مفيدا في بعض الكلام وغير مفيد في بعض وأن يعلل تارة بالعناية وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه ذاك لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء أن يدعي أنه كذلك في
عموم الأحوال فأما أن يجعله بين بين فيزعم أنه للفائدة في بعضها وللتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض فمما ينبغي أن يرغب عن القول به وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها وترك تقديمه ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت أفعلت فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده وإذا قلت أأنت فعلت فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو وكان
التردد فيه ومثال ذلك أنك تقول أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه تبدأ في هذا ونحوه بالفعل لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه مجوز أن يكون قد كان وأن يكون لم يكن وتقول أأنت بنيت هذه الدار أأنت قلت هذا الشعر أأنت كتبت هذا الكتاب فتبدأ في ذلك كله بالأسم ذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان وكيف وقد
أشرت إلى الدار مبنية والشعر مقولا والكتاب مكتوبا وإنما شككت في الفاعل من هو فهذا من الفرق لا يدفعه دافع ولا يشك فيه شاك ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر فلو قلت أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه خرجت من كلام الناس وكذلك لو قلت أبنيت هذه الدار أقلت هذا الشعر أكتبت هذا الكتاب قلت ما ليس بقول ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد الذي
هو نصب عينيك أموجود أم لا ومما يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاتسم أنك تقول أقلت شعرا قط أرأيت اليوم إنسانا فيكون كلاما مستقيما ولو قلت أأنت قلت شعرا قط أأنت رأيت إنسانا أخطأت وذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول من قال هذا الشعر ومن بنى هذه الدار ومن أتاك اليوم ومن أذن لك في الذي فعلت وما أشبه ذلك مما يمكن
أن ينص فيه على معين فأما قيل شعر على الجملة ورؤية إنسان على الإطلاق فمحال ذلك فيه لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا من أن يكون السؤال عن الفاعل من هو وكان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أكان أم لم يكن لكان ينبغي أن يستقيم ذلك واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في الهمزة وهي للاستفهام قائم فيها إذا كانت هي للتقرير فإذا قلت أأنت فعلت ذاك كان غرضك أن
تقرره بأنه الفاعل يبين ذلك قوله تعالى حكاية عن قول نمروذ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان ولكن أن يقر بأنه منه كان وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم أأنت فعلت هذا وقال هو عليه السلام في الجواب بل فعله كبيرهم هذا ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل فإن قلت أو ليس إذا قال أفعلت فهو يريد أيضا أن يقرره
بأن الفعل كان منه لا بأنه كان على الجملة فأي فرق بين الحالين فإنه إذا قال أفعلت فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين غيره وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة وإذا قال أأنت فعلت كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه في نفي الفعل تردد ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن بدلالة أنك تقول ذلك والفعل ظاهر موجود مشار إليه كما رأيت في
الآية واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان وإنكار له لم كان وتوبيخ لفاعله عليه ولها مذهب آخر وهو أن يكون لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله ومثاله قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما وقوله عز وجل أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم وإذا قدم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا
أأنت قلت هذا الشعر كذبت لست ممن يحسن مثله أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر الشعر وقد تكون إذ يراد إنكار الفعل من أصله ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل مثال ذلك قوله تعالى قل آلله أذن لكم الإذن راجع إلى قوله قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله فأضافوه إلى
الله إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك لأن يجعلوا في صورة من غلط فأضاف إلى الله تعالى إذنا كان من غير الله فإذا حقق عليه ارتدع ومثال ذلك قولك للرجل يدعي أن قولا كان ممن تعلم أنه لا يقوله أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد كان من قائل لينصرف الإنكار إلى الفاعل فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله ونظير هذا قوله تعالى قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين
أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد إنكار التحريم من أصله ونفي أن يكون قد حرم شيء مما ذكروا أنه محرم وذلك أن كان الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنه قد كان ثم يقال لهم أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيم هو أفي هذا أم ذاك أم في الثالث ليتبين بطلان قولهم ويظهر مكان الفرية منهم على الله تعالى ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره متى كان هذا أفي
ليل أم نهار تضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان ثم تطالبه ببيان وقته لكي يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح ومثله قولك من أمرك بهذا منا وأينا أذن لك فيه وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم إلا أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول فلان وأن يحيل على واحد وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل ماض فينبغي أن ينظر فيه والفعل
مضارع والقول في ذلك أنك إذا قلت أتفعل وأأنت تفعل لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي فإذا قلت أتفعل كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن وإذا قلت أأنت تفعل كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وإن أردت ب تفعل المستقبل كان المعنى إذا
بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه وتزعم أنه لا يكون أو أنه لا ينبغي أن يكون فمثال الأول طويل أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله فتجهله في طمعه فتقول أيرضى عنك فلان وأنت مقيم على ما يكره أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت وعلى ذلك قوله تعالى أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ومثال الثاني قولك للرجل يركب الخطر أتخرج في
هذا الوقت أتذهب في غير الطريق أتغرر بنفسك وقولك للرجل يضيع الحق أتنسى قديم إحسان فلان أتترك صحبته وتتغير عن حالك معه لأن تغير الزمان كما قال طويل أأترك إن قلت دراهم خالد زيارته إني إذا للئيم جملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل فإن بدأت بالاسم فقلت أأنت تفعل أو قلت أهو يفعل كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور وأبيت أن تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه وأن يكون بتلك المثابة تفسير ذلك أنك إذا قلت أأنت تمنعني أأنت تأخذ على
يدي صرت كأنك قلت إن غيرك الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي ولست بذاك ولقد وضعت نفسك في غير موضعك هذا إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز ولأنه ليس في وسعه وقد يكون أن تجعله لا يحيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه وأن نفسه نفس تأبى مثله وتكرهه ومثاله أن تقول أهو يسأل فلانا هو أرفع همة من ذلك أهو يمنع الناس حقوقهم هو أكرم من ذاك وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته وأن نفسه نفس لا تسمو وذلك
قولك أهو يسمح بمثل هذا أهو يرتاح للجميل هو أقصر همة من ذلك وأقل رغبة في الخير مما تظن وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل إنه يفعل أو قال هو إني أفعل وأردت ما تريده إذا قلت ليس هو بالذي يفعل وليس مثله يفعل ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت أتفعل ألا ترى أن المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه أتخرج في هذا الوقت أتغرر بنفسك أتمضي في غير الطريق أنه أنكر أن
يكون بمثابة من يفعل ذلك وبموضع من يجيء منه ذاك ذاك لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام وكذلك محال أن يكون المعنى في قوله جل وعلا أنلزمكموها وأنتم لها كارهون أنا لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام وأن غيرنا من يفعله جل الله تعالى وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل فإذا نظر لم يحتمل فمن ذلك قوله أيقتلني والمشرفي مضاجعي وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس
بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي ويتعلق بأنه قال قبل يغط غطيط البكر شد خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتال ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز وذاك لأنه قال والمشرفي مضاجعي فذكر ما يكون منعا من الفعل ومحال أن يقول هو ممن لا يجيء منه الفعل ثم يقول إني أمنعه لأن المنع يتصور فيمن يجيء منه الفعل ومع من يصح منه لا من هو منه محال ومن هو نفسه عنه عاجز فاعرفه واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار فإن الذي هو
محض المعنى أنه لتنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيا بالجواب إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه فإذا ثبت على دعواه قيل فافعل فيفضحه ذلك وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته وقيل له فأرناه في موضع وفي حال وأقم شاهدا على أنه كان في وقت ولو كان يكون للإنكار وكان المعنى فيه من بدء الأمر