل ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم وعدتم في ذلك وبدأتم وزدتم ونقصتم وهل رأيتم إذ قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر وأن إعرابهما الرفع أن تجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره فتعلموا أنه يكون مفردا وجملة وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميرا له وإلى ما لا يحتمل الضمير وأن الجملة على أربعة

أضرب وأنه لا بد لكل جملة وقعت خبرا لمبتدأ من أن يكون فيها ذكر يعود إلى المبتدأ وأن هذا الذكر ربما حذف لفظا وأريد معنى وأن ذلك لا يكون حتى يكون في الحال دليل عليه إلى سائر ما يتصل بباب الإبتداء من المسائل اللطيفة والفوائد الجليلة التي لا بد منها وإذا نظرتم في الصفة مثلا فعرفتم أنها تتبع الموصوف وأن مثالها قولك جاءني رجل ظريف ومررت بزيد الظريف هل ظننتم أن وراء ذلك علما وأن هاهنا صفة تخصص وصفة توضح وتبين وأن فائدة التخصيص غير

فائدة التوضيح كما أن فائدة الشياع غير فائدة الإبهام وأن من الصفة صفة لا يكون فيها تخصيص ولا توضيح ولكن يؤتى بها مؤكدة كقولهم أمس الدابر وكقوله تعالى فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وصفة يراد بها المدح والثناء كالصفات الجارية على اسم الله تعالى جدة وهل عرفتم الفرق بين الصفة والخبر وبين كل واحد منها وبين الحال وهل عرفتم أن هذه الثلاثة تتفق في أن كافتها لثبوت المعنى للشيء ثم تختلف في كيفية ذلك الثبوت وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب كلها واحدا واحدا

ويسألوا عنها بابا بابا ثم يقال ليس إلا أحد أمرين إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب الله تعالى وفي خبر رسول الله وفي معرفة الكلام جملة إلى شيء من ذلك وتزعموا أنكم إذا عرفتم مثلا أن الفاعل رفع لم يبق عليكم في باب الفاعل شيء تحتاجون إلى معرفته وإذا نظرتم إلى قولنا زيد منطلق لم تحتاجوا من بعده إلى شيء تعلمونه في الابتداء والخبر وحتى تزعموا مثلا أنكم لا تحتاجون في أن تعرفوا وجه الرفع في الصابئون

في سورة المائدة إلى ما قاله العلماء فيه وإلى استشهادهم بقول الشاعر الوافر وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وحتى كأن المشكل على الجميع غير مشكل عندكم وحتى كأنكم قد أوتيتم أن تستنبطوا من المسألة الواحدة من كل باب مسائله كلها فتخرجوا إلى فن من التجاهل لا يبقى معه كلام وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم أمر هذا العلم وظننتم ما ظننتم فيه فترجعوا إلى الحق وتسلموا الفضل لأهله وتدعوا الذي يزري بكم ويفتح باب العيب عليكم ويطيل لسان القادح

فيكم وبالله التوفيق هذا ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة وإذ زعموا أن قدر المفتقر إليه القليل منه ولم يخوضوا في التفسير ولم يتعاطوا التأويل لكان البلاء واحدا ولكانوا إذ لم يبنوا لم يهدموا وإذ لم يصلحوا لم يكونوا سببا للفساد ولكنهم لم يفعلوا فجلبوا من الداء ما أعيى الطبيب وحير اللبيب وانتهى التخليط بما أتوه فيه إلى حد يئس من تلافيه فلم يبق للعارف الذي يكره الشغب إلا التعجب والسكوت وما الآفة العظمى إلا واحدة وهي أن يجيء من الإنسان

أن يجري لفظه ويمشي له أن يكثر في غير تحصيل وأن يحسن البناء على غير أساس وأن يقول الشيء لم يقتله علما ونسأل الله الهداية ونرغب إليه في العصمة ثم إنا وإن كنا في زمان هو على ما هو عليه من إحالة الأمور عن جهاتها وتحويل الأشياء عن حالاتها ونقل النفوس عن طباعها وقلب الخلائق المحمودة إلى أضدادها ودهر ليس للفضل وأهله لديه إلا الشر صرفا والغيظ بحتا وإلا ما يدهش عقولهم ويسلبهم معقولهم حتى صار أعجر الناس رأيا عند الجميع من كانت له همة