حتى لا يظهر فيه ثم إنك لو لم ترو من هذا الضرب شيئا قط ولم تحفظ إلا الجد المحض وإلا ما لا معاب عليك في روايته وفي المحاضرة به وفي نسخه وتدوينه لكان في ذلك غنى ومندوحة ولوجدت طلبتك ونلت مرادك وحصل لك ما نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة فاختر لنفسك ودع ما تكره إلى ما تحب هذا وراوي الشعر حاك وليس على الحاكي عيب ولا عليه تبعة إذا هو لم يقصد بحكايته أن ينصر باطلا أو يسوء مسلما وقد حكى الله تعالى كلام
الكفار فانظر إلى الغرض الذي له روي الشعر ومن أجله أريد وله دون تعلم أنك قد زغت عن المنهج وأنك مسيء في هذه العداوة وهذه العصبية منك على الشعر وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفحش وفيها ذكر الفعل القبيح ثم لم يعبهم ذلك إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه ولم يرووا الشعر من أجله قالوا وكان الحسن البصري رحمه الله يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر وكان من أوجعها عنده الكامل اليوم عندك دلها وحديثها وغدا لغيرك كفها والمعصم
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكره المرزباني في كتابه بإسناد عن عبد الملك بن عمير أنه قال أتي عمر رضوان الله عليه بحلل من اليمن فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ومحمد بن حاطب فدخل عليه زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين هؤلاء المحمدون بالباب يطلبون الكسوة فقال ائذن لهم يا غلام فدعا بحلل فأخذ زيد أجودها وقال هذه لمحمد بن حاطب وكانت أمه عنده
وهو من بني لؤي فقال عمر رضي الله عنه أيهات أيهات وتمثل بشعر عمارة بن الوليد الطويل أسرك لما صرع القوم نشوة خروجي منها سالما غير غارم بريئا كأني قبل لم أك منهم وليس الخداع مرتضى في التنادم ردها ثم قال ائتني بثوب فألقه على هذه الحلل وقال أدخل يدك فخذ حلة وأنت لا تراها فأعطهم قال عبد الملك فلم أر قسمة أعدل منها وعمارة هذا هو عمارة بن الوليد بن المغيرة خطب امرأة من قومه فقالت لا أتزوجك أو تترك الشراب فأبى ثم اشتد
وجده بها فحلف لها ألا يشرب ثم مر بخمار عنده شرب يشربون فدعوه فدخل عليهم وقد أنفدوا ما عندهم فنحر لهم ناقته وسقاهم ببرديه ومكثوا أياما ثم خرج فأتى أهله فلما رأته امرأته قالت ألم تحلف ألا تشرب فقال ولسنا بشرب أم عمرو إذا انتشوا ثياب الندامى عندهم كالغنائم ولكننا يا أم عمرو نديمنا بمنزلة الريان ليس بعائم أسرك البيتين فإذا رب هزل أداة في جد وكلام جرى في باطل ثم استعين به على حق كما أنه رب شيء خسيس توصل به إلى شريف بأن
ضرب مثلا فيه وجعل مثالا له كما قال أبو تمام الكامل والله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس وعلى العكس فرب كلمة حق أريد بها باطل فاستحق عليها الذم كما عرفت من خبر الخارجي مع علي رضوان الله عليه ورب قول حسن لم يحسن من قائله حين تسبب به إلى قبيح كالذي حكى الجاحظ قال رجع طاووس يوما عن مجلس محمد بن يوسف وهو يومئذ والي اليمن فقال ما ظننت أن قول سبحان الله يكون معصية لله حتى كان اليوم سمعت رجلا أبلغ
ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس سبحان الله كالمستعظم لذلك الكلام ليغضب ابن يوسف فبهذا ونحوه فاعتبر واجعله حكما بينك وبين الشعر وبعد فكيف وضع من الشعر عندك وكسبه المقت منك أنك وجدت فيه الباطل والكذب وبعض ما لا يحسن ولم يرفعه في نفسك ولم يوجب له المحبة من قلبك أن كان فيه الحق والصدق والحكمة وفصل الخطاب وأن كان مجنى ثمر العقول والألباب ومجتمع فرق الآداب والذي قيد على الناس المعاني الشريفة وأفادهم الفوائد الجليلة وترسل بين الماضي والغابر ينقل
مكارم الأخلاق إلى الولد عن الوالد ويؤدي ودائع الشرف عن الغائب إلى الشاهد حتى ترى به آثار الماضين مخلدة في الباقين وعقول الأولين مرددة في الآخرين وترى لكل من رام الأدب وابتغى الشرف وطلب محاسن القول والفعل منارا مرفوعا وعلما منصوبا وهاديا مرشدا ومعلما مسددا وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر والزاهد في اكتساب المحامد داعيا ومحرضا وباعثا ومحضضا ومذكرا ومعرفا وواعظا ومثقفا فلو كنت ممن ينصف كان في بعض ذلك ما يغير هذا الرأي منك وما يحدوك على رواية الشعر وطلبه ويمنعك أن تعيبه
أو تعيب به ولكنك أبيت إلا ظنا سبق إليك وإلا بادىء رأي عن لك فأقفلت عليه قلبك وسددت عما سواه سمعك فعي الناصح بك وعسر على الصديق والخليط تنبيهك نعم وكيف رويت لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا فيريه خير له من أن يمتلىء شعرا ولهجت له وتركت قوله إن من الشعر لحكما وإن من البيان لسحرا وكيف نسيت أمره بقول الشعر ووعده عليه الجنة وقوله لحسان قل وروح القدس معك وسماعه له واستنشاده إياه وعمله به واستحسانه له وارتياحه عند سماعه أما أمره به فمن
المعلوم ضرورة وكذلك سماعه إياه فقد كان حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه ويسمع منهم ويصغي إليهم ويأمرهم بالرد على المشركين فيقولون في ذلك ويعرضون عليه وكان عليه السلام يذكر لهم بعض ذلك كالذي روي من أنه قال لكعب ما نسي ربك وما كان ربك نسيا شعرا قلته قال وما هو يا رسول الله قال أنشده يا أبا بكر فأنشد أبو بكر رضوان الله عليه الكامل زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب وأما استنشاده إياه فكثير من ذلك الخبر المعروف
في استنشاده حين استسقى فسقي قول أبي طالب الكامل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل الأبيات وعن الشعبي رضي الله عنه عن مسروق عن عبد الله قال لما نظر رسول الله إلى القتلى يوم بدر مصرعين قال لأبي بكر رضي الله عنه لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأنامل قال وذلك لقول أبي طالب كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى لتلتبسن أسيافنا بالأنامل وينهض قوم في الدروع
إليهم نهوض الروايا في طريق حلاحل ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاري جمعه وابن أبي حدرد الأسلمي الطريق قال فتذاكرنا الشكر والمعروف قال فقال محمد كنا يوما عند النبي فقال لحسان بن ثابت أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته فأنشده قصيدة للأعشى هجا بها علقمة بن علاثة السريع علقم ما أنت إلى عامر الناقض الأوتار والواتر فقال النبي يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد مجلسك هذا فقال يا رسول الله تنهاني
عن رجل مشرك مقيم عند قيصر فقال النبي يا حسان أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني وفي خبر آخر فشعث مني وإنه سأل هذا عني فأحسن القول فشكره رسول الله على ذلك وروي من وجه آخر أن حسان قال يا رسول الله من نالتك يده وجب علينا شكره ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت كان رسول الله كثيرا ما يقول أبياتك فأقول الكامل ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوما
فتدركه العواقب قد نمى يجزيك أو يثني عليك وإن من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى قالت فيقول عليه السلام يقول الله تبارك وتعالى لعبد من عبيده صنع إليك عبدي معروفا فهل شكرته عليه فيقول يا رب علمت أنه منك فشكرتك عليه قال فيقول الله عز وجل لم تشكرني إذ لم تشكر من أجريته على يده وأما علمه عليه السلام بالشعر فكما روي أن سودة أنشدت عدي وتيم تبتغي من تحالف فظنت عائشة وحفصة رضي الله عنهما أنها عرضت بهما وجرى بينهن كلام في هذا
المعنى فأخبر النبي فدخل عليهن وقال يا ويلكن ليس في عديكن ولا تيمكن قيل هذا وإنما قيل في عدي تميم وتيم تميم وتمام هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكلبي من بني يربوع الطويل فحالف ولا والله تهبط تلعة من الأرض إلا أنت للذل عارف ألا من رأى العبدين أو ذكرا له عدي وتيم تبتغي من تحالف وروى الزبير بن بكار قال مر رسول الله ومعه أبو بكر رضي الله عنه برجل يقول في بعض أزقة مكة الكامل يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت
بآل عبد الدار فقال النبي يا أبا بكر أهكذا قال الشاعر قال لا يا رسول الله ولكنه قال الكامل يا أيها الرجل المحول رحله هلا سألت عن آل عبد مناف فقال رسول الله هكذا كنا نسمعها وأما ارتياحه للشعر واستحسانه له فقد جاء فيه الخبر من وجوه من ذلك حديث النابغة الجعدي قال أنشدت رسول الله قولي الطويل بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال النبي أين المظهر يا أبا ليلى فقلت الجنة يا رسول الله قال أجل إن شاء الله ثم
قال أنشدني فأنشدته من قولي الطويل ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال أجدت لا يفضض الله فاك قال الرازي فنظرت إليه فكأن فاه البرد المنهل ما سقطت له سن ولا انفلت ترف غروبه ومن ذلك حديث كعب بن زهير روي أن كعبا وأخاه بجيرا خرجا إلى رسول الله حتى بلغا أبرق العزاف فقال كعب لبجير إلق هذا الرجل وأنا مقيم ها هنا فأنظر
ما يقول وقدم بجير على رسول الله فعرض عليه الإسلام فأسلم وبلغ ذلك كعبا فقال في ذلك شعرا فأهدر النبي دمه فكتب إليه بجير يأمره أن يسلم ويقبل إلى النبي ويقول إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك قال فقدم كعب وأنشد النبي قصيدته المعروفة البسيط بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مغلول وما سعاد غداة البين إذ رحلت إلا أغن غضيض الطرف مكحول تجلو عوارض ذي ظلم
إذا ابتسمت كأنه منهل بالراح معلول سح السقاة عليها ماء محنية من ماء أبطح أضحى وهو مشمول ويل امها خلة لو أنها صدقت موعودها أو لو ان النصح مقبول حتى أتى على آخرها فلما بلغ مديح رسول الله إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول في فتية من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما بهم عن حياض الموت تهليل شم العرانين أبطال
لبوسهم من نسج داود في الهيجا سرابيل أشار رسول الله إلى الحلق أن اسمعوا قال وكان رسول الله يكون من أصحابه مكان المائدة من القوم يتحلقون حلقة دون حلقة فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء والأخبار فيما يشبه هذا كثيرة والأثر به مستفيض وإن زعم أنه ذم الشعر من حيث هو موزون مقفى حتى كأن الوزن عيب وحتى كأن الكلام إذا نظم نظم الشعر اتضع في نفسه وتغيرت حاله فقد أبعد وقال قولا لا يعرف له معنى وخالف العلماء في قولهم إنما الشعر كلام حسنه حسن
وقبيحه قبيح وقد روي ذلك عن النبي مرفوعا أيضا فإن زعم أنه إنما كره الوزن لأنه سبب لأن يغنى في الشعر ويتلهى به فإنا إذا كنا لم ندعه إلى الشعر من أجل ذلك وإنما دعوناه إلى اللفظ الجزل والقول الفصل والمنطق الحسن والكلام البين وإلى حسن التمثيل والاستعارة وإلى التلويح والإشارة وإلى صنعة تعمد إلى المعنى الخسيس فتشرفه وإلى الضئيل فتفخمه وإلى النازل فترفعه وإلى الخامل فتنوه به وإلى العاطل فتحلته وإلى المشكل فتجليه فلا متعلق له علينا بما ذكر ولا ضرر علينا بما أنكر