ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 8 من 22

كتاب الزهرة — المجلد الرقمي الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 8 من 221,795 كلمة في هذا الجزء

وفي مثله يقول البحتري:

وكنتُ أرى أنَّ الصُّدودَ الَّذي مضى

دلالٌ فما إنْ كانَ إلاَّ تجنُّبا

فوا أسفا حتَّامَ أسألُ مانِعاً

وآمنُ خوَّاناً وأُعتبُ مُذنبا

سأثْني فؤادي عنكِ أو أتبعُ الهوَى

إليكِ إنِ استعصى فؤادي أوْ أبى

وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه في نحوه:

ما لي أُقرِّبُ منكَ نفسي جاهداً

وأراكَ منِّي جاهداً تتباعدُ

قدَّمتَ دونَ أخيكَ من هو دونهُ

وعندْتَ عنهُ وهوَ منكَ يُعاندُ

أيأستني بعدَ الرَّجاء فمنْ ترى

يرجوكَ بعدي أوْ عليكَ يُحاسدُ

أمْ كيفَ يأملُ منكَ يوماً صالحاً

أحدٌ ورأيكَ فيَّ رأيٌ فاسدُ

وقال ابن حازم في نحو ذلك:

لا ترضَ عيشاً علَى امتهان

ولا تردْ وصلَ ذي امتنانِ

أشدُّ منْ عَيلةٍ وفقرٍ

إغضاءُ حُرٍّ علَى هوانِ

إذا نبا منزلٌ بحُرٍّ

فمنْ مكانٍ إلى مكانِ

وهؤلاء كلُّهم ومن جرى في هذا القول مجراهم إنَّما يتضاجرون على خلاَّنهم لثقلهم إيَّاهم عن عاداتهم ومنعهم إيَّاهم ما استعبدوه من مواصلاتهم لتغلُّب الحيرة على قلوبهم يحسبون أنَّ انحرافهم عن أحبابهم أقلُّ أذًى عليهم من الصبر لهم على محبَّاتهم ولو قد أنفذوا ما عزموا عليه

من الفراق والهجر لشاهدوا ما يضطرُّهم إلى الرُّجوع بالصِّغر والتَّوسل إلى الصَّفح بالعذر ما لم يسمع الَّذي يقول:

مزحتَ بالهجرِ ولا علمَ لي

أنَّكَ مُشتاقٌ إلى الهجرِ

فلا يضقْ عفوُكَ عن تائبٍ

تضيقُ عنهُ سعةُ العُذرِ

وفي مثل ذلك يقول الآخر:

يا بيتَ خنساءَ الَّذي أتجنَّبُ

ذهبَ الزَّمانُ وحبُّها لا يذهبُ

ما لي أحنُّ إذا جِمالكِ قرَّبتْ

وأصدُّ عنكِ وأنتِ منِّي أقربُ

لله درُّكِ هلْ لديكِ مُعوَّلٌ

لِمُكلَّفٍ أمْ هلْ لودِّكِ مطلبُ

وفي نحو ذلك يقول البحتري:

رحلتُ عنكَ رحيلَ المرء عن وطنهْ

ورحلةَ السَّكنِ المشتاقِ عن سكنِهْ

فإنْ تحمَّلتُ صبراً عنكَ أوْ مُنيتْ

نفسي به فهو صبرُ الطَّرفِ عن وسنِهْ

ولبعض الأعراب في مثل ذلك:

وإنِّي وإنْ لم آتِ ليلى وأهلها

لَباكٍ علَى ليلى بُكا ذي التَّمائمِ

بُكاً ليسَ بالنَّزرِ القليلِ ودائمٌ

كما الهجرُ من ليلى علَى الوصلِ دائمُ

هجرتُكِ أياماً بذي العُمرِ إنَّني

علَى هجرِ أيامي بذي العُمرِ نادِمِ

فلمَّا مضتْ أيَّامُ ذي العمرِ وارتمى

بيَ الهجرُ لامتني عليكِ اللَّوائمُ

وإنِّي وذاكَ الهجرُ لو تعلمينهُ

كَمَاذيةٍ عن طفلها وهيَ رائمُ

ألمْ تعلمي أنِّي أهيمُ بذكركُمْ

علَى حينِ لا يبقى علَى الوصلِ دائمُ

أظلُّ أُمنِّي النفسَ إيايَ خالياً

كما يتمنَّى باردَ الماء صائمُ

ولقد أحسن العباس بن الأحنف حيث يقول:

لا بدَّ للعاشقِ من وقفةٍ

تكونُ بينَ الوصلِ والصَّرْمِ

حتَّى إذا الهجرُ تمادى به

راجعَ من يهوى علَى رغمِ

وأحسن أيضاً في قوله:

العاشقانِ كلاهما مُتعتِّبُ

وكلاهما مُتذلِّلٌ مُتغضِّبُ

صدَّتْ مُراغمةً وصدَّ مُراغماً

وكلاهما ممَّا يُعالجُ مُتعبُ

راجعْ أحبَّتكَ الذين هجرتهم

إنَّ المُتيَّمَ قلَّ ما يتجنَّبُ

إنَّ الصُّدودَ إذا تمكَّنَ منكما

دبَّ السُّلوُّ لهُ فعزَّ المطلبُ

ولبعض أهل هذا العصر:

يا مُتُّ قبلكَ طالَ الحُزنُ والأسفُ

وجاوزَ الشَّوقُ بي حدَّ الَّذي أصِفُ

قلبي إليكَ مع الهجرانِ مُنعطفٌ

وأنتَ عنِّي رخيُّ البالِ مُنحرفُ

فإنْ تكنْ عن إخائي اليومَ مُنصرفاً

فاللهُ يعلمُ ما لي عنكَ مُنصرفُ

هَبْني اعترفتُ بأنِّي لستُ ذا شغفٍ

ألمْ يكنْ كمدي أن لستُ أنتصفُ

كمْ قد كذبتُ علَى قلبي فكذَّبني

طولُ الحنينِ وعينٌ دمعها يكفُ

إن كنتَ يوماً مُقيلي زلَّةً سلفتْ

فالآنَ من قبلِ أن يُغرى بيَ التَّلفُ

اللهَ اللهَ في نفسي فقدْ عطِبتْ

وليسَ في قيلها من شُكرها خلفُ

قد ذلَّلَ الشَّوقُ قلبي فهوَ مُعترفٌ

إنَّ التَّذلُّلَ في حكم الهوَى شرفُ

فاعملْ برأيكَ لا أدعوك مُعتدياً

ولا أقولُ لشيءٍ قُلتهُ سرفُ

الباب السابع من طال سروره قصرت شهوره

الباب السابع من طالَ سرورهُ قصرتْ شهورهُ

من صبر على الامتحان لمن يهواه على مثل ما ذكرناه كان خليقاً أن يبلغ أقصى مُناه وأهل هذه الحال الذين يحمدون الهوَى ويشكرونه ويصفون لذاذته للذين لا يعرفونه ويزرون على عيشٍ من لم يتطعَّم مذاقه ولم يُتعبَّد باسترقاقه ألم تسمع الَّذي يقول:

إذا أنتَ لم تعشقْ ولم تدرِ ما الهوَى

فكنْ حجراً من يابسِ الصَّخرِ جلْمدا

فما العيشُ إلاَّ ما تلذُّ وتشتهي

وإنْ لامَ ذو الشَّنآنِ فيه وفنَّدا

تبعتُ الهوَى جُهدي فمن شاءَ لامني

ومن شاء آسى في البُكاء وأسعدا

والكميت أنصف من هذا حيث يقول:

ما ذاقَ بؤسَ معيشةٍ ونعيمها

فيما مضى أحدٌ إذا لمْ يعشقِ

الحبُّ فيهِ حلاوةٌ ومرارةٌ

سائلْ بذلك من تطعَّمَ أوْ ذُقِ

وقال القطامي:

ألا علِّلاني كلُّ حيٍّ مُعلَّلُ

ولا تَعِداني الشَّرُّ والخيرُ مُقبلُ

فإنَّكما لا تدريانِ أما مضى

من الدَّهر أمْ ما قد تأخَّرَ أطولُ

أنشد أبو تمام لنفسه:

أيُّ شيءٍ يكونُ أملحَ من صَ

بٍّ أديبٍ متيَّمٍ بأديبِ

جازَ حُكمي في قلبهِ وهواهُ

بعدما جازَ حُكمهُ في القلوبِ

كادَ أن يكتبَ الهوَى بينَ عينيهِ

كتاباً هذا حبيبُ حبيبِ

غيرَ أنِّي لو كنتُ أعشقُ نفسي

لتنغَّصْتُ عِشقها بالرَّقيبِ

فهؤلاءِ الذين قد سامحهم الدَّهر بصحابهم فاستطابوا المقام على حالهم ومن وصل إلى شيءٍ نفسه تقاصرت عليه الأيام وراصدته بمكروهات الشهور والأعوام.

قال جميل بن معمر:

يطولُ اليومُ لا ألقاكِ فيهِ

وحولٌ نلتقي فيه قصيرُ

وقالوا لا يضرُّكَ نأيُ شهرٍ

فقلتُ لِصاحبي فلمنْ يضيرُ

وقال آخر:

أقولُ لصاحبي والعيسُ تهوي

بنا بينَ المُنيفةِ والضِّمارِ

تمتَّعْ من شميمِ عَرارِ نجدٍ

فما بعدَ العشيَّةِ من عَرارِ

ألا يا حبَّذا نفحاتُ نجدٍ

وريَّا روضهِ بعدَ القِطارِ

وأهلُكَ إذْ يحلُّ القومُ نجداً

وأنتَ علَى زمانكَ غيرُ زاري

شهورٌ ينقضينَ وما علمنا

بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ

وقال آخر:

لياليَ أعطيتُ الصَّبابةَ مِقْودي

تمرُّ اللَّيالي والشُّهورُ ولا أدري

مضى لي زمانٌ لو أُخيَّرُ بينها

وبينَ حياتي خالياً آخر الدَّهرِ

لقلتُ ذروني ساعةً وكلاهما

علَى غفلةِ الواشينَ ثمَّ اقطعوا عمري

وقال أبو تمام لنفسه:

وفاتنِ الألحاظ والخدِّ

مُعتدلِ القامةِ والقَدِّ

صيَّرني عبداً لهُ حسنهُ

والطَّرفُ قد صيَّرهُ عبدي

وقال بعض بني قشير:

لوَ أنَّكَ شاهدتَ الصِّبى يا ابنَ بَوْزلٍ

بجزعِ الغضا إذْ واجهتنا عياطلُهْ

لأبصرتَ عيشاً بعدَ سخطٍ من النَّوى

وبعدَ تنائي الدَّارِ حلواً شمائلُهْ

وقال الطائي:

لو كنتَ عندي أمسِ وهو مُعانقي

ومدامعي تجري علَى خدَّيْهِ

وقدِ ارتوتْ من عبرتي وجناتُهُ

وتنزَّهتْ شفتايَ في شفتيهِ

لرأيتَ بكَّاءً يهونُ علَى الهوَى

وتهونُ تخْليَّةُ الدُّموع عليهِ

ورأيتَ أحسنَ من بُكائيَ قولهُ

هذا الفتَى مُتعنِّتٌ عينيهِ

وقال أيضاً:

ظنُّكَ فيما أُسرُّهُ حكمُ

أرضى بهِ لي وطرفُكَ الفَهِمُ

فيمَ سُلوِّي وأنتَ بي كَلِفٌ

ليسَ بهذا تُعاشرُ النِّعَمُ

كيفَ وعيني إليكَ مُسرعةٌ

فيكَ وقلبي عليكَ مُتَّهمُ

أظهرتُ من لوعةِ الهوَى جزَعاً

والصَّبرُ إلاَّ عن الهوَى كرمُ

وقال أيضاً:

نِعمُ اللهِ فيكَ لا أسألُ اللَّ

هَ إليها نُعمَى سِوى أنْ تدُوما

ولَوَ انِّي فعلتُ كنتُ كمنْ تسْ

ألهُ وهوَ قائمٌ أنْ يقُوما

وقال أيضاً:

أيَّامُنا مصقولةٌ أطرافُها

بكَ واللَّيالي كلُّها أسحارُ

هِمَمي معلَّقةٌ عليكَ رِقابُها

معلولةٌ إنَّ الوفاءَ إسارُ

ومودَّتي لكَ لا تُعارُ بلَى إذا

ما كانَ تأْمُورُ الفؤادِ يُعارُ

والنَّاسُ غيركَ ما تغيّرُ حبوَتِي

لِفراقهمْ هلْ أنجدُوا أو غارُوا

ولذاكَ شِعرِي فيكَ قدْ سمعُوا بهِ

سَحرٌ وأشعارِي بهمْ إشعارُ

وقال علي بن محمد العلوي:

مِنْ قِصرِ اللَّيلِ إذا زُرتنِي

أبكِي وتَبكينَ منَ الطُّولِ

عدوُّ عينيكِ وشانِيهما

أصبحَ مشغولاً بمشغولِ

وقال أبو عبادة البحتري:

لوتْ بالسَّلامِ بناناً خضيباً

ولحظاً يشوقُ الفؤادَ الطَّروبا

وزارتْ علَى عجلٍ فاكْتسَى

لزَوْرتِها أبرقُ الحزنِ طِيبا

فكانَ العبيرُ بها واشياً

وجرسُ الحليِّ عليها رقِيبا

ولمْ أنسَ ليلَتَنا في العناقِ

ولفَّ الصِّبا بقَضيبٍ قضيبَا

كما أقبلتِ الرِّيحُ في مرِّها

فَطوراً خُفوقاً وطوراً هُبوبا

وقال أيضاً:

تأبَى المنازلُ أنْ تُجيبَ ومِنْ جوًى

يومَ الدِّيارِ دعوتُ غيرَ مُجيبِ

وقِصارِ أيَّامٍ بهِ شرَقَتْ لنا

حسَناتُها مِنْ كاشحٍ ورقيبِ

سُقيَ الغَضا والنَّازِليهِ وإنْ همُ

شبُّوهُ بينَ جوانِح وقلوبِ

وله أيضاً:

وأخٌ لبستُ العيشَ أخضرَ ناضراً

بكريمِ عِشرتهِ وفضلِ إخائهِ

وضياءِ وجهٍ لوْ تأمَّلهُ امرؤٌ

صادِي الجوانحِ لارْتَوى مِن مائهِ

فدعِ الهوَى أوْ متْ بدائكَ إنَّ مِنْ

شأنِ المُتيَّمِ أنْ يموتَ بدائهِ

وله أيضاً:

ألنْتَ لي الأيَّامَ مِن بعدِ قسوةٍ

وعاتبتَ لي دهرِي المسيءَ فأعتبا

وألبسْتَنِي النُّعمَى الَّتي غيَّرتْ أخِي

عليَّ فأضحَى نازِحَ الودِّ أجنبَا

وقال آخر:

ولمَّا خلوْنا واطْمأنَّتْ بنا النَّوى

وعادَ لنا العيشُ الَّذي كنتُ أعرفُ

أخذتُ بكفِّي كفَّها فوضعْتُها

علَى كبدٍ من خِشيةِ البَيْنِ ترجفُ

قال محمد بن نصير:

لا أظلمُ اللَّيلَ ولا أدَّعِي

أنَّ نجومَ اللَّيلِ ليستْ تغورُ

اللَّيلُ ما شاءتْ فإن لمْ تزرْ

طالَ وإنْ زارتْ فلَيْلِي قصيرُ

وقال جميل:

تذكَّرَ منها القلبُ ما ليسَ ناسياً

ملاحةَ قولٍ يومَ قالتْ ومعهدَا

فإن كنتَ تهوَى أوْ تُريدُ لقاءَنا

علَى خلوةٍ فاضربْ لنا منكَ موعِدا

فقلتُ ولمْ أملكْ سوابقَ عبرةٍ

أأحسنُ مِنْ هذا العشيَّةَ مَقعدا

فقالتْ أخافُ الكاشحينَ وأتَّقي

عيوناً منَ الواشينَ حوليَ شُهَّدا

وقال خالد الكاتب:

عشيَّةَ حَيانِي بوردٍ كأنَّهُ

خدودٌ أُضيفتْ بعضهنَّ إلى بعضِ

وولَّى وفِعلُ السُّكْرِ في لحظاتهِ

كفعلِ نسيمِ الرِّيحِ بالغصنِ الغضِّ

وقال آخر:

وقصيرةِ الأيَّامِ ودَّ جليسُها

لوْ نالَ مجلسَها بفقدِ حميمِ

بيضاءُ مِنْ بقرِ الجِواءِ كأنَّما

حفن الحياةِ بها وداءُ سقيمِ

وقال عروة بن أذينة:

فذَّانِ يُعنيهما للبينِ فرقتهُ

ولا يملاَّنِ طولَ الدَّهرِ ما اجتمعَا

مستقبلانِ نشاطاً مِنْ شبابِهِما

إذا دعَا دعوةً داعِي الهوَى سمِعا

لا يعجبانِ بقولِ النَّاسِ عنْ عُرضٍ

ويعجبانِ بِما قالا وما صنَعَا

وقال العرجي:

لَقيتُ بهِ سرَّ ينظرنَ موعدِي

وقِدماً وفتْ منِّي لهنَّ المواعدُ

أمِنَّ العيونَ الرَّامقاتِ ولمْ يكنْ