ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 131,798 كلمة في هذا الجزء

مقدمة المؤلف بقلمه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين

نحمده على عظيم نعمائه وجميل بلائه ونستكفيه نوائب الزمان ونوازل الحدثان ونرغب إليه في التوفيق والعصمة ونبرأ إليه من الحول والقوة ونسأله يقينا يملأ الصدر ويعمر القلب ويستولي على النفس حتى يكفها إذا نزغت ويردها إذا تطلعت وثقة بأنه عز وجل الوزر والكالىء والراعي والحافظ وأن الخير والشر بيده وأن النعم كلها من عنده وأن لا سلطان لأحد مع سلطانه نوجه رغباتنا إليه ونخلص نياتنا في التوكل عليه وأن يجعلنا ممن همه الصدق وبغيته الحق وغرضه الصواب وما تصححه العقول وتقبله الألباب ونعوذ به من

أن ندعي العلم بشيء لا نعلمه وأن نسدي قولا لا نلحمه وأن نكون ممن يغره الكاذب من الثناء وينخدع للمتجوز في الإطراء وأن يكون سبيلنا سبيل من يعجبه أن يجادل بالباطل ويموه على السامع ولا يبالي إذا راج عنه القول أن يكون قد خلط فيه ولم يسدد في معانيه ونستأنف الرغبة إليه عز وجل في الصلاة على خير خلقه والمصطفى من بريته محمد سيد المرسلين وعلى أصحابه الخلفاء الراشدين وعلى آله الأخيار من بعدهم أجمعين وبعد فإنا إذا تصفحنا الفضائل لنعرف منازلها في الشرف ونتبين

مواقعها من العظم ونعلم أي أحق منها بالتقديم وأسبق في استيجاب التعظيم وجدنا العلم أولاها بذلك وأولها هنالك إذ لا شرف إلا وهو السبيل إليه ولا خير إلا وهو الدليل عليه ولا منقبة إلا وهو ذروتها وسنامها ولا مفخرة إلا وبه صحتها وتمامها ولا حسنة إلا وهو مفتاحها ولا محمدة إلا ومنه يتقد مصباحها وهو الوفي إذا خان كل صاحب والثقة إذا لم يوثق بناصح لولاه لما بان الإنسان من سائر الحيوان إلا بتخطيط صورته وهيئة جسمه وبنيته لا ولا وجد إلى اكتساب الفضل طريقا

ولا وجد بشيء من المحاسن خليقا ذاك لأنا وإن كنا لا نصل إلى اكتساب فضيلة إلا بالفعل وكان لا يكون فعل إلا بالقدرة فإنا لم نر فعلا زان فاعله وأوجب الفضل له حتى يكون عن العلم صدره وحتى يتبين ميسمه عليه وأثره ولم نر قدرة قط أكسبت صاحبها مجدا وأفادته حمدا دون أن يكون العلم رائدها فيما تطلب وقائدها حيث تؤم وتذهب ويكون المصرف لعنانها والمقلب لها في ميدانها فهي إذا مفتقرة في أن تكون فضيلة إليه وعيال في استحقاق هذا الاسم عليه وإذا هي

خلت من العلم أو أبت أن تمتثل أمره وتقتفي رسمه آلت ولا شيء أحشد للذم على صاحبها منها ولا شين أشين من إعماله لها فهذا في فضل العلم لا تجد عاقلا يخالفك فيه ولا ترى أحدا يدفعه أو ينفيه فأما المفاضلة بين بعضه وبعض وتقديم فن منه على فن فإنك ترى الناس فيه على آراء مختلفة وأهواء متعادية ترى كلا منهم لحبه نفسه وإيثاره أن يدفع النقص عنها يقدم ما يحسن من أنواع العلم على ما لا يحسن ويحاول الزراية على الذي لم يحظ به

والطعن على أهله والغض منهم ثم تتفاوت أحوالهم في ذلك فمن مغمور قد استهلكه هواه وبعد في الجور مداه ومن مترجح فيه بين الإنصاف والظلم يجور تارة ويعدل أخرى في الحكم فأما من يخلص في هذا المعنى من الحيف حتى لا يقضي إلا بالعدل وحتى يصدر في كل أمره عن العقل فكالشيء الممتنع وجوده ولم يكن ذلك كذلك إلا لشرف العلم وجليل محله وأن محبته مركوزة في الطباع ومركبة في النفوس وأن الغيرة عليه لازمة للجبلة وموضوعة في الفطرة وأنه لا عيب أعيب عند الجميع

من عدمه ولا ضعة أوضع من الخلو عنه فلم يعاد إذا إلا من فرط المحبة ولم يسمح به إلا لشدة الضن ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا وأبسق فرعا وأحلى جنى وأعذب وردا وأكرم نتاجا وأنور سراجا من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي ويصوغ الحلي ويلفظ الدر وينفث السحر ويقري الشهد ويريك بدائع من الزهر ويجنيك الحلو اليانع من الثمر والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها وتصويره إياها لبقيت كامنة مستورة ولما استبنت لها يد الدهر صورة ولا ستمر

السرار بأهلتها واستولى الخفاء على جملتها إلى فوائد لا يدركها الإحصاء ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء الا أنك لن ترى على ذلك نوعا من العلم قد لقي من الضيم ما لقيه ومني من الحيف بما مني به ودخل على الناس من الغلط في معناه ما دخل عليهم فيه فقد سبقت إلى نفوسهم اعتقادات فاسدة وظنون ردية وركبهم فيه جهل عظيم وخطأ فاحش ترى كثيرا منهم لا يرى له معنى أكثر مما يرى للإشارة بالرأس والعين وما يجده للخط والعقد يقول إنما هو خبر واستخبار وأمر ونهي

ولكل من ذلك لفظ قد وضع له وجعل دليلا عليه فكل من عرف أوضاع لغة من اللغات عربية كانت أو فارسية وعرف المغزى من كل لفظة ثم ساعده اللسان على النطق بها وعلى تأدية أجراسها وحروفها فهو بين في تلك اللغة كامل الأداة بالغ من البيان المبلغ الذي لا مزيد عليه منته إلى الغاية التي لا مذهب بعدها يسمع الفصاحة والبلاغة والبراعة فلا يعرف لها معنى سوى الإطناب في القول وأن يكون المتكلم في ذلك جهير الصوت جاري اللسان لا تعترضه لكنة ولا تقف به

حبسة وأن يستعمل اللفظ الغريب والكلمة الوحشية فإن استظهر للأمر وبالغ في النظر فأن لا بلحن فيرفع في موضع النصب أو يخطىء فيجيء باللفظة على غير ما هي عليه في الوضع اللغوي وعلى خلاف ما ثبتت به الرواية عن العرب وجملة الأمر أنه لا يرى النقص يدخل على صاحبه في ذلك إلا من جهة نقصه في علم اللغة لا يعلم أن ها هنا دقائق وأسرارا طريق العلم بها الروية والفكر ولطائف مستقاها العقل وخصائص معان ينفرد بها قوم قد هدوا إليها ودلوا عليها وكشف لهم

عنها ورفعت الحجب بينهم وبينها وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام ووجب أن يفضل بعضه بعضا وأن يبعد الشأو في ذلك وتمتد الغاية ويعلو المرتقى ويعز المطلب حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز وإلى أن يخرج من طوق البشر ولما لم تعرف هذه الطائفة هذه الدقائق وهذه الخواص واللطائف لم تتعرض لها ولم تطلبها ثم عن لها بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينها وبين العلم بها وسدا دون أن تصل إليها وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها وعليه المعول فيها وفي

علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي ينميها إلى أصولها ويبين فاضلها من مفضولها فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين وتطرح كلا من الصنفين وترى التشاغل عنهما أولى من الاشتغال بهما والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما أما الشعر فخيل إليها أنه ليس فيه كثير طائل وأن ليس إلا ملحة أو فكاهة أو بكاء منزل أو وصف طلل أو نعت ناقة أو جمل أو إسراف قول في مدح أو هجاء وأنه ليس بشيء تمس الحاجة إليه في صلاح دين أو دنيا

وأما النحو فظنته ضربا من التكلف وبابا من التعسف وشيئا لا يستند إلى أصل ولا يعتمد فيه على عقل وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما يتصل بذلك مما تجده في المبادىء فهو فضل لا يجدي نفعا ولا تحصل منه على فائدة وضربوا له المثل بالملح كما عرفت إلى أشباه لهذه الظنون في القبيلين وآراء لو علموا مغبتها وما تقود إليه لتعوذوا بالله منها ولأنفوا لأنفسهم من الرضا بها ذاك لأنهم بإيثارهم الجهل بذلك على العلم في معنى الصاد عن سبيل الله والمبتغي

إطفاء نور الله تعالى وذاك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت وبانت وبهرت هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر ومنتهيا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر وكان محالا أن يعرف كونه كذلك إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب وعنوان الأدب والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذا تجاروا في الفصاحة والبيان وتنازعوا فيهما قصب الرهان ثم بحث عن العلل التي بها كان التباين في الفضل وزاد بعض الشعر على بعض كان

الصاد عن ذلك صادا عن أن تعرف حجة الله تعالى وكان مثله مثل من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب الله تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرؤوه ويصنع في الجملة صنيعا يؤدي إلى أن يقل حفاظه والقائمون به والمقرئون له ذاك لأنا لم نتعبد بتلاوته وحفظه والقيام بأداء لفظه على النحو الذي أنزل عليه وحراسته من أن يغير ويبدل إلا لتكون الحجة به قائمة على وجه الدهر تعرف في كل زمان ويتوصل إليها في كل أوان ويكون سبيلها سبيل سائر العلوم التي يرويها الخلف عن

السلف ويأثرها الثاني عن الأول فمن حال بيننا وبين ماله كان حفظنا إياه واجتهادنا في أن نؤديه ونرعاه كان كمن رام أن ينسيناه جملة ويذهبه من قلوبنا دفعة فسواء من منعك الشيء الذي ينتزع منه الشاهد والدليل ومن منعك السبيل إلى انتزاع تلك الدلالة والاطلاع على تلك الشهادة ولا فرق بين من أعدمك الدواء الذي تستشفي به من دائك وتستبقي به حشاشة نفسك وبين من أعدمك العلم بأن فيه شفاء وأن لك فيه استبقاء فإن قال منهم قائل إنك قد أغفلت فيما رتبت فإن لنا

طريقا إلى إعجاز القرآن غير ما قلت وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله وتركهم أن يعارضوه مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم بالعجز عنه ولأن الأمر كذلك ما قامت به الحجة على العجم قيامها على العرب واستوى الناس قاطبة فلم يخرج الجاهل بلسان العرب من أن يكون محجوجا بالقرآن قيل له خبرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا عليه السلام بأن كانت معجزته باقية على وجه الدهر أتعرف له معنى غير أن لا يزال البرهان منه لائحا معرضا لكل من أراد

العلم به وطلب الوصول إليه والحجة فيه وبه ظاهرة لمن أرادها والعلم بها ممكنا لمن التمسه فإذا كنت لا تشك في أن لا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي له كان معجزا قائم فيه أبدا وأن الطريق إلى العلم به موجود والوصول إليه ممكن فانظر أي رجل تكون إذا أنت زهدت في أن تعرف حجة الله تعالى وآثرت فيه الجهل على العلم وعدم الاستبانة على وجودها وكان التقليد فيها أحب إليك والتعويل على علم غيرك آثر لديك ونح الهوى عنك وراجع عقلك واصدق

نفسك يبن لك فحش الغلط فيما رأيت وقبح الخطأ في الذي توهمت وهل رأيت رأيا أعجز واختيارا أقبح ممن كره أن تعرف حجة الله تعالى من الجهة التي إذا عرفت منها كانت أنور وأبهر وأقوى وأقهر وآثر أن لا يقوى سلطانها على الشرك كل القوة ولا تعلو على الكفر كل العلو والله المستعان فصل في الكلام على من زهد في رواية الشعر وحفظه وذم الاشتغال بعلمه وتتبعه لا يخلو من كان هذا رأيه من أمور أحدها أن يكون رفضه له وذمه إياه من أجل ما

يجده فيه من هزل وسخف وهجاء وسب وكذب وباطل على الجملة والثاني أن يذمه لأنه موزون مقفى ويرى هذا بمجرده عيبا يقتضي الزهد فيه والتنزه عنه والثالث أن يتعلق بأحوال الشعراء وأنها غير جميلة في الأكثر ويقول قد ذموا في التنزيل وأي كان من هذه رأيا له فهو في ذلك على خطأ ظاهر وغلط فاحش وعلى خلاف ما يوجبه القياس والنظر وبالضد مما جاء به الأثر وصح به الخبر أما من زعم أن ذمه له من أجل ما يجد فيه من هزل وسخف وكذب وباطل

فينبغي أن يذم الكلام كله وأن يفضل الخرس على النطق والعي على البيان فمنثور كلام الناس على كل حال أكثر من منظومه والذي زعم أنه ذم الشعر من أجله وعاداه بسببه فيه أكثر لأن الشعراء في كل عصر وزمان معدودون والعامة ومن لا يقول الشعر من الخاصة عديد الرمل ونحن نعلم أن لو كان منثور الكلام يجمع كما يجمع المنظوم ثم عمد عامد فجمع ما قيل من جنس الهزل والسخف نثرا في عصر واحد لأربى على جميع ما قاله الشعراء نظما في الأزمان الكثيرة ولغمره