ومنتنِ الريحِ إن ناحيته أبـداً
كأنما مات في خيشُومه فارُ
قلتُ: أنا قال: والذي نفس فرعون بيده، لا عرضتُ لك أبداً، إني أراك عريقاً في الكلام. ثم قلَّ واضمحلَّ حتى إنَّ الخنفساء لتدوسُه، فلا يشغل رجليها. فعجبتُ منه، وقلت لزهير: من هذا الجني؟ فقال لي: استعذ بالله منه، إنه ضرط في عين رجلٍ فبدرت من قفاه، هذا فرعونُ ابن الجون. فقلتُ: أعوذُ بالله العظيم، من النار ومن الشيطان الرَّجيم! فتبسَّم زهيرٌ وقال لي: هو تابعةُ رجُل كبير منكم، ففهمتها عنه.
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐5clmb Cached time: 20260918103403 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1, no‐toc] CPU time usage: 0.055 seconds Real time usage: 0.081 seconds Preprocessor visited node count: 212/1000000 Revision size: 18684/2097152 bytes Post‐expand include size: 39874/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 57206/5000000 bytes Lua time usage: 0.020/10.000 seconds Lua memory usage: 2889105/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 69.707 1 -total 53.68% 37.416 1 قالب:ترويسة 43.47% 30.303 26 قالب:أبيات 1.31% 0.913 1 قالب:لا_فهرس
Render ID 778fe3ac-b34c-11f1-8e3e-6da1cd3853ef
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:6574:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260918103403 and revision id 478393. Rendering was triggered because: page_view
الفصل الرابع
لغة الحمير
ومشيتُ يوماً وزهير بأرض الجن أيضاً نتقرَّى الفوائد ونعتمدُ أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارةٍ غناء، تفنرُّ عن بركة ماء، وفيها عانةٌ من حُمُر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق فهي تصطكُّ بالحوافر، وتنفُخ من المناخر، وقد اشتدَّ ضُراطُها، وعلا شحيجها وهاقها. فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه! فارتعتُ لذلك، فتبسَّم زهيرٌ وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بد أني بالتفدية، وحيتني بالتكنية. فقلت: ما الخطبُ، حُمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك؟ قالت: شعران لحمارٍ وبغل
من عشَّاقنا اختلفنا فيها، وقد رضيناك حكماً قلت: حتى أسمع. فقدَّمت إليَّ بغةٌ شهباء، عليها جلُّها وبرقُعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانةُ من سوء العجلة وسُخفِ الحركة، فقالت: أحدُ الشِّعرين لبغلٍ من بغالنا وهو:
علــى كـــل صـــب مـــن هـــواهُ دلـــيلُ:
سقـامٌ عـلـى حـر الـــجـــوى، ونُـــحُـــولُ
وما زال هذا الحبُّ داءً مُبرحاً، إذا ما اعترى بغلاً فليس يزولُ
بنفسي التي أما ملاحظُ طرفها
فسـحـــرٌ، وأمـــا خـــدُّهـــا فـــأســـيلُ
تعـبـتُ بـمـا حُـمـلـتُ مـن ثـقـل حُـبـــهـــا،
وإنـي لـبـغـلٌ لـلـــثـــقـــالِ حـــمُـــولُ
ومـا نـلـتُ مـنـهـا نـــائلاً غـــير أنـــنـــي
إذا هـي بـالـت بُــلـــتُ حـــيثُ تـــبُـــولُ
والشِّعر الآخرُ لدُكينٍ الحمار:
دُهيتُ بهذا الحب منـذُ هـويثُ،
وراثت إراداتي فلـسـتُ أريثُ
كّلفتُ بإلفي منذ عشرين حـجةً،
يجُولُ هواها في الحشا ويعـيثُ
ومالي من برحِ الصَّبابة مخلصٌ،
ولا لي من فيضِ السّقامِ مُغيثُ
وغير منها قلبها لـي نـمـيمةٌ،
نماها أحمُّ الخُصيتـينِ خـبـيثُ
وما نلتُ منها نائلاً، غير أنّـنـي
إذا هي راثـتُ حـيثُ تـروثُ
ففضحك زهيرٌ، وتماسكتُ، وقلتُ للمنشدة: ما هويتُ؟ قالت: هو هويبُ، بلغة الحمير. فقلت: والله، إن للرَّوثِ رائحة كريهةً، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك وأشارت إلى العانة أنَّ دُكيناً مغلوباً؛ ثم انصرفت قانعة راضية.
وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت: لو كانت ثمَّ علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلةُ أبي عيسى، والخالُ على خدها، فتباكينا طويلاً، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقيت منك؟ قلت: ما ترين. قالت: شبَّ عمرٌو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي، أهم على العهد؟ قلتُ: شبَّ الغِلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرتِ الخلاَّن؛ ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة. فتنفستِ الصُّعداء، وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسُوا أيام الود. بحرمة الأدب، إلاَّ ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما
تأمرين وأكثر.
الإوزة الأدبية
وكانت في البركة بقُربنا إوزَّةٌ بيضاء شهلاء، في مثل جُثمانِ النّعامة، كأنما ذُرَّ عليها الكافور، أو لبست غلالةً من دمقس الحرير، لم أر أخفَّ من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صباً، تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتُلولبُ قمحدوتها، فترى الحُسن مستعاراً منها، والشكل مأخوذاً عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتُهم بالهور، ورضيتم من حاكمكم بغير الرّضا.
فقلتُ لزهير: ما شأنها؟ قال: هي تابعةُ شيخٍ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتُكنى أمَّ خفيف، وهي ذات حظٍ من الأدب، فاستعدَّ لها. فقلتُ: أيتها الإوزةُ الجميلة، العريضةُ الطويلة، أيحسنُ بجمال حدفتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر رأسك، مقابلةُ الضَّيف بمثل هذا الكلام، وتلقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال؟ وأنا الذي همت بالإوزة صبابةً، واحتملت في الكلف بها عضَّ كل مقالة؛ وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتُها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا واستهلك عليها الظُّرفاء منا، ورضيت بدلاً من العصافير، ومُتكلمّات الزرازير،
ونُسيت لذَّةُ الحمام، ونقارُ الدُّيوك، ونطاحُ الكباش.
فدخلها العُجبُ من كلامي، ثم رفعت وقد اعترتها خفةٌ شديدةٌ في مائها، فمرَّةً سابحة، ومرةً طائرة، تتغمسُ هنا وتخرجُ هناك، قد تقبب جناحاها، وانتصبت ذُناباها، وهي تُطرب تطريب السرور؛ وهذا الفعل معروفٌ من الإوز عند الفرح والمرح. ثم سكنت وأقامت عُنقها، وعرَّضت صدرها، وعلمت بمجدافيها، واستقبلتنا جائيةً كصدر المركب، فقالت: أيها الغارُّ المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تُحكمُ الأصول؟ ما الذي تُحسن؟ فقلت: ارتجال شعر، واقتضابٌ خُطبة، على حُكم المقترح والنُّصبة. قالت: ليس عن هذا أسالُك. قلت: ولا بغير هذا أجاوبك. قالت حكم
الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردتُ بذلك إحسان النّحو والغريبِ اللذين هما أصلُ الكلام، ومادَّةُ البيان. قلت: لا جوابَ عندي غير ما سمعت. قالت: أُقسم أنَّ هذا منك غير داخلٍ في باب الجدل. فقلت: وبالجدل تطلُبيننا وقد عقدنا سلمه، وكُفينا حربه، وإنَّ ما رميتكِ به منه لأنفذُ سهامه، وأحدُّ حرابه، وهو من تعاليم الله. عزَّ وجلَّ، عندنا في الجدل في مُحكم تنزيله. قالت: أُقسم أنَّ الله ما علمك الجدل في كتابة قلت: محمول عنك أمَّ خفيف، لا يلزمُ الإوزةَّ حفظُ أدب القرآن،
قال الله، عزَّ وجلَّ، في مُحكم كتابه حاكياً عن نبيه إبراهيم، عليه السلام: "ربي الذي يُحيي ويُميتُ، قال: أنا أُحيي وأميت". فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال؛ ولكنَّ النبيَّ، ﷺ ، لما لاحت له الواضحةُ القاطعةُ، رماهُ بها، وأضرب عن الكلام الأول، قال: "فإنَّ الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فلهت الذي كفر" وأنا لا أُحسنُ غير ارتجال شعر، واقتضاب خُطبة، على حُكم المُقترح والنُّصبة، فاهتزَّت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمّت بالطيران. ثم اعتراها ما يعتري الإوزَّ
من الألفة وحسن الرَّجعة، فقدَّمت عنُقها ورأسها إلينا نمشي نحونا رويداً، وتنطق نطقاً مُتداركاً خفياً، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذلَّلت؛ على أني أحبُّ الإوزَّ وأستظرفُ حركاتِها وما يعرِضُ من سخافاتها.
ثم تكلمتُ بها مبسبساً، ولها مؤنساً، حتى خالتتنا وقد عقدنا سلمها وكُفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدبُ أم العقل؟ قالت: بل العقل. قلتُ: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزَّة، ودعيني من مثلهم في الحُبارى؟ قالت: لا قلت: فتطلبي عقل التَّجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيباً، وبؤتِ منه بحظ، فحينئذٍ ناظري في الأدب. فانصرفت وانصرفنا.
تمت الرسالة بحمد لله.
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐f9854c69d‐66k6c Cached time: 20260917212553 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1, no‐toc] CPU time usage: 0.073 seconds Real time usage: 0.097 seconds Preprocessor visited node count: 60/1000000 Revision size: 10023/2097152 bytes Post‐expand include size: 5883/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 7641/5000000 bytes Lua time usage: 0.024/10.000 seconds Lua memory usage: 1561304/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 88.418 1 -total 59.94% 52.997 1 قالب:ترويسة 33.88% 29.960 3 قالب:أبيات 3.37% 2.978 1 قالب:لا_فهرس 2.05% 1.816 1 قالب:ص
Render ID 5c8698f2-b2de-11f1-90c7-1ff57251b3a5
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:6575:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917212553 and revision id 478394. Rendering was triggered because: page_view