ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 11 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 11 من 131,785 كلمة في هذا الجزء

وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى واشتعل الرأس شيبا لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف إلا إليها ولم يروا للمزية موجبا سواها هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم وليس الأمر على ذلك ولا هذا الشرف العظيم ولا هذه المزية الجليلة وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء وهو لما هو من سببه فيرفع به ما يسند إليه ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده

مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة كقولهم طاب زيد نفسا وقر عمرو عينا وتصبب عرقا وكرم أصلا وحسن وجها وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه وذلك أنا نعلم أن اشتعل للشيب في المعنى وإن كان هو للرأس في اللفظ كما أن طاب للنفس وقر للعين وتصبب للعرق وإن أسند إلى ما أسند إليه يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا

المسلك وتوخي به هذا المذهب أن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا فتقول اشتعل شيب الرأس والشيب في الرأس ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة وهل ترى الروعة التي كنت تراها فإن قلت فما السبب في أن كان اشتعل إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه وأنه قد

استغرقه وعم جملته حتى لم يبق من السواد شيء أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به وهذا ما لا يكون إذا قيل اشتعل شيب الرأس أو الشيب في الرأس بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة ووزان هذا أنك تقول اشتعل البيت نارا فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه وتقول اشتعلت النار في البيت فلا يفيد ذلك بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبا منه فأما

الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل وفجرنا الأرض عيونا التفجير للعيون في المعنى وأوقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل وفجرنا عيون الأرض أو العيون في الأرض لم يفد ذلك

ولم يدل عليه ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض وتبجس من أماكن منها واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس النظم وهو تعريف الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة وهو أحد ما أوجب المزية ولو قيل واشتعل رأسي فصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن فاعرفه وأنا أكتب لك شيئا مما سبيل الاستعارة فيه هذا السبيل ليستحكم هذا الباب في نفسك ولتأنس به فمن عجيب ذلك قول بعض الأعراب الرجز الليل داج كنفا جلبابه والبين

محجور على غرابه ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابا وحجر على الغراب ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى فجعل الليل مبتدأ وجعل داج خبرا له وفعلا لما بعده وهو الكنفان وأضاف الجلباب إلى ضمير الليل ولأن جعل كذلك البين مبتدأ وأجرى محجورا خبرا عليه وأن أخرج اللفظ على مفعول يبين ذلك أنك لو قلت وغراب البين محجور عليه أو قد حجر على غراب البين لم تجد له هذه الملاحة وكذلك لو قلت قد دجا كنفا جلباب الليل لم يكن شيئا

ومن النادر فيه قول المتنبي الخفيف غصب الدهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدهر خالا قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر وجنة وجعل البنية خالا في الوجنة وليس الأمر على ذلك فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج الكلام مخرجه الذي ترى وأن أتى بالخال منصوبا على الحال من قوله فبناها أفلا ترى أنك لو قلت وهي خال في وجنة الدهر لوجدت الصورة غير ما ترى وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال يا مسكة العطار وخال وجه النهار وكانت الملاحة

في الإضافة بعد الإضافة لا في استعارة لفظة الخال إذ معلوم أنه لو قال يا خالا في وجه النهار أو يا من هو خال في وجه النهار لم يكن شيئا ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه قال الصاحب إياك والإضافات المتداخلة فإن ذلك لا يحسن وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل الخفيف يا علي بن حمزة بن عماره أنت والله ثلجة في خياره ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح ومما حسن فيه قول ابن المعتز

أيضا طويل وظلت تدير الراح أيدي جآذر عتاق دنانير الوجوه ملاح ومما جاء منه حسنا جميلا قول الخالدي في صفة غلام له من المسرح ويعرف الشعر مثل معرفتي وهو على أن يزيد مجتهد وصيرفي القريض وزان دينار المعاني الدقاق منتقد ومنه قول أبي تمام الكامل خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى والليل أسود رقعة الجلباب ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم قول المتنبي طويل وقيدت نفسي في ذراك محبة ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر

إحسانه إليه وبره له حتى يألفه ويختار المقام عنده قد قيدني بكثرة إحسانه إلي وجميل فعله معي حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده وإنما كان ما ترى من الحسن بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف فصل في التقديم والتأخير هو باب كثير الفوائد جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية لا يزال يفتر لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفة ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ

عن مكان إلى مكان واعلم أن تقديم الشيء على وجهين تقديم يقال إنه على نية التأخير وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه وفي جنسه الذي كان فيه كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ والمفعول إذا قدمته على الفاعل كقولك منطلق زيد وضرب عمرا زيد معلوم أن منطلق وعمرا لم يخرجا بالتقديم عما كانا عليه من كون هذا خبر مبتدأ ومرفوعا بذلك وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله كما يكون إذا أخرت وتقديم لا على نية التأخير ولكن على أن

تنقل الشيء عن حكم إلى حكم وتجعل له بابا غير بابه وإعرابا غير إعرابه وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق حيث تقول مرة زيد المنطلق وأخرى المنطلق زيد فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير فيكون خبر مبتدأ كما كان بل على أن تنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ وكذلك

لم تؤخر زيدا على أن يكون مبتدأ كما كان بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا وأظهر من هذا قولنا ضربت زيدا وزيد ضربته لم تقدم زيدا على أن يكون مفعولا منصوبا بالفعل كما كان ولكن على أن ترفعه بالابتداء وتشغل الفعل بضميره وتجعله في موضع الخبر له وإذ قد عرفت هذا التقسيم فإني أتبعه بجملة من الشرح واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول كأنهم يقدمون الذي بيانه

أهم لهم وهم بشأنه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم ولم يذكر في ذلك مثالا وقال النحويون إن معنى ذلك أنه قد تكون أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون من أوقعه كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد ويكثر في الأذى أنهم يريدون قتله ولا يبالون من كان القتل منه ولا يعنيهم منه شيء فإذا قتل وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول قتل الخارجي زيد ولا يقول قتل زيد الخارجي لأنه يعلم أن

ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له زيد جدوى وفائدة فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه ثم قالوا فإن كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أنه يقتل فقتل رجلا وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول قتل زيد رجلا ذاك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته وموضع الندرة فيه وبعده كان من الظن ومعلوم

أنه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به ولكن من حيث كان واقعا من الذي وقع منه فهذا جيد بالغ إلا أن الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال إنه قدم للعناية ولأن ذكره أهم من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية وبم كان أهم ولتخيلهم ذلك قد صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم

وهونوا الخطب فيه حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضربا من التكلف ولم تر ظنا أزرى على صاحبه من هذا وشبهه وكذلك صنعوا في سائر الأبواب فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار والإظهار والإضمار والفصل والوصل ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها وصد أوجههم عن الجهة التي هي فيها والشق الذي يحويها والمداخل التي تدخل

منها الآفة على الناس في شأن العلم ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن طلبه وإحراز فضيلته كثيرة وهذه من أعجبها إن وجدت متعجبا وليت شعري إن كانت هذه أمورا هينة وكان المدى فيها قريبا والجدا يسيرا من أين كان نظم أشرف من نظم وبم عظم التفاوت واشتد التباين وترقى الأمر إلى الإعجاز وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة أو هاهنا أمور أخر نحيل في المزية عليها ونجعل الإعجاز كان بها فتكون تلك الحوالة لنا عذرا في ترك النظر في هذه التي معنا والإعراض عنها وقلة

المبالاة بها أو ليس هذا التهاون إن نظر العاقل خيانة منه لعقله ودينه ودخولا فيما يزري بذي الخطر ويغض من قدر ذوي القدر وهل يكون أضعف رأيا وأبعد من حسن التدبر منك إذا أهمك أن تعرف الوجوه في أأنذرتهم والإمالة في رأى القمر وتعرف الصراط والزراط وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت ولا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة ولا يدفعك عن بيان ولا يدخل عليك شكا ولا يغلق دونك باب معرفة ولا يفضي بك إلى تحريف وتبديل وإلى الخطأ في تأويل

وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك ويطيل لسان القادح فيك ولا يعنيك ولا يهمك أن تعرف ما إذا جهلته عرضت نفسك لكل ذلك وحصلت فيما هنالك وكان أكثر كلامك في التفسير وحيث تخوض في التأويل كلام من لا يبني الشيء على أصله ولا يأخذه من مأخذه ومن ربما وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره وتشنع آثاره ونسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول والعمل واعلم أن من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين فيجعل