له، فلما خضر الخصم الثاني عاد إلى الأول وقضى عليه. ثم نظرت في الذي أكابده من احتمال النسك وضيقه؛ فقلت: ما أصغر هذه المشقة في جانب روح الأبد وراحته. ثم نظرت فيما تشره إليه النفس من لذة الدنيا، فقلت: ما أمر هذا وأوجعه، وهو يدفع إلى عذاب الأبد وأهواله! وكيف لا يستحلي الرجل مرارةً قليلةً تعقبها حلاوةٌ طويلةٌ؟ وكيف لا تمر عليه حلاوةٌ قليلةٌ تعقبها مرارةٌ دائمةٌ؟ وقلت: لو أن رجلاً عرض عليه أن يعيش مائة سنةٍ، لا يأتي عليه يومٌ واحدٌ إلا بضع منه
بضعةٌ ؛ ثم أعيد عليه من الغد؛ غير أنه يشرط له، أنه إذا استوفى السنين المائة، نجا من كل ألم وأذى، وصار إلى الأمن والسرور، كان حقيقاً ألا يرى تلك السنين شيئاً.
وكيف يأبى الصبر على أيام قلائل يعيشها في النسك، وأذى تلك الأيام قليلٌ يعقب خيراً كثيراً؟ فلنعلم أن الدنيا كلها بلاءٌ وعذابٌ. أوليس الإنسان إنما يتقلب في عذاب الدنيا من حين يكون جنيناً إلى أن يستوفي أيام حياته؟ فإذا كان طفلاً ذاق من العذاب ألواناً: إن جاع فليس به استطعامٌ، أو عطش فليس به استسقاءٌ، أو وجع فليس به استغاثةٌ؛ مع ما يلقى من الوضع والحمل واللف والدهن والمسح؛ إن أنيم على ظهره لم يستطع تقلباً؛ ثم يلقى أصناف العذاب مادام رضيعاً، فإذا أفلت من
هذا الرضاع، أخذ في عذاب الأدب، فأذيق من ألواناً: من عنف المعلم، وضجر الدرس، وسآمة الكتابة؛ ثم له من الدواء والحمية والأسقام والأوجاع أوفى حظٍ. فإذا أدرك كانت همته في جمع المال وتربية الولد ومخاطرة الطلب والسعي والكد والتعب. وهو مع ذلك يتقلب مع أعدائه الباطنية اللازمة له: وهي الصفراء والسوداء والريح والبلغم والدم والسم المميت والحية اللاذعة؛ مع الخوف من السباع والهوام؛ مع صرف الحر والبرد والمطر والرياح؛ ثم أنواع عذاب الهرم لمن يبلغه. فلو لم يخف من هذه الأمور شيئاً، وكان قد أمن
ووثق بالسلامة منها فلم يفكر فيها، لوجب عليه أن يعتبر بالساعة التي يحضره فيها الموت، فيفارق الدنيا؛ ويتذكر ما هو نازل به في تلك الساعة: من فراق الأحبة والأهل والأقارب وكل منونٍ به من الدنيا، والإشراف على الهول العظيم بعد الموت. فلو لم يفعل ذلك، لكان حقيقاً أن يعد عاجزاً مفرطاً محباً للدناءة مستحقاً للوم؛ فمن ذا الذي يعلم ولا يحتال لغد جهده في الحيلة، ويرفض ما يشغله ويلهيه من شهوات الدنيا وغرورها؟ و لاسيما في هذا الزمان الشبيه بالصافي وهو كدرٌ فإنه وإن كان
الملك حازماً عظيم المقدرة، رفيع الهمة بليغ الفحص، عدلاً مرجواً صدوقاً شكوراً، رحب الذراع مفتقداً مواظباً مستمراً عالماً بالناس والأمور، محباً للعلم والخير والأخيار، شديداً على الظلمة، غير جبانٍ و خفيف القياد، رفيقاً بالتوسع على الرعية فيما يحبون، والدفع لما يكرهون؛ فإنا قد نرى الزمان مدبراً بكل مكانٍ، فكأن أمور الصدق قد نزعت من الناس، فأصبح ما كان عزيزاً فقده مفقوداً، وموجوداً ما كان ضائراً وجوده. وكأن الخير أصبح ذابلاً والشر أصبح ناضراً. وكأن الفهم أصبح قد زالت سبله. وكأن الحق ولى كسيراً وأقبل الباطل
تابعه. وكأن اتباع الهوى وإضاعة الحكم أصبح بالحكام موكلاً؛ وأصبح المظلوم بالحيف مقراً والظالم لنفسه مستطيلاً. وكأن الحرص أصبح فاغراً فاه من كل وجهةٍ يتلقف ما قرب منه وما بعد. وكأن الرضا أصبح مجهولاً. وكأن الأشرار يقصدون السماء صعوداً. وكأن الأخيار يريدون بطن الأرض؛ وأصبحت الدناءة مكرمةٌ ممكنةٌ؛ وأصبح السلطان منتقلاً عن أهل الفضل إلى أهل النقص. وكأن الدنيا جذلة مسرورةٌ تقول: قد غيبت الخيرات وأظهرت السيئات. فلما فكرت في الدنيا وأمورها؛ وأن الإنسان هو أشرف الخلق فيها وأفضله؛ ثم هو لا يتقلب إلا في
الشرور والهموم، عرفت أنه ليس إنسانٌ ذو عقلٍ يعلم ذلك ثم لا يحتال لنفسه في النجاة؛ فعجبت من ذلك كل العجب. ثم نظرت فإذا الإنسان لا يمنعه عن الاحتيال لنفسه إلا لذةٌ صغيرةٌ حقيرةٌ غير كبيرةٍ من الشم والذوق والنظر والسمع واللمس: فعله يصيب منها الطفيف أو يقتني منها اليسير؛ فإذا ذلك يشغله ويذهب به عن الاهتمام لنفسه وطلب النجاة لها.
فالتمست للإنسان مثلاً، فإذا مثله مثل رجلٍ نجا من خوف فيلٍ هائجٍ إلى بئرٍ، فتدلى فيها، وتعلق بغصنين كانا على سمائها، فوقعت رجلاه على شيءٍ في طي البئر. فإذا حياتٌ أربع قد أخرجن رءوسهن من أحجارهن، ثم نظر فإذا في قاع البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه؛ فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام لنفسه، إذا أبصر قريباً منه كوارةً فيها عسل نحلٍ؛ فذاق العسل، فشغلته حلاوته وألهته
لذته عن الفكرة في شيءٍ من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه؛ ولم يذكر أن رجليه على حياتٍ أربعٍ لا يدري متى يقع عليهن؛ ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنين. فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفاتٍ وشروراً، ومخافاتٍ وعاهاتٍ؛ وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط الأربعة التي في البدن: فإنها متى هاجت أو أحدها كانت كحمة الأفاعي والسم المميت؛ وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما دائبان في
إفناء الأجل؛ وشبهت بالتنين المصير الذي لا بد منه؛ وشبهت بالعسل هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيطعم ويسمع ويشم ويلمس، ويتشاغل عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويصد عن سبيل قصده. فحينئذٍ صار أمري إلى الرضا بحالي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي: لعلي أصادف باقي أيامي زماناً أصيب فيه دليلاً على هداي، وسلطاناً على نفسي، وقواماً لأمري، فأقمت على هذه الحال وانتسخت كتباً كثيرةً؛ وانصرفت من بلاد الهند، وقد نسخت هذا الكتاب.
NewPP limit report Parsed by mw‐api‐ext.codfw.canary‐75988fc644‐df2dd Cached time: 20260913184919 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.041 seconds Real time usage: 0.053 seconds Preprocessor visited node count: 26/1000000 Revision size: 26329/2097152 bytes Post‐expand include size: 2568/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 1176/5000000 bytes Lua time usage: 0.015/10.000 seconds Lua memory usage: 1346734/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 44.652 1 قالب:ترويسة 100.00% 44.652 1 -total
Render ID d39ceb35-afa3-11f1-b878-45777ebab4f2
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:6388:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260913184919 and revision id 141243. Rendering was triggered because: api-parse