ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 22

كتاب الزهرة — المجلد الرقمي الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/23 · 13:35.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 221,759 كلمة في هذا الجزء

تعلَّقُ رُوحي روحَها قبلَ خلقِنا

ومِنْ بعدِ ما كنَّا نِطافاً وفي المهدِ

فزادَ كمَا زِدنا فأصبحَ نامِياً

وليسَ إذا مُتنا بمُنتقضِ العهدِ

ولكنَّهُ باقٍ علَى كلِّ حالةٍ

وزائرُنا في ظُلمةِ القبرِ واللَّحدِ

وفي نحوه يقول بعض أهل هذا العصر:

مَنْ كانَ يشجَى بحبٍّ ما لهُ سببٌ

فإنَّ عندي لِما أشجَى بهِ سببُ

حُبِّيهِ طبعٌ لنفسِي لا يغيِّرهُ

كرُّ اللَّيالِي ولا تُودي بهِ الحقبُ

إن كانَ لا بدَّ للعشَّاقِ من عطبٍ

ففي هوَى مثلهِ يُستغنمُ العطبُ

وكتب بعض الظرفاء إلى أخ له إنِّي صادقت منك جوهر نفسي فأنا غير محمود على الانقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضاً وحُكي عن أفلاطون أنَّه قال ما أدري ما الهوَى غير أنِّي أعلم أنَّه جنون إلاهي لا محمود ولا مذموم.

وقد قال بعض الشعراء في مثله:

إنَّ المحبَّةَ أمرُها عجبٌ

تُلقَى عليكَ وما لها سببُ

ولقد أحسن الحسين بن مطير في قوله:

قضَى اللهُ يا سمراءُ منِّي لكِ الهوَى

بعزمٍ فلمْ أمنعْ ولمْ أُعطِهِ عمدا

وكلُّ أسيرٍ غيرُ مَنْ قدْ ملكتهِ

مُرجًّى لقتلٍ أوْ لنعماءُ أوْ مُفدَى

وزعم بطليموس أن الصداقة والعداوة تكون على ثلاثة أضرب إما لاتفاق الأرواح فلا يجد المرء بدّاً من أن يحب صاحبه وإما للمنفعة وإما لحزن وفرح فأما اتفاق الأرواح فإنه يكون من كون الشَّمس والقمر في المولدين في برج واحد ويتناظران من تثليث أو تسديس نظر

مودَّة فإنه إذا كان كذلك كانا صاحبا المولدين مطبوعين على مودَّة كل واحد منهما لصاحبه فأما اللذان تكون مودَّتهما لحزن أو لفرح فإنه من أن يكون طالع مولديهما برجاً واحداً ويتناظر طالعاهما من تثليث أو تسديس وأما اللذان مودتهما للمنفعة فإن ذلك من أن يكون

بينهما سعادتاهما في مولديهما في برج واحد أو يتناظر السهمان من تثليث أو تسديس فإن لك يدل على المولدين تكون منفعتهما من جهة واحدة وينتفع أحدهما بصاحبه فتجلب المنفعة بينهما الصداقة أو تكون مضرتهما من جهة واحدة فيتفقان على الحزن فيتوادان بذلك السبب ويُقوِّي ذلك

كله نظر السعود في وقت المواليد ويضعفه نظر النحوس وقد ذكر بعض الشعراء الهوَى فقسمه على نحوٍ من هذا المعنى فقال:

ثلاثةُ أحبابٍ فحبُّ علاقةٍ

وحبُّ تِملاقٍ وحبٌّ هوَ القتلُ

وزعم جالينوس أنَّ المحبة قد تقع من العاقلين من باب تشاكلهما في العقل ولا تقع بين الأحمقين من باب تشاكلهما في الحمق لأن العقل يجري على ترتيب فيجوز أن يُتفق فيه على طريق واحد والحمق لا يجري على ترتيب فلا يجوز أن يقع به اتفاق

بين اثنين وقال بعض المتطببتن إنَّ العشق طمع يتولد في القلب وتجتمع إليه مواد من الحرص مكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدَّة القلق وكثرة الشَّهوة وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء ومن طغيان السوداء فساد الفكر

ومع فساد الفكر تكون العدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون وتمنِّي ما لا يتمُّ حتَّى يؤدي ذلك إلى الجنون فحينئذ ربَّما قتل العاشق نفسه وربَّما مات غمّاً وربَّما نظر إلى معشوقه فيموت فرحاً أو أسفاً وربَّما شهق شهقة فتختفي فيها روحه أربعاً وعشرين ساعة

فيظنون أنَّه قد مات فيقبرونه وهو حيٌّ وربَّما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه وينضمُّ عليها القلب فلا ينفرج حتَّى يموت وربَّما ارتاح وتشوَّق للنَّظر أو رأى من يحبُّ فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة وأنت ترى العاشق إذا سمع بذكر من يحبُّ كيف

يهرب ويستحيل لونه وإن كان الأمر يجري على ما ذكر فإنَّ زوال المكروه عمَّن هذه حاله لا سبيل إليه بتدبير الآدميين ولا شفاء له إلاَّ بلطف يقع له من رب العالمين وذلك أن المكروه العارض من سبب قائم منفرد بنفسه يتهيَّأ التَّلطُّف في إزالته بإزالة

سببه فإذا وقع الشَّيئان وكل واحد منهما علَّة لصاحبه لم يكن إلى زوال واحدة منهما سبيل فإذا كانت السوداء سبباً لاتصال الفكر وكان اتصال الفكر سبباً لاحتراق الدم والصفراء وقلبها إلى تقوية السوداء كلما قويت قوَّت الفكر والفكر كلما قوي قوَّى السوداء وهذا هو الداء

الَّذي يعجز عن معالجته الأطبَّاء وقد زعم بعض المتصوفين أن الله جل ثناؤه إنَّما امتحن النَّاس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه وليشق عليهم سخطه ويسرَّهم رضاؤه فيستدلّ بذلك على قدر طاعة الله عزَّ وجلّ إذ كان لا مثل له ولا نظير وهو خالقهم غير

محتاج إليهم ورازقهم مبتدئاً غير ممتنٍّ عليهم فإن أوجبوا على أنفسهم طاعة من سواه كان هو تعالى أحرى بأن يتَّبع رضاه والكلام في اعتبار ما حكيناه والإخبار عن جميعه بما يرضاه يكثر وربَّما استغني بالحكايات عن التَّصريح بالاختبارات ونحن إن شاء الله نذكر بعقب هذا

الباب مبلغ الهوَى من قلوب ذوي الألباب ونصف مراتبه وتصرفه وازدياده وتمكنَّه ونخبَّر باقتداره على المقتدرين واستظهاره على المستظهرين وتلاعبه بقلوب المتفلسفين وتمالكه على خواطر المستسلمين.

الباب الثاني العقل عند الهوى أسير والشوق عليهما أمير

الباب الثاني العقل عند الهوَى أسيرٌ والشَّوق عليهما أميرٌ

قال جالينوس العشق من فعل النفس وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد وفي الدماغ ثلاثة مساكن التَّخييل وهو في مقدم الرأس والفكر وهو في وسطه والذِّكر وهو في مؤخره وليس يكمل لأحدٍ اسم عاشق إلاَّ حتَّى إذا فارق من يعشقه لم يخلُ من تخييله وفكره

وذكره وقلبه وكبده فيمتنع عن الطعام والشراب باشتغال الكبد ومن النوم باشتغال الدماغ والتَّخييل والذِّكر له والفكر فيه فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقاً فإذا لقيه خلت هذه المساكن ولعمري لقد أحسن فيما وصف واحتجَّ

لما قال فانتصف غير أَنه ذكر حال العشق وحده وترك ذكر أحوال ما قبله وأحوال ما بعده وذلك أنَّ الأحوال الَّتي تتولد عن السماع والنظر مختلفة في باب العظم والصِّغر ولها مراتب فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان ثمَّ يقوى فيصير مودَّة والمودَّة سبب

الإرادة فمن ودَّ إنساناً ودَّ أن يكون له خلاًّ ومن ودَّ غرضاً ودَّ أن يكون له مُلكاً ثمَّ تقوى المودَّة فتصير محبَّة والمحبَّة سبباً للطاعة.

وفي ذلك يقول محمد الوراق:

تعصِي الإلهَ وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ

هذا محالٌ في القياسِ بديعُ

لو كانَ حبُّكَ صادقاً لأَطعتَهُ

إنَّ المحبَّ لمنْ أحبَّ مُطيعُ

ثمَّ تقوى المحبَّة فتصير خُلَّة والخلَّة بين الآدميين أن تكون محبَّة أحدهما قد تمكَّنت من صاحبه حتَّى أسقطت السرائر بينه وبينه فصار متخلِّلاً لسرائره ومطَّلعاً على ضمائره.

وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر:

فلا تهجرْ أخاكَ بغيرِ ذنبٍ

فإنَّ الهجرَ مفتاحُ السُّلوِّ

إذا كتمَ الخليلُ أخاهُ سرّاً

فما فضلُ الصَّديقِ علَى العدوِّ

ويقال إنَّ الخلَّة بين الآدميين مأخوذة من تخلُّل المودَّة بين اللَّحم والعظم واختلاطهما بالمخ والدم وهذا المعنى غير مخالف للأول بل هو أوضح سبب له لأن من حلَّ من النفس هذا المحل لم يستبدَّ عنه بأمر ولم يستظهر عليه بسرّ.

وقد أنشدنا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا النحو:

تغلغلَ حبُّ عَثمةَ في فؤادِي

فباديهِ معَ الخافِي يسيرُ

تغلغلَ حيثُ لمْ يبلغْ شرابٌ

ولا حزنٌ ولمْ يبلغْ سرورُ

ثمَّ تقوى الخلَّة فتوجب الهوَى والهوَى اسم لانحطاط المحب في مَحابِّ المحبوب وفي التوصُّل إليه بغير تمالك ولا ترتيب.

أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:

وإنَّ امرءاً يهوِي إليكِ ودونهُ

منَ الأرضِ مَوْماةٌ وبيداءُ خَيْفقُ

لمحقوقةٌ أنْ تستجيبي لصوتهِ

وإنْ تعلَمِي إنَّ المعينَ موفَّقُ

ثمَّ تقوى الحال فيصير عشقاً والعاشق يمنعه من سرعة الانحطاط في هوى معشوقه إشفاقه عليه وضنُّه به حتَّى أنَّ إبقاءه عليه ليدعوه إلى مخالفته وترك الإقبال عليه فمن النَّاس من يتوهَّم لهذه العلَّة أنَّ الهوَى أتمُّ من العشق وليس الأمر كذلك ثمَّ يزداد العشق فيصير

تتْيِيماً وهو أن تصير حال المعشوق مستوفية للعاشق فلا يكون فيه معها فضل لغيرها ولا يزيد بقياسه شيئاً إلاَّ وجدته متكاملاً فيها.

وفي مثل هذا المعنى يقول أبو الشيص:

وقفَ الهوَى بِي حيثُ أنتِ فليسَ لِي

مُتأخَّرٌ عنهُ ولا مُتقدَّمُ

أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً

حبّاً لذكركِ فليلُمْنِي اللُّوَّمُ

أشبهتِ أعدائِي فصرتُ أُحبُّهمْ

إذ كانَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ

وأَهنتِنِي فأهنتُ نفسِي جاهداً

ما مَنْ يهونُ عليكِ ممَّنْ أُكرمُ

ولو لم يقل أبو الشيص في عمره بل لو لم يقل أحد من أهل عصره غير هذه الأربعةِ الأبيات لكانوا مقصرين وإذا كانت كل خواطر العشَّاق فيما يتمنَّاه واقعة ممَّن يهواه على الأمر الَّذي يرضاه فهذه في المشاكلة الطبيعية الَّتي لا يفنيها مرُّ الزَّمان ولا

تزول إلاَّ بزوال الإنسان وإذا صحَّ هذا المذهب لم يعجب من أن يميل الإنسان إلى الإنسان بخلَّة أوْ خلَّتين فإذا زالت العلَّة زال الهوَى فلا يزال المرابط متنقِّلاً إلى أن يصادف من يجتمع فيه هواه فحينئذ يرضاه فلا ينعطف عنه إلى أحد سواه.

ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى:

أيا زاعماً أنِّي لهُ غيرُ خالصِ

وأنِّي موقوفٌ علَى كلِّ قانصِ

كمَا أنتَ فانظرْ في وفائكَ خالصاً

تراهُ لمنْ يهواكَ أمْ غيرَ خالصِ

فحينئذٍ فارجعْ بما تستحقُّهُ

عليَّ وطالبني إذاً بالنَّقائصِ

سأعرضُ نفسِي يمنةً وشآمةٌ

علَى كلِّ ثاوٍ في البلادِ شاخصِ

إلى أن أرَى شكلاً يصونُ مودَّتِي

فحينئذٍ أغلُو علَى كلِّ غائصِ

أمثلِي يخونُ العهدَ عنْ غيرِ حادثٍ

رمانِي إذاً ربي بحتفٍ مُغافصِ

ثمَّ يزداد التَّتييم فيصير ولهاً والوله هو الخروج عن حدود الترتيب والتَّعطُّل عن أحوال التَّمييز حتَّى تراه يطلب ما لا يرضاه ويتمنَّى ما لا يهواه ثمَّ لا يحتذي مع ذلك مثالاً ولا يستوطن حالاً.

وقد قال حبيب بن أوس الطائي في نحو هذا:

ولَّهَتهُ العُلى فليسَ يعدُّ ال

بؤسَ بؤساً ولا النَّعيمَ نعيماً

والشَّوق تابع لكلِّ واحدة من هذه الأحوال والمستحسن يشتاق إلى ما يستحسنه على قدر محلِّه من نفسه ثمَّ كلَّما قويت الحال قوي معها الاشتياق فالحبّ وما أشبهه يتهيَّأ كتمانه فإذا بلغت الاشتياق بطل الكتمان.

وفي مثل ذلك يقول يزيد بن الطثرية:

أعِيبُ الَّذي أهوَى وأُطرِي جوارياً

يرينَ لها فضلاً عليهنَّ بيِّنا

برغمِي أُطيلُ الصَّدَّ عنها إذا بدتْ

أُحاذرُ أسماعاً عليها وأعيُنا

فدْ غضبتْ أنْ قلتُ أنْ ليس حاجتِي

إليها وقالتْ لمْ يُردْ أنْ يحبَّنا

وهلْ كنتُ إلاَّ مُعمَداً قانطَ الهوَى

أسرَّ فلمَّا قادهُ الشَّوقُ أعلَنا

أتانِي هواها قبلَ أنْ أعرفَ الهوَى

فصادفَ قلبِي خالياً فتمكَّنا