ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 10 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 10 من 131,785 كلمة في هذا الجزء

نبا دهر فإنه يجب أن يروقك أبدا وفي كل شيء ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله وأنكر صاحب فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هاهنا بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ

وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها إلى ما لم يتهد إليه صاحبه فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب وصورته أغرب كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالآجزاء من الصبغ تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له بالحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدة المنة حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات وذلك ما كان من

الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل وموضعه من الحذق وتشهد له بفضل المنة وطول الباع وحتى تعلم إن لم تعلم القائل أنه من قبل شاعر فحل وأنه خرج من تحت يد صناع وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت هذا هذا وما كان كذلك فهو الشعر الشاعر والكلام الفاخر والنمط العالي الشريف والذي لا تجده إلا

في شعر الفحول البزل ثم المطبوعين الذي يلهمون القول إلهاما ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة قصائد بل أن تفلي ديوانا من الشعر حتى تجمع منه عدة أبيات وذلك ما كان مثل قول الأول وتمثل به أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم الوافر تمنانا ليلقانا بقوم تخال بياض لأمهم السرابا فقد لاقيتنا فرأيت حربا عوانا تمنع الشيخ الشرابا انظر إلى موضع الفاء في قوله فقد لاقيتنا فرأيت حربا ومثل قول العباس بن الأحنف البسيط قالوا خراسان

أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا انظر إلى موضع الفاء و ثم قبلها ومثل قول ابن الدمينة الطويل أبيني أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك أبيت كأني بين شقين من عصا جذار الردى أو خيفة من زيالك تعاللت كي أشجى وما بك علة تريدين قتلي قد ظفرت بذلك انظر إلى الفصل والاستئناف في قوله تريدين قتلي قد ظفرت بذلك ومثل قول أبي حفص الشطرنجي وقاله على لسان علية أخت الرشيد وقد كان الرشيد عتب عليها البسيط لو كان يمنع

حسن العقل صاحبه من أن يكون له ذنب إلى أحد كانت علية أبرا الناس كلهم من أن تكافا بسوء آخر الأبد ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي انظر إلى قوله قد كنت أحسب وإلى مكان هذا الاستئناف ومثل قول أبي دؤاد الخفيف ولقد أغتدي يدافع ركني أحوذي ذو ميعة إضريج سلهب شرجب كأن رماحا حملته وفي السراة دموج انظر إلى التنكير في قوله كأن رماحا ومثل قول ابن البواب من مجزوء الوافر أتيتك عائذا بك منك لما ضاقت الحيل

وصيرني هواك وبي لحيني يضرب المثل فإن سلمت لكم نفسي فما لاقيته جلل وإن قتل الهوى رجلا فإني ذلك الرجل انظر إلى الإشارة والتعريف في قوله فإني ذلك الرجل ومثل قول عبد الصمد السريع مكتئب ذو كبد حرى تبكي عليه مقلة عبرى يرفع يمناه إلى ربه يدعو وفوق الكبد اليسرى انظر إلى لفظ يدعو وإلى موقعها ومثل قول جرير لمن الديار ببرقة الروحان إذ لا نبيع زماننا بزمان صدع الغواني إذ رمين فؤاده صدع الزجاجة ما لذاك تدان انظر إلى قوله ما لذاك تدان وتأمل

حال هذا الاستئناف ليس من بصير عارف بجواهر الكلام حساس متفهم لسر هذا الشأن ينشد أو يقرأ هذه الأبيات إلا لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها على الموضع الذي أشرت إليه يعجب ويكبر شأن المزية فيه والفضل فصل في شواهد على النظم يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ويشتد ارتباط ثان منها بأول وأن يحتاج في الجملة إلى

أن تضعها في النفس وضعا واحدا وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع بيساره هناك نعم وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعها بعد الأولين وليس لما شأنه أن يجيء على هذا الوصف حد يحصره وقانون يحيط به فإنه يجيء على وجوه شتى وأنحاء مختلفة فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا كقول البحتري الطويل إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر وقوله طويل إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها

تذكرت القربى ففاضت دموعها فهذا نوع ونوع منه آخر قول سليمان بن داود القضاعي الوافر فبينا المرء في علياء أهوى ومنحط أتيح له اعتلاء وبينا نعمة إذ حال بؤس وبؤس إذ تعقبه ثراء ونوع ثالث وهو ما كان كقول كثير طويل وإني وتهيامي بعزة بعدما تخليت مما بيننا وتخلت لكالمرتجي ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلت وكقول البحتري طويل لعمرك إنا والزمان كما جنت على الأضعف الموهون عادية الأقوى ومنه التقسيم وخصوصا إذا قسمت ثم جمعت كقول حسان البسيط قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم

أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة إن الخلائق فاعلم شرها البدع ومنه ومن ذلك وهو شيء في غاية الحسن قول القائل البسيط لو أن ما أنتم فيه يدوم لكم ظننت ما أنا فيه دائما أبدا لكن رأيت الليالي غير تاركة ما سر من حادث أو ساء مطردا فقد سكنت إلى أني وأنكم سنستجد خلاف الحالتين غدا قوله سنستجد خلاف الحالتين غدا جمع فيما قسم لطيف وقد ازداد لطفا بحسن ما بناه عليه ولطف ما توصل به إليه من قوله فقد

سكنت إلى أني وأنكم وإذا قد عرفت هذا النمط من الكلام وهو ما تتحد أجزاؤه حتى يوضع وضعا واحدا فاعلم أنه النمط العالي والباب الأعظم لا ترى سلطان المزية يعظم في شيء كعظمه فيه ومما ندر منه ولطف مأخذه ودق نظر واضعه وجلى لك عن شأو قد تحسر دونه العتاق وغاية يعيا من قبلها المذاكي القرح الأبيات المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين بيت امرىء القيس الكامل كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي وبيت الفرزدق من الكامل والشيب ينهض في الشباب كأنه

ليل يصيح بجانبيه نهار وبيت بشار طويل كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ومما أتى في هذا الباب مأتى أعجب مما مضى كله قول زياد الأعجم طويل وإنا وما تلقي لنا إن هجوتنا لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق وإنما كان أعجب لأن عمله أدق وطريقه أغمض ووجه المشابكة فيه أغرب واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم له بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى

لآل فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق وكمن نضد أشياء بعضها على بعض لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين وذلك إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تصنع فيه شيئا غير أن تعطف لفظا على مثله كقول الجاحظ جنبك الله الشبهة وعصمك من الحيرة وجعل بينك وبين المعرفة نسبا وبين الصدق سببا وحبب إليك التثبت وزين في عينك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى وأشعر قلبك عز الحق

وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذل اليأس وعرفك ما في الباطل من الذلة وما في الجهل من القلة وكقول بعضهم لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين ما أفصح لسانه وأحسن بيانه وأمضى جنانه وأبل ريقه وأسهل طريقه ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع أيفاخرك الملك اللخمي فوالله لقفاك خير من وجهه ولشمالك خير من يمينه ولأخمصك خير من رأسه ولخطؤك خير من صوابه ولعيك خير من كلامه ولخدمك خير من قومه وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان اللسان أداة يظهر بها حسن

البيان وظاهر يخبر عن الضمير وشاهد ينبئك عن غائب وحاكم يفصل به الخطاب وواعظ ينهى عن القبيح ومزين يدعو إلى الحسن وزارع يحرث المودة وحاصد يحصد الضغينة ومله يونق الأسماع فما كان من هذا وشبهه لم يجب به فضل إذا وجب إلا بمعناه أو بمتون ألفاظه دون نظمه وتأليفه وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعا وحتى تجد إلى التخير سبيلا وحتى تكون قد استدركت صوابا فإن قلت أفليس هو كلاما قد اطرد على الصواب وسلم من العيب أفما يكون في كثرة الصواب

فضيلة قيل أما والصواب كما ترى فلا لأنا لسنا في ذكر تقويم اللسان والتحرز من اللحن وزيغ الإعراب فنعتد بمثل هذا الصواب وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم فليس درك صواب دركا فيما نحن فيه حتى يشرف موضعه ويصعب الوصول إليه وكذلك لا يكون ترك خطأ تركا حتى يحتاج في التحفظ منه إلى لطف نظر وفضل رؤية وقوة ذهن وشدة تيقظ وهذا باب ينبغي أن تراعيه وأن تعنى به حتى إذا وازنت بين كلام وكلام ودريت كيف تصنع فضممت

إلى كل شكل شكله وقابلته بما هو نظير له وميزت ما الصنعة منه في لفظه مما هي منه في نظمه واعلم أن هذا أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ وبين أن تكون في النظم باب يكثر فيه الغلط ترى مستحسنا قد أخطأ بالاستحسان موضعه فينحل اللفظ ما ليس له ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام قد حسن من لفظه ونظمه فظننت أن حسنه ذلك كله للفظ منه دون النظم مثال ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز طويل وإني على

إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف إنما هو لأن جعل النظر يجمح وليس هو لذلك بل لأن قال في أول البيت وإني حتى دخل اللام في قوله لتجمح ثم قوله مني ثم لأن قال نظرة ولم يقل النظر مثلا ثم لمكان ثم في قوله ثم أطرق وللطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله على إشفاق عيني من العدا وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك فانظر إلى قوله وقد تقدم

إنشاده قبل سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير فإنك ترى هذه الاستعارة على لطفها وغرابتها إنما تم لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى بما توخي في وضع الكلام من التقديم والتأخير وتجدها قد ملحت ولطفت وبمعاونة ذلك ومؤازرته لها وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف فأزل كلا منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه فقل سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره ثم انظر كيف يكون الحال وكيف يذهب الحسن والحلاوة وكيف تعدم أريحيتك التي كانت وكيف تذهب النشوة التي

كنت تجدها وجملة الأمر أن هاهنا كلاما حسنه للفظ دون النظم وآخر حسنه للنظم دون اللفظ وثالثا قد أتاه الحسن من الجهتين ووجبت له المزية بكلا الأمرين والإشكال في هذا الثالث وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه وتراك قد حفت فيه على النظم فتركته وطمحت ببصرك إلى اللفظ وقدرت في حسن كان به وباللفظ أنه للفظ خاصة وهذا هو الذي أردت حين قلت لك إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته ومن دقيق ذلك