ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 3 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 3 من 131,785 كلمة في هذا الجزء

حتى لا يظهر فيه ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط ولم تحفظ إلا الجد المحض وإلا ما لا معاب عليك في روايته وفي المحاضرة به وفي نسخه وتدوينه لكان في ذلك غنى ومندوحة ولوجدت طلبتك ونلت مرادك وحصل لك ما نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة فاختر لنفسك ودع ما تكره إلى ما تحب هذا وراوي الشعر حاك وليس على الحاكي عيب ولا عليه تبعة إذا هو لم يقصد بحكايته أن ينصر باطلا أو يسوء مسلما وقد حكى الله تعالى كلام

الكفار فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر ومن أجله أريد وله دون تعلم أنك قد زغت عن المنهج وأنك مسيء في هذه العداوة وهذه العصبية منك على الشعر وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش وفيها ذكر الفعل القبيح ثم لم يعبهم ذلك إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه ولم يرووا الشعر من أجله قالوا وكان الحسن البصري رحمه الله يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر وكان من أوجعها عنده الكامل اليوم عندك دلها وحديثها وغدا لغيرك كفها والمعصم

وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكره المرزباني في كتابه بإسناد عن عبد الملك بن عمير أنه قال أتي عمر رضوان الله عليه بحلل من اليمن فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن حاطب فدخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة فقال ائذن لهم يا غلام فدعا بحلل فأخذ زيد أجودها وقال هذه لمحمد بن حاطب وكانت أمه عنده

وهو من بني لؤي فقال عمر رضي الله عنه أيهات أيهات وتمثل بشعر عمارة بن الوليد الطويل أسرك لما صرع القوم نشوة خروجي منها سالما غير غارم بريئا كأني قبل لم أك منهم وليس الخداع مرتضى في التنادم ردها ثم قال ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل وقال أدخل يدك فخذ حلة وأنت لا تراها فأعطهم قال عبد الملك فلم أر قسمة أعدل منها وعمارة هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة خطب امرأة من قومه فقالت لا أتزوجك أو تترك الشراب فأبى ثم اشتد

وجده بها فحلف لها ألا يشرب ثم مر بخمار عنده شرب يشربون فدعوه فدخل عليهم وقد أنفدوا ما عندهم فنحر لهم ناقته وسقاهم ببرديه ومكثوا أياما ثم خرج فأتى أهله فلما رأته امرأته قالت ألم تحلف ألا تشرب فقال ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ثياب الندامى عندهم كالغنائم ولكننا يا أم عمرو نديمنا بمنزلة الريان ليس بعائم أسرك البيتين فإذا رب هزل أداة في جد وكلام جرى في باطل ثم استعين به على حق كما أنه رب شيء خسيس توصل به إلى شريف بأن

ضرب مثلا فيه وجعل مثالا له كما قال أبو تمام الكامل والله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس وعلى العكس فرب كلمة حق أريد بها باطل فاستحق عليها الذم كما عرفت من خبر الخارجي مع علي رضوان الله عليه ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى قبيح كالذي حكى الجاحظ قال رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن يوسف وهو يومئذ والي اليمن فقال ما ظننت أن قول سبحان الله يكون معصية لله حتى كان اليوم سمعت رجلا أبلغ

ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس سبحان الله كالمستعظم لذلك الكلام ليغضب ابن يوسف فبهذا ونحوه فاعتبر واجعله حكما بينك وبين الشعر وبعد فكيف وضع من الشعر عندك وكسبه المقت منك أنك وجدت فيه الباطل والكذب وبعض ما لا يحسن ولم يرفعه في نفسك ولم يوجب له المحبة من قلبك أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب وأن كان مجنى ثمر العقول والألباب ومجتمع فرق الآداب والذي قيد على الناس المعاني الشريفة وأفادهم الفوائد الجليلة وترسل بين الماضي والغابر ينقل

مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد حتى ترى به آثار الماضين مخلدة في الباقين وعقول الأولين مرددة في الآخرين وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف وطلب محاسن القول والفعل منارا مرفوعا وعلما منصوبا وهاديا مرشدا ومعلما مسددا وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر والزاهد في اكتساب المحامد داعيا ومحرضا وباعثا ومحضضا ومذكرا ومعرفا وواعظا ومثقفا فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه ويمنعك أن تعيبه

أو تعيب به ولكنك أبيت إلا ظنا سبق إليك وإلا بادىء رأي عن لك فأقفلت عليه قلبك وسددت عما سواه سمعك فعي الناصح بك وعسر على الصديق والخليط تنبيهك نعم وكيف رويت لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا فيريه خير له من أن يمتلىء شعرا ولهجت له وتركت قوله إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا وكيف نسيت أمره بقول الشعر ووعده عليه الجنة وقوله لحسان قل وروح القدس معك وسماعه له واستنشاده إياه وعمله به واستحسانه له وارتياحه عند سماعه أما أمره به فمن

المعلوم ضرورة وكذلك سماعه إياه فقد كان حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه ويسمع منهم ويصغي إليهم ويأمرهم بالرد على المشركين فيقولون في ذلك ويعرضون عليه وكان عليه السلام يذكر لهم بعض ذلك كالذي روي من أنه قال لكعب ما نسي ربك وما كان ربك نسيا شعرا قلته قال وما هو يا رسول الله قال أنشده يا أبا بكر فأنشد أبو بكر رضوان الله عليه الكامل زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب وأما استنشاده إياه فكثير من ذلك الخبر المعروف

في استنشاده حين استسقى فسقي قول أبي طالب الكامل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل الأبيات وعن الشعبي رضي الله عنه عن مسروق عن عبد الله قال لما نظر رسول الله إلى القتلى يوم بدر مصرعين قال لأبي بكر رضي الله عنه لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل قال وذلك لقول أبي طالب كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأنامل وينهض قوم في الدروع

إليهم نهوض الروايا في طريق حلاحل ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري جمعه وابن أبي حدرد الأسلمي الطريق قال فتذاكرنا الشكر والمعروف قال فقال محمد كنا يوما عند النبي فقال لحسان بن ثابت أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته فأنشده قصيدة للأعشى هجا بها علقمة بن علاثة السريع علقم ما أنت إلى عامر الناقض الأوتار والواتر فقال النبي يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد مجلسك هذا فقال يا رسول الله تنهاني

عن رجل مشرك مقيم عند قيصر فقال النبي يا حسان أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني وفي خبر آخر فشعث مني وإنه سأل هذا عني فأحسن القول فشكره رسول الله على ذلك وروي من وجه آخر أن حسان قال يا رسول الله من نالتك يده وجب علينا شكره ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت كان رسول الله كثيرا ما يقول أبياتك فأقول الكامل ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوما

فتدركه العواقب قد نمى يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى قالت فيقول عليه السلام يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده صنع إليك عبدي معروفا فهل شكرته عليه فيقول يا رب علمت أنه منك فشكرتك عليه قال فيقول الله عز وجل لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريته على يده وأما علمه عليه السلام بالشعر فكما روي أن سودة أنشدت عدي وتيم تبتغي من تحالف فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت بهما وجرى بينهن كلام في هذا

المعنى فأخبر النبي فدخل عليهن وقال يا ويلكن ليس في عديكن ولا تيمكن قيل هذا وإنما قيل في عدي تميم وتيم تميم وتمام هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكلبي من بني يربوع الطويل فحالف ولا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف ألا من رأى العبدين أو ذكرا له عدي وتيم تبتغي من تحالف وروى الزبير بن بكار قال مر رسول الله ومعه أبو بكر رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة الكامل يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت

بآل عبد الدار فقال النبي يا أبا بكر أهكذا قال الشاعر قال لا يا رسول الله ولكنه قال الكامل يا أيها الرجل المحول رحله هلا سألت عن آل عبد مناف فقال رسول الله هكذا كنا نسمعها وأما ارتياحه للشعر واستحسانه له فقد جاء فيه الخبر من وجوه من ذلك حديث النابغة الجعدي قال أنشدت رسول الله قولي الطويل بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال النبي أين المظهر يا أبا ليلى فقلت الجنة يا رسول الله قال أجل إن شاء الله ثم

قال أنشدني فأنشدته من قولي الطويل ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال أجدت لا يفضض الله فاك قال الرازي فنظرت إليه فكأن فاه البرد المنهل ما سقطت له سن ولا انفلت ترف غروبه ومن ذلك حديث كعب بن زهير روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى رسول الله حتى بلغا أبرق العزاف فقال كعب لبجير إلق هذا الرجل وأنا مقيم ها هنا فأنظر

ما يقول وقدم بجير على رسول الله فعرض عليه الإسلام فأسلم وبلغ ذلك كعبا فقال في ذلك شعرا فأهدر النبي دمه فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى النبي ويقول إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك قال فقدم كعب وأنشد النبي قصيدته المعروفة البسيط بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مغلول وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذي ظلم

إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول سح السقاة عليها ماء محنية من ماء أبطح أضحى وهو مشمول ويل امها خلة لو أنها صدقت موعودها أو لو ان النصح مقبول حتى أتى على آخرها فلما بلغ مديح رسول الله إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول في فتية من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما بهم عن حياض الموت تهليل شم العرانين أبطال

لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل أشار رسول الله إلى الحلق أن اسمعوا قال وكان رسول الله يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم يتحلقون حلقة دون حلقة فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة والأثر به مستفيض وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفى حتى كأن الوزن عيب وحتى كأن الكلام إذا نظم نظم الشعر اتضع في نفسه وتغيرت حاله فقد أبعد وقال قولا لا يعرف له معنى وخالف العلماء في قولهم إنما الشعر كلام حسنه حسن

وقبيحه قبيح وقد روي ذلك عن النبي مرفوعا أيضا فإن زعم أنه إنما كره الوزن لأنه سبب لأن يغنى في الشعر ويتلهى به فإنا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل والقول الفصل والمنطق الحسن والكلام البين وإلى حسن التمثيل والاستعارة وإلى التلويح والإشارة وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فتشرفه وإلى الضئيل فتفخمه وإلى النازل فترفعه وإلى الخامل فتنوه به وإلى العاطل فتحلته وإلى المشكل فتجليه فلا متعلق له علينا بما ذكر ولا ضرر علينا بما أنكر