شيطان طرفة
فقال لي زُهير: من تُريدُ بعدُ؟ قلتُ: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عُتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضةٍ شجرُها شجران: سامٌ يفوحُ بهاراً، وشحرٌ يعبق هندياً وعاراً. فرأينا عيناً معينةً تسيل، ويدُورُ ماؤها فلكياً ولا يحُل. فصاح به زهير: يا عنترُ بن العجلان، حلَّ بك زهيرٌ وصاحبه، فبخَولة، وما قطعت معها من ليلة، إلاَّ ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكبٌ جميلُ الوجه، قد توشح السّيف، واشتمل عليه كساء خزّ، وبيده خطّيّ، فقال: مرحباً بكُما! واستنشدني فقلتُ: الزعيمُ أولى بالإنشاد؛ فأنشد:
لِسُعدى بِحِزَّانِ الشُّريف طُلُول
حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:
أمِن رسمِ دارٍ بالعقيقِ مُحِيلِ
حتى انتهيتُ إلى قولي:
ولما هبطنا الغيثَ تُذعرُ وحشُهُ
على كل خوَّار العنان أسيلِ
وثارت بناتُ الأعوجيّاتِ بالضُّحى
أبابِيلَ، من أعطافِ غير وبيلِ
مُسوَّمةً نعتدُّها من خِيارها،
لِطردِ قنيصٍ، أو لطردِ رعيلِ
إذا ما تغنّى الصَّحبُ فوق متونِها
ضُحيناً، أجابت تحتهم بصهيلِ
تدُوسُ بها أبكارَ نورٍ كأنّه
رِداءُ عرُوسٍ أوذنتُ بحليل
رَمينا بها عُرضَ الصُّوارِ فأقعصت
أغنَّ قتلناهُ بغيرِ قتيلِ
وبادَرَ أصحابي النُّزولَ، فأقبلت
كراديسُ من غض الشِّواء نشيلِ
نُمسِّحُ بالحوذانِ مِنهُ،
إذا ما اقتنصنا منه غير قليلِ
فقُلنا لسلقِيها: أدرها سُلافةً
شمولاً، ومِن عينيك صِرفَ شمولِ
فقالم بكأسيه مُكيعاً لأمرِنا،
يميلُ به الإدلالُ كلَّ مَميلِ
وشَعشَعَ راحيه، فما زال مائلاً
برأسِ كريمِ منهُمُ وتليلِ
إلى أن ثناهُم راكدينَ، لما احتسوا،
خليعينَ من بطش وفضل عُقولِ
نشاوى على الزَّهراء، صرعى كأنهم
أساكينُ قصرٍ، أو جُذُوعُ نخيلِ
فصاحَ عنترٌ: لله أنت! اذهب مُجازٌ. وغاب عنّا. ثم مِلنا عنه.
شيطان قيس بن الخطيم
فقال لي زهير: إلى من تتُوقُ نفسُك بعدُ من الجاهليّين؟ قلت: كفاني من رأيتُ؛ اصرِف وجه قصدنا أبي تمام. فركضنا ذات اليمين حيناً، ويشتدُّ في إثرِنا فارسٌ كأنه الأسد، على فرسٍ كأنها العُقاب، وهو في عدوه ذلك يُنشد:
طعنتُ ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ،.......لها نفذٌ، لولا الشعاعُ، أضاءهـا
فاستربتُ منه، فقال لي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطّارِ صاحبُ قيسِ ابن الخطيم. فاستبى لُبيّ من إنشاده البيت، وازددتُ خوفاً لُجرأته، وأنّنا لم نُعرَّج عليه.
فصرف إليه زهيرٌ وجه الأدم، وقال: حيّاك اللهُ أبا الخطّار! فقال: أهكذا يُحادُ عن أبي الخطار، ولا يُخطرُ عليه؟ قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك.
فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأُقسم أنك إن لم تُجد ليكوننَّ يوم شر. فأنشدتُه قولي من قصيدة: منازلهم تبكي إليكَ عَفاءها ومنها:
خليليَّ عُوجا، باركَ الله فيكُما،
بدارتِها الأولى نُحيِّ فناءها!
فلم أرَ أسراباً كأسرابها الدُّمى،
ولا ذئب مثل قد رعى، ثمَّ شاءها
ولا كضلالٍ كان أهدى لصبوتي،
ليالي يهديني الغرامُ خِباءها
وما هاجَ هذا الشوقَ إلاَّ حمائِمٌ،
بكيتُ لها لمّا سمعتُ بُكاءها
عجِبتُ لنفسي كيف مُلكها الهوى،
وكيف استَفَزَّ الغانِياتُ إباءها؟
ولو أنني أنحتْ عليَّ أكارمٌ؛
ترضَّيتُ بالعرضِ الكريمِ جزاءها
ولكنَّ جُرذان الثُّغورِ رمينني،
فأكرمتُ نفسي أن تُريق دماءها
إليك أبا مروان ألقيتُ رابياً
بحاجة نفسِ ما حُربتُ خزاءها
هززتُكَ في نَصري ضُحىً فكأنّني
هززتُ، وقد جئتُ الجبال، حراءها
نقضتُ عُرى عزم الزَّمانِ، وإن عَتا،
بعزمةِ نفسٍ لا أريدُ بقاءها
فلما انتهيتُ تبسمَّ وقال: لنعمَ ما تخلّصتَ! اذهب فقد أجزتُك.
ناصرالبدرى
ثمَّ انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرةٍ غيناء يتفجرُ من أصلِها عينٌ كمقلةٍ حَواء. فصاح زُهير: يا عتابُ بن حبناء، حلَّ بك زُهير وصاحبهُ، فبعمروٍ والقمر الكّالِع، وبالرُّقعةِ المفكوكةِ الطّابع، إلاَّ ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجهِ فتىً كفِلقةِ القمر، ثم اشتقَّ الهواء صاعداً إلينا من قعرها حتى استوى معنا فقال: حيّاك الله يا زهير، وحيّا صاحبك! فقلتُ: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب؟ قال: حيائي من التّحسُّنِ باسمِ الشِّعرِ وأنا لا أُحسنُه. فصحتُ: ويلي منه؛ كلامُ مُحدثٍ ورب الكعبة! واستنشدني
فلم أُنشده إجلالاً له، ثم أنشدتُه:
أبكيتَ، إذ طَعَنَ الفريقُ، فِراقَها
حتى انتهيتُ فيها إلى قولي:
إنّ امرُؤٌ لعب الزَّمانُ بهمّتي،
وسُقيتُ من كأس الخُطوبِ دهاقها
وكبوتُ طِرفاً في العُلى، فاستضكتْ
حُمُرُ الأنامِ، فما تريمُ نُهاقها
وإذا ارتمت نحوي المُنى لأنالها،
وقف الزَّمانُ لها هُناك فعاقها
وإذا أبو يحيى تأخَّرُ نفسهُ،
فمتى أُؤمّلُ في الزَّمان لحاقها؟
فلما انتهيتُ قال: أنشدني من رثائك. فأنشدتُه:
أعينَا امرأَ نَزَحَتْ عينُهُ،
ولا تَعجَبا مِن جُفُونٍ جمادىِ
إذا القلبُ أحرقهُ بثُّهُ،
فإنَّ المدامِعَ تِلوُ الفُؤادِ
يودُّ الفتى مَنهلاً خالياً،
وسعدُ المَنيةِ في كل وادِ
ويصرفُ للكونِ ما في يديهِ،
وما الكونُ إلاَّ نذيرُ الفسادِ
لقد عثرَ الدَّهرُ بالسابقينَ،
ولم يُعجِزِ الموت ركضُ الجَوادِ
لعمرُكَ ما ردَّ ريبَ الرّدى
أرِيبٌ، ولا جاهدٌ باجتِهادِ
سِهامُ المَنايا تُصِيبُ الفتى،
ولَوْ ضَرَبُوا دُونه بالسِّدادِ
أصَبنَ، على بطشِهِم، جُرهُماً،
وأصمينَ، في دارهم، قومَ عادِ
وأقصعنَ كلباً على عِزِّهِ،
فما اعتزَّ بالصَّافِناتِ الجِيادِ
إلى أن انتهيتُ فيها إلى قولي:
ولكنّني خانَني مَعشري،
ورُدتُ يَفاعاَ وبيلَ المَرادِ
وهل ضرب السيفُ من غيرِ كفٍ؟
وهل ثبتَ الرَّأسُ في غيرِ هادِ؟
فقال: زِدني من رثائك وتحريضك، فأنشدتُه:
أفي كلّ عامٍ مصـرعٌ لـعـظـيمِ؟
أصابَ المَنايا حـادثـي وقـديمـي
هوى قمراً قيس بن عـيلانَ آنـفـاً،
وأوحشَ مِن كلبٍ مـكـانُ زعِـيم
فكيف لِقائي الحادِثاتِ إذا سـطـتْ،
وقد فُلَّ سيفي منهُـمُ وعَـزيمـي؟
وكيف اهتدائي في الخطُوب إذا دجت
وقد فقدت عيناي ضـوءَ نُـجُـومِ؟
مضى السَّلفُ الوضَّـاحُ إلا بـقـيةً،
ومنها:
رَمَيتُ بها الآفاقَ عنّـي غـريبةً،
نتيجةَ خفاقِ الضُّـلـوعِ كـظـيمِ
لأُبدي إلى أهل الحجى مِن بواطني،
وأُدلي بعُدرٍ في ظـواهـر لُـومِ
أنا السّيفُ لم تتعبْ به كفُّ ضاربٍ،
صرومٌ إذا صادفتُ كفَّ صـرُومِ
سعيتُ بأحرارِ الرّجالِ، فخانـنـي
رجالٌ، ولم أُنجَدْ بِـجِـدِّ عـظـيمِ
وضيعني الأملاكُ بـدءاً وعـودةً،
فضعتُ بدارٍ مـنـهُـمُ وحَـريمِ
فقال: إن كنتَ ولا بُدَّ قائلاً، فإذا دعتك نفسكُ إلى القولِ فلا تكُدَّ قريحتك، فإذا أكملتَ فجمامُ ثلاثة لا أقلَّ. ونقّحْ بعدَ ذلك، وتذكّرْ قوله:
وجَشَّمَني خوفُ ابنِ عَفّانَ رَدَّها،
فثقفتُها حولاً كريتاً ومربَـعـا
وقد كان في نفسي عليها زيادةٌ،
فلم أرَ إلاَّ أن أُطيعَ وأسمَـعـا
وما أنتَ إلاَّ مُحسِنٌ على إساءةِ زمانكَ. فقبلتُ على رأسه، وغاصَ في العَين.