ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 4 من 8

رسالة التوابع والزوابع

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 4 من 81,369 كلمة في هذا الجزء

صاحب أبي الطيب

فقال لي زهير: ومنْ تريد بعد؟ قلت له: خاتمة القوم صاحب أبي الطيّب؛ فقال: اشدُد له حَيازيمك، وعطّر له تسمك، وانثُر عليه نجومك. وأمال عنان الأدهم إلى طريقٍ، فجعل يركض بنا، وزهيرٌ يتأمّل آثار فرسٍ لمحناها هناك؟ فقلت له: ما تتبَّعك لهذه الآثار؟ قال: هي آثار فرس حارثة بن المغلَّس صاحب أبي الطيب، وقصدي هو صاحب قَنص. فلم يزل يتقرّاها حتى دفعنا إلى فارسٍ على فرسٍ بيضاء كأنه قضيبٌ على كثيب، وبيده قناةٌ قد أسندها إلى عنقه، وعلى رأسه عمامةٌ حمراء قد أرخى لها عَذَبَةً

صفراء. فحيّاه زهير، فأحسن الردّ ناظراً من مقلةٍ شَوساء، قد مُلئت تيهاً وعُجباً. فعرّفه زهيرٌ قصدي، وألقى إليه رغبتي. فقال: بلغني أنه يتناول؛ قلت: للضرورة الدافعة، وإلا فالقريحة غير صادعة، والشفْرة غير قاطعة. قال: فأنشدني؛ وأكبرتُه أن أستنشده، فأنشدته قصيدتي التي أوّلها: أبرقٌ بدا أمْ لمع أبيضَ قاصِلِ حتى انتهيت إلى قولي:

ترددَ فيها البرقُ حتى حسبـتُـهُ

يشير إلى نجمٍ الرُّبى بالأنـامـلِ

ربىً نسجت أيدي الغَمام للُبسهـا

غلائلَ صُفراً، فوق بيضِ غلائلِ

سهرتُ بها أرعى النجوم وأنجماً

طوالع للراعين، غـير أوافـلِ

وقد فغرتْ فاها بها كلّ زهـرةٍ،

إلى كل ضَرعٍ للغَمامة حافـلِ

ومرّت جيوش المُزن رَهواً، كأنهـا

عساكر زَنْجٍ مذهَباتُ المنـاصِـلِ

وحلّقتِ الخضراء في غُرّ شُهبهـا،

كلُجّة بحرٍ كُلّلـتْ بـالـيعـالـلِ

تخال بها زُهر الكواكب نرجِـسـاً،

على شطّ وادٍ للـمـجَـرّة سـائلِ

وتلمحُ من جَوزائها في غُروبـهـا

نساقُطَ عرشٍ واهنِ الدعـم مـائلِ

وتحسب صقراً واقعاً دَبَـرانـهـا،

بعُشّ الثريا فوق حمر الحواصـلِ

وبَدرَ الدجى فيها غديراً، وحـولـه

نجومٌ كطلعات الحمام الـنـواهـلِ

كأن الدجى همّي، ودمعي نجومـه،

تحدّر إشفـاقـاً لـدهـر الأراذلِ

هوتْ أنجم العلـياء إلاّ أقـلّـهـا،

وغِبنَ بما يحظى به كـل عـاقـلِ

وأصبحتُ في خلفٍ إذا ما لمحتُهـم

تبيّنتُ أن الجهل إحدى الفـضـائلِ

وما طاب في هذي البـريّة أخـرٌ،

إذا هو لم يُنجـدْ بـطِـيب الأوائلِ

أرى حُمُراً فوق الصواهـلِ جـمّةً،

فأبكي بعَيْني ذُبلّ تلك الصـواهـلِ

ورُبّتَ كُتّـابٍ إذا قـيبـل: زوِّروا،

بكتْ من تأنّيهم صُدورُ الـرسـائلِ

وناقل فِقْهٍ لم يرَ الـلـه قـلـبـه،

يظنّ بأن الدين حِفظُ الـمـسـائلِ

وحاملِ رمحٍ راحَ، فوق مَـضـائه،

به كاعباً في الحيّ ذات مـغـازلِ

حُبُّوا بالمُنى دوني، وغودِرتُ دونهم

أرودُ الأماني في رياض الأباطـلِ

وما هـي إلا هـمةٌ أشـجـعـيّةٌ،

ونفْسٌ أبتْ لي من طِلاب الـرذائلِ

وفهمٍ لو البِرجيسُ جـئتُ بـجـدّه،

إذاً لتلقّاني بنحْـسِ الـمـقـاتِـلِ

ولمّا طَما بحر البَيان بفـطـرتـي،

وأغرقَ قرْن الشمس بعض جداولي

رحلتُ إلى خير الورى كـلّ حـرّةٍ

من المدح، لم تَخمُلْ بِرَعي الخمائلِ

وكدتُ لفضلِ القول أبلُغُ ساكـتـاً،

وإنْ ساء حُسّادي مدى كـلّ قـائلِ

فلما انتهيتُ قال: أنشدني أشدّ من هذا. فأنشدتُه قصيدتي: هاتيكَ دارُهُمُ فقِفْ بمَعانِها

فلما انتهيتُ، قال لزهير: إن امتدّ به طلق العُمُر، فلا بدّ أن بنفث بدُرر، وما أُراه إلا سيُحتضَر، بين قريحةٍ كالجمر، وهمّةٍ تضع أخمصه على مفرِقِ البدر.

فقلت:

أهلاَّ وضعتُه على صَلعة النسر? فاستضحك إليّ وقال: اذهب فقد أجزتُك بهذه النُّكتة. فقبّلتُ على رأسه وانصرفنا.

NewPP limit report Parsed by mw‐web.codfw.main‐6d566bb99f‐7qbf8 Cached time: 20260918103812 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [vary‐revision‐sha1, no‐toc] CPU time usage: 0.083 seconds Real time usage: 0.101 seconds Preprocessor visited node count: 226/1000000 Revision size: 30364/2097152 bytes Post‐expand include size: 48762/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 44276/5000000 bytes Lua time usage: 0.025/10.000 seconds Lua memory usage: 2819703/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 80.379 1 -total 52.86% 42.489 1 قالب:ترويسة 44.16% 35.499 20 قالب:أبيات 1.29% 1.040 1 قالب:لا_فهرس

Render ID 0bfa4851-b34d-11f1-b762-55c6f5008956

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:6572:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260918103812 and revision id 499823. Rendering was triggered because: page_view

الفصل الثاني

فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: ملْ بي إلى الخُطباء، فقد قضيتُ وَطَراً من الشعراء. فركضنا حيناً طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارساً أسرّ إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جُمعتْ لك خُطباء الجنّ بمَرْج دُهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كُفيتُ العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفَرْق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.

وانتهينا إلى المَرْج فإذا بنادٍ عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فُرسان الكلام. فردّوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالةِ مجلسهم، والكل منهم ناظرٌ إلى شيخٍ أصلع، جاحظ العين اليُمنى، على رأسه قلَنسوةٌ بيضاء طويلة. فقلت سرّاً لزهير: من ذلك؟ قال: عُتْبةُ بن أرقم صاحب الجاحظ، وكُنيتُه أبو عُيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرّفه صَغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال:

إنك لخطيب، وحائكٌ للكلام مُجيد، لولا أنك مُغْزىً بالسجع، فكلامك نظمٌ لا نثر.

فقلتُ في نفسي: قرعَكَ، بالله، بقارعته، وجاءك بمُماثَلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزّك الله، منّي جَهلاً بأمر السجع، وما في المماثَلة والمقابلة من فضْل، ولكني عدمتُ فرسان الكلام، ودُهيتُ بغباوة أهل الزمان، وبالحَرا أن أحرِّكهم بالازدواج. ولو فرشتُ للكلام فيهم طَولقاً، وتحركت لهم حركة مَشُوْلم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم.

فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبَر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لِحاء الشجر، وليش ثمّ ثمرٌ ولا عَبَق. قال لي: صدقتَ، إني أراك قد ماثلْتَ معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفَراهيدي إليه طريق، ولا للبَيان عليه سمة. إنما هي لُكنةٌ أعجميةٌ يُؤدّون بها المعاني تأدية المَجوس والنَّبَط. فصاح: إنا لله، ذهبت العربُ وكلامُها! ارمهم يا هذا بسَجع الكُهّان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويُطير لك ذِكراً فيهم. وما أُراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة

عليهم، كَريهَ المجيء إليهم. |فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمتُ أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقِبةٌ إلى ما يكون منه: لا يَغُرَّنْك منه، أبا عُيينة، ما تكلّف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمّعك كُلْفة. ولو امتدّ به طَلَقُ الكلام، وجرت أفراسه في مَيْدان البَيان، لصلى كَودَنُه وكل بُرثُنُه. وما أُراه إلاّ من اللُّكْن الذين ذّكَر، وإلاّ فما للفصاحة لا تهدِر، ولا للأعْرابية لا تومِض؟ فقلتُ في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقُه، وربِّ الكعبة! فقلت له: لقد عجِلْتَ، أبا هُبيرة، - وقد

كان زهيرٌ عرّفني بكُنيته - إنّ قوسَكَ لنبع، وإن سهمك لسُمّ، أحِماراً رميتَ أن إنساناً، وقعقعةً طلبْتَ أم بَياناً؟ وأبيك، إن البَيان لصعْب، وإنك منه لفي عباءةٍ تتكشّف عنها أسْتاه معانيك، تكشُّف اسْتِ العَنْز عم ذنبها. الزمان دفءٌ لا قُرّ، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليَربوع بكفّيك، وألمح من كُشى الضبّ على ماضِغيك. فتبسّم إليّ وقال: أهكذا أنت يا أُطَيلِسْ، تركَب لكلٍّ نهجه، وتعجّ إليه عجّه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإنّ التيْس ما علمْت! فصاح به أبو عُيينة: لا تعرِض له، وبالحَرا أن

تخْلُص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافيةٌ لو كان له جِحْر. فبَسَطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأتُ رسالتي في صفة البَرْد والنار والحطب فاستحسناها.