ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 131,460 كلمة في هذا الجزء

في أن يستفيد علما أو يزداد فهما أو يكتسب فضلا أو يجعل له ذلك بحال شغلا فإن الإلف من طباع الكريم وإذا كان من حق الصديق عليك ولا سيما إذا تقادمت صحبته وصحت صداقته أن لا تجفوه بأن تنكبك الأيام وتضجرك النوائب وتحرجك محن الزمان فتتناساه جملة وتطويه طيا فالعلم الذي هو صديق لا يحول عن العهد ولا يدغل في الود وصاحب لا يصح عليه النكث والغدر ولا يظن به الخيانة والمكر أولى منه بذلك وأجدر وحقه عليك أكبر ثم إن التوق إلى أن تقر

الأمور قرارها وتوضع الأشياء مواضعها والنزاع إلى بيان ما يشكل وحل ما ينعقد والكشف عما يخفى وتلخيص الصفة حتى يزداد السامع ثقة بالحجة واستظهارا على الشبهة واستبانة للدليل وتبيينا للسبيل شيء في سوس العقل وفي طباع النفس إذا كانت نفسا ولم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء في معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة وفي بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء والإشارة في خفاء وبعضه كالتنبيه على مكان الخبيء ليطلب وموضع الدفين ليبحث عنه فيخرج وكما يفتح

لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه وتوضع لك القاعدة لتبني عليها ووجدت المعول على أن ها هنا نظما وترتيبا وتأليفا وتركيبا وصياغة وتصويرا ونسجا وتحبيرا وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها وأنه كما يفضل هناك النظم النظم والتأليف التأليف والنسخ النسج والصياغة الصياغة ثم يعظم الفضل وتكثر المزية حتى يفوق الشيء نظيره والمجانس له درجات كثيرة وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد كذلك يفضل بعض الكلام بعضا ويتقدم منه الشيء الشيء ثم يزداد فضله ذلك ويترقى

منزلة فوق منزلة ويعلو مرقبا بعد مرقب وتستأنف له غاية بعد غاية حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع وتحسر الظنون وتسقط القوى وتستوي الأقدام في العجز وهذه جملة قد يرى في أول الأمر وبادىء الظن أنها تكفي وتغني حتى إذا نظرنا فيها وعدنا وبدأنا وجدنا الأمر على خلاف ما حسبناه وصادفنا الحال على غير ما توهمناه وعلمنا أنهم لئن أقصروا اللفظ لقد أطالوا المعنى وإن لم يغرقوا في النزع لقد أبعدوا على ذاك في المرمى وذاك لأنه يقال لنا ما زدتم على أن قستم قياسا

فقلتم نظم ونظم وترتيب وترتيب ونسج ونسج ثم بنيتم عليه أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني هاهنا حسب ظهورها هناك وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم وهذا صحيح كما قلتم ولكن بقي أن تعلمونا مكان المزية في الكلام وتصفوها لنا وتذكروها ذكرا كما ينص الشيء ويعين ويكشف عن وجهه ويبين ولا يكفي أن تقولوا إنه خصوصية في كيفية النظم وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض حتى تصفوا تلك الخصوصية وتبينوها وتذكروا لها أمثلة وتقولوا مثل كيت وكيت كما يذكر

لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش ما تعلم به وجه دقة الصنعة أو يعلمه بين يديك حتى ترى عيانا كيف تذهب تلك الخيوط وتجيء وماذا يذهب منها طولا وماذا يذهب منها عرضا وبم يبدأ وبم يثني وبم يثلث وتبصر من الحساب الدقيق ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم منه مكان الحذق وموضع الأستاذية ولو كان قول القائل لك في تفسير الفصاحة إنها خصوصية في نظم الكلم وضم بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة أو على وجوه تظهر بها الفائدة أو ما أشبه ذلك من القول

المجمل كافيا في معرفتها ومغنيا في العلم بها لكفى مثله في معرفة الصناعات كلها فكان يكفي في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير أن تعلم أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص وضم لطاقات الأبريسم بعضها إلى بعض على طرق شتى وذلك ما لا يقوله عاقل وجملة الأمر أنك لن تعلم في شيء من الصناعات علما تمر فيه وتحلي حتى تكون ممن يعرف الخطأ فيها من الصواب ويفصل بين الإساءة والإحسان بل حتى تفاضل بين الإحسان والإحسان وتعرف طبقات المحسنين وإذا كان هذا هكذا علمت أنه لا

يكفي في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا وأن تصفها وصفا مجملا وتقول فيها قولا مرسلا بل لا تكون من معرفتها في شيء حتى تفصل القول وتحصل وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم وتعدها واحدة واحدة وتسميها شيئا شيئا وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم علم كل خيط من الأبريسم الذي في الديباج وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع وإذا نظرت إلى الفصاحة هذا النظر وطلبتها هذا الطلب احتجت إلى صبر

على التأمل ومواظبة على التدبر وإلى همة تأبى لك أن تقنع إلا بالتمام وأن تربع إلا بعد بلوغ الغاية ومتى جشمت ذلك وأبيت إلا أن تكون هنالك فقد أممت إلى غرض كريم وتعرضت لأمر جسيم وآثرت التي هي أتم لدينك وفضلك وأنبل عند ذوي العقول الراجحة لك وذلك أن تعرف حجة الله تعالى من الوجه الذي هو أضوأ لها وأنوه لها وأخلق بأن يزداد نورها سطوعا وكوكبها طلوعا وأن تسلك إليها الطريق الذي هو آمن لك من الشك وأبعد من الريب وأصح لليقين وأحرى بأن

يبلغك قاصية التبيين واعلم أنه لا سبيل إلى أن تعرف صحة هذه الجملة حتى يبلغ القول غايته وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك وتصويره في نفسك وتقريره عندك إلا أن هاهنا نكتة إن أنت تأملتها تأمل المتثبت ونظرت فيها نظر المتأني رجوت أن يحسن ظنك وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك وهي أنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا لولا أنهم حين سمعوا القرآن وحين تحدوا إلى معارضته سمعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله وأنهم قد رازوا أنفسهم فأحسوا بالعجز عن أن يأتوا بما

يوازيه أو يدانيه أو يقع قريبا منه لكان محالا أن يدعوا معارضته وقد تحدوا إليه وقرعوا فيه وطولبوا به وأن يتعرضوا لشبا الأسنة ويقتحموا موارد الموت فقيل لنا قد سمعنا ما قلتم فخبرونا عنهم عما ذا عجزوا أعن معان في دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول أم عن ألفاظ مثل ألفاظه فإن قلتم عن الألفاظ فماذا أعجزهم من اللفظ أم ما بهرهم منه فقلنا أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه وبدائع راعتهم من مبادىء آيه ومقاطعها ومجاري ألفاظها ومواقعها وفي

مضرب كل مثل ومساق كل خبر وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب ومع كل حجة وبرهان وصفة وتبيان وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة وعشرا عشرا وآية آية فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى وأخلق بل وجدوا اتساقا بهر العقول وأعجز الجمهور ونظاما والتئاما وإتقانا وإحكاما لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حك بيافوخه السماء موضع طمع حتى خرست الألسن عن أن تدعي وتقول وخلدت القروم فلم تملك

أن تصول نعم فإذا كان هو الذي يذكر في جواب السائل فبنا أن ننظر أي أشبه بالفتى في عقله ودينه وأزيد له في علمه ويقينه أأن يقلد في ذلك ويحفظ متن الدليل وظاهر لفظه ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي ومن أين كثرت الكثرة العظيمة واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة وكلم معدودة معلومة بأن يؤتى ببعضها في إثر بعض لطائف لا يحصرها العدد ولا ينتهي بها الأمد أم أن يبحث عن ذلك كله ويستقصي

النظر في جميعه ويتتبعه شيئا فشيئا ويستقصيه بابا فبابا حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله ويعلمه بتفسيره وتأويله ويوثق بتصوره وتمثيله ولا يكون كمن قيل فيه الطويل يقولون أقوالا ولا يعلمونها ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا قد قطعت عذر المتهاون ودللت على ما أضاع من حظه وهديته لرشده وصح أن لا غنى بالعاقل عن معرفة هذه الأمور والوقوف عليها والإحاطة بها وأن الجهة التي منها يقف والسبب الذي به يعرف استقراء كلام العرب وتتبع أشعارهم والنظر فيها وإذ قد ثبت ذلك فينبغي لنا أن

نبتدىء في بيان ما أردنا بيانه ونأخذ في شرحه والكشف عنه وجملة ما أردت أن أبينه لك أنه لا بد لكل كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل وعلى صحة ما ادعيناه من ذلك دليل وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة ومعان شريفة ورأيت له أثرا في الدين عظيما وفائدة جسيمة ووجدته سببا إلى حسم كثير من الفساد فيما يعود إلى التنزيل وإصلاح أنواع من

الخلل فيما يتعلق بالتأويل وإنه ليؤمنك من أن تغالط في دعواك وتدافع عن مغزاك ويربأ بك عن أن تستبين هدى ثم لا تهتدي إليه وتدل بعرفان ثم لا تستطيع أن تدل عليه وأن تكون عالما في ظاهر مقلد ومستبينا في صورة شاك وأن يسألك السائل عن حجة يلقى بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى أو غير ذلك فلا ينصرف عنك بمقنع وأن يكون غاية ما لصاحبك منك أن تحيله على نفسه وتقول قد نظرت فرأيت فضلا ومزية وصادفت لذلك أريحية فانظر لتعرف كما

عرفت وارجع نفسك واسبر وذق لتجد مثل الذي وجدت فإن عرف فذاك وإلا فبينكما التناكر تنسبه إلى سوء التأمل وينسبك إلى فساد في التخيل وإنه على الجملة بحيث ينتقي لك من علم الإعراب خالصه ولبه ويأخذ لك من أناسي العيون وحبات القلوب وما لا يدفع الفضل فيه دافع ولا ينكر رجحانه في موازين العقول منكر وليس يتأتى لي أن أعلمك من أول الأمر في ذلك آخره وأن أسمي لك الفصول التي في نيتي أن أحررها بمشيئة الله عز وجل حتى تكون على علم بها قبل

موردها عليك فاعمل على أن هاهنا فصولا لا يجيء بعضها في إثر بعض

وهذا أولها