ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 12 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 12 من 131,785 كلمة في هذا الجزء

مفيدا في بعض الكلام وغير مفيد في بعض وأن يعلل تارة بالعناية وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب حتى تطرد لهذا قوافيه ولذاك سجعه ذاك لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلا على الفعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء أن يدعي أنه كذلك في

عموم الأحوال فأما أن يجعله بين بين فيزعم أنه للفائدة في بعضها وللتصرف في اللفظ من غير معنى في بعض فمما ينبغي أن يرغب عن القول به وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها وترك تقديمه ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت أفعلت فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده وإذا قلت أأنت فعلت فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو وكان

التردد فيه ومثال ذلك أنك تقول أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه تبدأ في هذا ونحوه بالفعل لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه مجوز أن يكون قد كان وأن يكون لم يكن وتقول أأنت بنيت هذه الدار أأنت قلت هذا الشعر أأنت كتبت هذا الكتاب فتبدأ في ذلك كله بالأسم ذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان وكيف وقد

أشرت إلى الدار مبنية والشعر مقولا والكتاب مكتوبا وإنما شككت في الفاعل من هو فهذا من الفرق لا يدفعه دافع ولا يشك فيه شاك ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر فلو قلت أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه خرجت من كلام الناس وكذلك لو قلت أبنيت هذه الدار أقلت هذا الشعر أكتبت هذا الكتاب قلت ما ليس بقول ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد الذي

هو نصب عينيك أموجود أم لا ومما يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاتسم أنك تقول أقلت شعرا قط أرأيت اليوم إنسانا فيكون كلاما مستقيما ولو قلت أأنت قلت شعرا قط أأنت رأيت إنسانا أخطأت وذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص نحو أن تقول من قال هذا الشعر ومن بنى هذه الدار ومن أتاك اليوم ومن أذن لك في الذي فعلت وما أشبه ذلك مما يمكن

أن ينص فيه على معين فأما قيل شعر على الجملة ورؤية إنسان على الإطلاق فمحال ذلك فيه لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا من أن يكون السؤال عن الفاعل من هو وكان يصح أن يكون سؤالا عن الفعل أكان أم لم يكن لكان ينبغي أن يستقيم ذلك واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في الهمزة وهي للاستفهام قائم فيها إذا كانت هي للتقرير فإذا قلت أأنت فعلت ذاك كان غرضك أن

تقرره بأنه الفاعل يبين ذلك قوله تعالى حكاية عن قول نمروذ أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان ولكن أن يقر بأنه منه كان وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم أأنت فعلت هذا وقال هو عليه السلام في الجواب بل فعله كبيرهم هذا ولو كان التقرير بالفعل لكان الجواب فعلت أو لم أفعل فإن قلت أو ليس إذا قال أفعلت فهو يريد أيضا أن يقرره

بأن الفعل كان منه لا بأنه كان على الجملة فأي فرق بين الحالين فإنه إذا قال أفعلت فهو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين غيره وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة وإذا قال أأنت فعلت كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره ولم يكن منه في نفي الفعل تردد ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن بدلالة أنك تقول ذلك والفعل ظاهر موجود مشار إليه كما رأيت في

الآية واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير بفعل قد كان وإنكار له لم كان وتوبيخ لفاعله عليه ولها مذهب آخر وهو أن يكون لإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله ومثاله قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما وقوله عز وجل أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم وإذا قدم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعرا

أأنت قلت هذا الشعر كذبت لست ممن يحسن مثله أنكرت أن يكون القائل ولم تنكر الشعر وقد تكون إذ يراد إنكار الفعل من أصله ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل مثال ذلك قوله تعالى قل آلله أذن لكم الإذن راجع إلى قوله قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله فأضافوه إلى

الله إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك لأن يجعلوا في صورة من غلط فأضاف إلى الله تعالى إذنا كان من غير الله فإذا حقق عليه ارتدع ومثال ذلك قولك للرجل يدعي أن قولا كان ممن تعلم أنه لا يقوله أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط تضع الكلام وضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد كان من قائل لينصرف الإنكار إلى الفاعل فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله ونظير هذا قوله تعالى قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين

أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أشياء ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد إنكار التحريم من أصله ونفي أن يكون قد حرم شيء مما ذكروا أنه محرم وذلك أن كان الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنه قد كان ثم يقال لهم أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيم هو أفي هذا أم ذاك أم في الثالث ليتبين بطلان قولهم ويظهر مكان الفرية منهم على الله تعالى ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمرا وأنت تنكره متى كان هذا أفي

ليل أم نهار تضع الكلام وضع من سلم أن ذلك قد كان ثم تطالبه ببيان وقته لكي يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتا ويفتضح ومثله قولك من أمرك بهذا منا وأينا أذن لك فيه وأنت لا تعني أن أمرا قد كان بذلك من واحد منكم إلا أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول فلان وأن يحيل على واحد وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل ماض فينبغي أن ينظر فيه والفعل

مضارع والقول في ذلك أنك إذا قلت أتفعل وأأنت تفعل لم يخل من أن تريد الحال أو الاستقبال فإن أردت الحال كان المعنى شبيها بما مضى في الماضي فإذا قلت أتفعل كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن وإذا قلت أأنت تفعل كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل وكان أمر الفعل في وجوده ظاهرا وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن وإن أردت ب تفعل المستقبل كان المعنى إذا

بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه وتزعم أنه لا يكون أو أنه لا ينبغي أن يكون فمثال الأول طويل أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله فتجهله في طمعه فتقول أيرضى عنك فلان وأنت مقيم على ما يكره أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت وعلى ذلك قوله تعالى أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ومثال الثاني قولك للرجل يركب الخطر أتخرج في

هذا الوقت أتذهب في غير الطريق أتغرر بنفسك وقولك للرجل يضيع الحق أتنسى قديم إحسان فلان أتترك صحبته وتتغير عن حالك معه لأن تغير الزمان كما قال طويل أأترك إن قلت دراهم خالد زيارته إني إذا للئيم جملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل فإن بدأت بالاسم فقلت أأنت تفعل أو قلت أهو يفعل كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور وأبيت أن تكون بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه وأن يكون بتلك المثابة تفسير ذلك أنك إذا قلت أأنت تمنعني أأنت تأخذ على

يدي صرت كأنك قلت إن غيرك الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي ولست بذاك ولقد وضعت نفسك في غير موضعك هذا إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز ولأنه ليس في وسعه وقد يكون أن تجعله لا يحيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه وأن نفسه نفس تأبى مثله وتكرهه ومثاله أن تقول أهو يسأل فلانا هو أرفع همة من ذلك أهو يمنع الناس حقوقهم هو أكرم من ذاك وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته وأن نفسه نفس لا تسمو وذلك

قولك أهو يسمح بمثل هذا أهو يرتاح للجميل هو أقصر همة من ذلك وأقل رغبة في الخير مما تظن وجملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل إنه يفعل أو قال هو إني أفعل وأردت ما تريده إذا قلت ليس هو بالذي يفعل وليس مثله يفعل ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت أتفعل ألا ترى أن المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه أتخرج في هذا الوقت أتغرر بنفسك أتمضي في غير الطريق أنه أنكر أن

يكون بمثابة من يفعل ذلك وبموضع من يجيء منه ذاك ذاك لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام وكذلك محال أن يكون المعنى في قوله جل وعلا أنلزمكموها وأنتم لها كارهون أنا لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام وأن غيرنا من يفعله جل الله تعالى وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل فإذا نظر لم يحتمل فمن ذلك قوله أيقتلني والمشرفي مضاجعي وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس

بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي ويتعلق بأنه قال قبل يغط غطيط البكر شد خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتال ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز وذاك لأنه قال والمشرفي مضاجعي فذكر ما يكون منعا من الفعل ومحال أن يقول هو ممن لا يجيء منه الفعل ثم يقول إني أمنعه لأن المنع يتصور فيمن يجيء منه الفعل ومع من يصح منه لا من هو منه محال ومن هو نفسه عنه عاجز فاعرفه واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار فإن الذي هو

محض المعنى أنه لتنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتدع ويعيا بالجواب إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه فإذا ثبت على دعواه قيل فافعل فيفضحه ذلك وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله فإذا روجع فيه تنبه وعرف الخطأ وإما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله فإذا ثبت على تجويزه وبخ على تعنته وقيل له فأرناه في موضع وفي حال وأقم شاهدا على أنه كان في وقت ولو كان يكون للإنكار وكان المعنى فيه من بدء الأمر