لكان ينبغي أن لا يجيء فيما لا يقول عاقل إنه يكون حتى ينكر عليه كقولهم أتصعد إلى السماء أتستطيع أن تنقل الجبال أإلى رد ما مضى سبيل وإذ قد عرفت ذلك فإنه لا يقرر بالمحال وبما لا يقول أحد إنه يكون إلا على سبيل التمثيل وعلى أن يقال له إنك في دعواك ما ادعيت بمنزلة من يدعي هذا المحال وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه بمنزلة من يطمع في الممتنع وإذ قد عرفت هذا فمما هو من هذا الضرب قوله تعالى أفأنت تسمع الصم
أو تهدي العمي ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد فيكون ذلك للإنكار وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه وأن ينزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون أو أنه يستطيع إسماعهم منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدي العمي ثم المعنى في تقديم الاسم وأن لم يقل أتسمع الصم هو أن يقال للنبي أأنت خصوصا قد أوتيت أن تسمع الصم وأن يجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصم ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة الكامل فدع الوعيد فما
وعيدك ضائري أطنين أجنحة الذباب يضير جعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير حتى ظن أن وعيده يضير واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل أعني تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل فإذا قلت أزيدا تضرب كنت قد أنكرت أن يكون زيد بمثابة أن يضرب أو بموضع أن يجترأ عليه ويستجاز ذلك فيه ومن أجل ذلك قدم غير في قوله تعالى قل أغير الله أتخذ
وليا وقوله عز وجل قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون وكان له من الحسن والمزية والفخامة ما علم أنه لا يكون لو أخر فقيل قل أتتخذ غير الله وليا وأتدعون غير الله وذلك لأنه حصل بالتقديم معنى قولك أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا وأيرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك وأيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل أأتخذ غير الله وليا وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط ولا
يزيد على ذلك فاعرفه وكذلك الحكم في قوله تعالى فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاع وينتهى إلى ما يأمر ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى وأنهم مأمورون بطاعته كما جاء في الأخرى إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا وكقوله عز وجل ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة فهذا هو القول في الضرب الأول وهو أن يكون يفعل بعد الهمزة لفعل
لم يكن وأما الضرب الثاني وهو أن يكون يفعل لفعل موجود فإن تقديم الاسم يقتضي شبها بما اقتضاه في الماضي من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل أو الإنكار أن يكون الفاعل فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم أأنت تجيء إلى الضعيف فتغضب ماله أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت وعلى ذلك قوله تعالى أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ومثال الثاني أهم يقسمون رحمة ربك
فصل في التقديم والتأخير في النفي
وإذ قد عرفت هذه المسائل في الاستفهام فهذه مسائل في النفي إذا قلت ما فعلت كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول وإذا قلت ما أنا فعلت كنت نفيت عنك فعلا ثبت أنه مفعول تفسير ذلك أنك إذا قلت ما قلت هذا كنت نفيت أن تكون قد قلت ذاك وكنت نوظرت في شيء ثبت أنه مقول وكذلك إذا قلت ما ضربت زيدا كنت نفيت عنك ضربه ولم يجب أن يكون قد ضرب بل يجوز أن يكون قد ضربه غيرك وأن لا يكون قد ضرب
أصلا وإذا قلت ما أنا ضربت زيدا لم تقله إلا وزيد مضروب وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأول أن يكون المنفي عاما كقولك ما قلت شعرا قط وما أكلت اليوم شيئا وما رأيت أحدا من الناس ولم يصلح في الوجه الثاني فكان خلفا أن تقول ما أنا قلت شعرا قط وما أنا أكلت اليوم شيئا وما أنا رأيت أحدا من الناس وذلك لأنه يقتضي المحال وهو أن يكون هاهنا إنسان قد قال كل شعر في الدنيا
وأكل كل شيء يؤكل ورأى كل أحد من الناس فنفيت أن تكونه ومما هو مثال بين في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله من المتقارب وما أنا أسقمت جسمي به ولا أنا أضرمت في القلب نارا المعنى كما لا يخفي على أن السقم ثابت موجود وليس القصد بالنفي إليه ولكن إلى أن يكون هو الجالب له ويكون قد جره إلى نفسه ومثله في الوضوح قوله طويل وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله الشعر مقول على القطع والنفي لأن يكون هو وحده القائل له
وهاهنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق ويصير العلم به كالضرورة أحدهما أنه يصح لك أن تقول ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس وما ضربت زيدا ولا ضربه أحد سواي ولا يصح ذلك في الوجه الآخر فلو قلت ما أنا قلت هذا ولا قاله أحد من الناس وما أنا ضربت زيدا ولا ضربه أحد سواي كان خلفا من القول وكان في التناقض بمنزلة أن تقول لست الضارب زيدا أمس فتثبت أنه قد ضرب ثم تقول من بعده ما ضربه أحد من
الناس ولست القائل ذلك فتثبت أنه قد قيل ثم تجيء فتقول وما قاله أحد من الناس والثاني من الأمرين أنك تقول ما ضربت إلا زيدا فيكون كلاما مستقيما ولو قلت ما أنا ضربت إلا زيدا كان لغوا من القول وذلك لأن نقض النفي بإلا يقتضي أن تكون ضربت زيدا وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي يقتضي نفي أن تكون ضربته فهما يتدافعان فاعرفه ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره فإذا قلت ما ضربت زيدا فقدمت الفعل كان المعنى أنك قد نفيت أن
يكون قد وقع ضرب منك على زيد ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات وتركته مبهما محتملا وإذا قلت ما زيدا ضربت فقدمت المفعول كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان وظن أن ذلك الإنسان زيد فنفيت أن يكون إياه فلك أن تقول في الوجه الأول ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس وليس لك في الوجه الثاني فلو قلت ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس كان فاسدا على ما مضى في الفاعل ومما ينبغي أن تعلمه أنه يصح لك أن
تقول ما ضربت زيدا ولكني أكرمته فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده ولا يصح أن تقول ما زيدا ضربت ولكني أكرمته وذاك أنك لم ترد أن تقول لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك فالواجب إذا أن تقول ما زيدا ضربت ولكن عمرا وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب فإذا قلت ما أمرتك بهذا كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر وإذا
قلت ما بهذا أمرتك كنت قد أمرته بشيء غيره التقديم والتأخير في الخبر المثبت واعلم أن هذا الذي بان لك في الاستفهام والنفي من المعنى في التقديم قائم مثله في الخبر المثبت فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحدث عنه بفعل فقدمت ذكره ثم بنيت الفعل عليه فقلت زيد قد فعل وأنا فعلت وأنت فعلت اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل إلا أن المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين أحدهما جلي لا يشكل وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على
واحد فتجعله له وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر أو دون كل أحد ومثال ذلك أن تقول أنا كتبت في معنى فلان وأنا شفعت في بابه تريد أن تدعي الانفراد بذلك والاستبداد به وتزيل الاشتباه فيه وترد على من زعم أن ذلك كان من غيرك أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت ومن البين في ذلك قولهم في المثل أتعلمني بضب أنا حرشته والقسم الثاني أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى ولكن على أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد
فعل وتمنعه من الشك فأنت لذلك تبدأ بذكره وتوقعه
NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐8656787dd9‐pq28r Cached time: 20260826144548 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [show‐toc] CPU time usage: 0.014 seconds Real time usage: 0.020 seconds Preprocessor visited node count: 14/1000000 Revision size: 197886/2097152 bytes Post‐expand include size: 0/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 2/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 0/5000000 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 0.000 1 -total
Render ID d3f0570a-a15c-11f1-8c5d-f925e97e8781
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:2010:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260826144548 and revision id 122105. Rendering was triggered because: page_view