بالكتب والعلم والأدب والنظر في أخبار الأوائل ويقع له خبر الكتاب؛ فلم يقر قراره حتى بعث بروزيه الطبيب وتلطف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقره في خزائن فارس.اف أن يخرج من بلاد الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا به؛ فالملك يأمر ألا يخرج من بيت الحكمة. ثم دعا الملك بتلاميذه وأحسن لهم الجوائز. ثم إنه لما ملك كسرى أنوشروان وكان مستأثراً بالكتب والعلم والأدب والنظر في أخبار الأوائل ويقع له خبر الكتاب؛ فلم يقر قراره حتى بعث بروزيه الطبيب وتلطف حتى أخرجه من بلاد الهند
فأقره في خزائن فارس.
NewPP limit report Parsed by mw‐api‐ext.codfw.main‐5fb46c89b‐c856d Cached time: 20260913184915 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.042 seconds Real time usage: 0.054 seconds Preprocessor visited node count: 26/1000000 Revision size: 51722/2097152 bytes Post‐expand include size: 1994/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 1176/5000000 bytes Lua time usage: 0.014/10.000 seconds Lua memory usage: 1343182/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 43.494 1 قالب:ترويسة 100.00% 43.494 1 -total
Render ID d13a9a9a-afa3-11f1-8f45-ab2ef4a75c52
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:6385:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260913184915 and revision id 488570. Rendering was triggered because: api-parse
باب بعثة برزويه إلى بلاد الهند
باب بعثة برزويه إلى بلاد الهند
وكذلك طالب الآخرة مجتهد في العمل المنجي به روحه لا يقدر على إتمام عمله وإكماله إلا بالعقل الذي هو سبب كل خير ومفتاح كل سعادةٍ. فليس لأحد غنى عن العقل. والعقل مكتسب بالتجارب والأدب. وله غريزةٌ مكنونةٌ في الإنسان كامنةٌ كالنار في الحجر لا تظهر ولا يرى ضوءها حتى يقدحها قادحٌ من الناس ؛ فإذا قدحت ظهرت طبيعتها. وكذلك العقل كامن في الإنسان لا يظهر حتى يظهره الأدب وتقويه التجارب. ومن رزق العقل ومن به عليه وأعين على صدق قريحته بالأدب حرص على طلب سعد
جده، وأدرك في الدنيا أمله، وحاز في الآخرة ثواب الصالحين. وقد رزق الله الملك السعيد أنوشروان من العقل أفضله، ومن العلم أجزله؛ ومن المعرفة بالأمور أصوبها، ومن الأفعال أسدها، ومن البحث عن الأصول والفرع أنفعه ؛ وبلغه من فنون اختلاف العلم، وبلوغ منزلة الفلسفة، ما لم يبلغه ملكٌ قط من الملوك قبله ؛ حتى كان فيما طلب وبحث عنه من العلم أن بلغه عن كتاب بالهند، علم أنه أصل كل أدب ورأس كل علمٍ، والدليل على منفعةٍ، ومفتاح عمل الآخرة وعلمها، ومرعبة النجاة من هولها
؛ فأمر الملك وزيره بزرجمهر أن يبحث له عن رجل أديبٍ عاقل من أهل مملكته، بصير بلسان الفارسية، ماهر في كلام الهند ؛ ويكون بليغاً باللسانين جميعاً، حريصاً على طلب العلم مجتهداً في استعمال الأدب، مبادراً في طلب العلم، والبحث عن كتب الفلسفة. فأتاه برجلٍ أديب كامل العقل والأدب، معرفٍ بصناعة الطب، ماهر في الفارسية والهندية يقال له بروزيه ؛ فلما دخل عليه كفر وسجد بين يديه. فقال له الملك : يا بروزيه، إن قد اخترتك لما بلغني من فضلك وعلمك وعقلك، وحرصك على طلب
العلم حيث كان. وقد بلغني عن كتاب بالهند مخزون في خزائنهم، وقص عليه ما بلغه عنه. وقال له : تجهز فإني مرحلك إلى أرض الهند ؛ فتلطف بعقلك وحسن أدبك وناقد رأيك، لاستخراج هذا الكتاب من خزائنهم ومن قبل علمائهم ؛ فتستفيد بذلك وتفيدنا. وما قدرت عليه من كتب الهند مما ليس في خزائننا منه شيءٌ فأحمله معك ؛ وخذ معك من المال ما تحتاج إليه، وعجل ذلك، ولا تقصر في طلب العلوم وإن أكثرت فيه النفقة، فإن جميع ما في خزائني مبذول لك في
طلب العلوم. وأمر بإحضار المنجمين ؛ فاختاروا له يوماً يسير فيه، وساعة صالحةً يخرج فيها. وحمل معه من المال عشرين جراباً ؛ كل جرابٍ فيه عشرة آلاف دينار. فلما قدم بروزيه بلاد الهند طاف بباب الملك ومجالس السوقة ، وسأل عن خواص الملك والأشراف والعلماء والفلاسفة ؛ فجعل يغشاهم في منازلهم، ويتلقاهم بالتحية، ويخبرهم بأنه رجل غريب قدم بلادهم لطلب العلوم والأدب، وأنه محتاج إلى معاونتهم في ذلك. فلم يزل كذلك زماناً طويلاً يتأدب عن علماء الهند يما هو عالم بجميعه ؛ وكأنه لا يعلم
منه شيئاً ؛ وهو فيما بين ذلك يستر بغيته وحاجته. واتخذ في تلك الحالة لطول مقامه أصدقاء كثيرةٌ من الأشراف والعلماء والفلاسفة والسوقة ومن أهل كل طبقة وصناعةٍ ؛ وكان قد اتخذ من بين أصدقائه رجلاً واحداً قد اتخذه لسره وما يحب مشاورته فيه ؛ للذي ظهر له من فضله وأدبه، واستبان له من صحة إخائه ؛ وكان يشاوره في الأمور، ويرتاح إليه في جميع ما أهمه. إلا أنه كان يكتم منه الأمر الذي قدم من أجله لكي يبلوه ويخبره، وينظر هل هو أهل أن
يطلعه على سره. فقال له يوماً وهما جالسان : يا أخي ما أريد أن أكتمك من أمري فوق الذي كتمتك. فاعلم أنني لأمرٍ قدمت، وهو غير الذي يظهر مني ؛ والعاقل يكتفي من الرجل بالعلامات من نظره، حتى يعلم سر نفسه وما يضمره قلبه. قال له الهندي : إني وإن لم أكن بدأتك وأخبرتك بما جئت له، وإياه تريد ؛ وأنك تكتم أمراً تطلبه، وتظهر غيره ؛ ما خفي علي ذلك منك. ولكني لرغبتي في إخائك، كرهت أن أواجهك به. وإنه قد استبان ما تخفيه
مني. فأما إذ قد أظهرت ذلك، وأفصحت به وبالكلام فيه، فإني مخبرك عن نفسك، ومظهر لك سريرتك، ومعلمك بحالك التي قدمت لها ؛ فإنك قدمت بلادنا لتسلبنا كنوزنا النفيسة، فتذهب بها إلى بلادك، وتسر بها ملكك. وكان قدومك بالمكر والخديعة. ولكني لما رأيت صبرك، ومواظبتك على طلب حاجتك، والتحفظ من أن يسقط منك الكلام، مع طول مكثك عندنا، بشيءٍ يستدل به على سريرتك وأمورك، ازددت رغبةً في إخائك، وثقة بعقلك، فأحببت مودتك. فإني لم أر في الرجال رجلاً هو أرصن منك عقلاً، ولا أحسن أدباً،
ولا أصبر على طلب العلم ولا أكتم لسره منك ؛ ولا سيما في بلاد الغربة، ومملكة غير مملكتك، عند قومٍ لا تعرف سنتهم. وإن عقل الرجل ليبين في ثماني خصال : الأولى الرفق، والثانية أن يعرف الرجل نفسه فيحفظها، والثالثة طاعة الملوك، والتحري لما يرضيهم. والرابعة معرفة الرجل موضع سره، وكيف ينبغي أن يطلع عليه صديقه، والخامسة أن يكون على أبواب الملوك أديباً ملق اللسان . والسادسة أن يكون لسره وسر غيره حافظاً. والسابعة أن يكون على لسانه قادراً، فلا يتكلم إلا بما يأمن تبعته.
والثامنة إن كان بالمحفل لا يتكلم إلا بما يسأل عنه. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال كان هو الداعي الخير إلى نفسه. وهذه الخصال كلها قد اجتمعت فيك، وبانت لي منك. فالله تعالى يحفظك، ويعينك على ما قدمت له ؛ فمصادقتك إياي، وإن كانت لتسلبني كنزي وفخري وعلمي، تجعلك أهلاً لأن تسعف بحاجتك، وتشفع بطلبتك ، وتعطي سؤلك. فقال له بروزيه : إني كنت هيأت كلاماً كثيراً، وشعبت له شعوباً ؛ وأنشأت له أصولاً وطرقاً ؛ فلما انتهيت إلى ما بدأتني به من إطلاعك على أمري
والذي قدمت له، وألقيته علي من ذات نفسك، ورغبتك فيما ألقيت من القول، اكتفيت باليسير من الخطاب معك، وعرفت الكبير من أموري بالصغير من الكلام، واقتصرت به معك على الإيجاز. ورأيت من إسعافك إياي بحاجتي ما دلني على كرمك وحسن وفائك : فإن الكلام إذا ألقي إلى الفيلسوف، والسر إذا استودع إلى اللبيب الحافظ، فقد حصن وبلغ به نهاية أمل صاحبه، كما يحصن الشيء النفيس في القلاع الحصينة. قال له الهندي : لا شيء أفضل من المودة. ومن خلصت مودته كان أهلاً أن يخلطه الرجل
بنفسه، ولا يدخر عنه شيئاً، ولا يكتمه سراً : فإن حفظ السر رأس الأدب. فإذا كان السر عند الأمين الكتوم فقد احترز من التضييع؛ مع أنه خليق ألا يتكلم به ؛ ولا يتم سرٌ بين اثنين قد علماه وتفاوضاه. فإذا تكلم بالسر اثنان فلا بد من ثالث من جهة أحدهما ؛ فإذا صار إلى الثلاثة فقد شاع وذاع، حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده ويكابر عنه ؛ كالغيم إذا كان متقطعاً في السماء فقال قائل : هذا غيمٌ متقطعٌ، لا يقدر أحدٌ على تكذيبه. وأنا
قد يداخلني من مودتك وخلطتك سرورٌ لا يدله شيءٌ. وهذا الأمر الذي تطلبه مني أعلم أنه من الأسرار التي لا تكتم ؛ فلا بد أن يفشو ويظهر، حتى يتحدث به الناس. فإذا فشا فقد سعيت في هلاكي هلاكاً لا أقدر على الفداء منه بالمال وإن كثر : لأن ملكنا فظٌ غليظُ، يعاقب على الذنب الصغير أشد العقاب ؛ فكيف مثل هذا الذنب العظيم ؟ وإذا حملتني المودة التي بين وبينك فأسعفتك بحاجتك لم يرد عقابه عني شيءٌ. قال بروزيه : إن العلماء قد مدحت الصديق
إذا كتم سر صديقه وأعانه على الفوز. وهذا الأمر الذي قدمت له، لمثلك ذخرته، وبك أرجو بلوغه؛ وأنا واثقٌ بكرم طباعك ووفور عقلك، وأعلم أنك لا تخشى مني ولا تخاف أن أبديه ؛ بل تخشى أهل بيتك الطائفين بك وبالملك أن يسعوا بك إليه. وأنا أرجو ألا يشيع شيءٌ من هذا الأمر : لأني أنا ظاعنٌ وأنت مقيمٌ، وما أقمت فلا ثالث بيننا. فتعاهدا على هذا جميعاً. وكان الهندي خازن الملك، وبيده مفاتيح خزائنه. فأجابه إلى ذلك الكتاب وعلى غيره من الكتب. فأكب على تفسيره
ونقله من اللسان الهندي إلى اللسان الفارسي ؛ وأتعب نفسه، وانسب بدنه ليلاً ونهاراً. وهو مع ذلك وجلٌ وفزعٌ من ملك الهند ؛ خائفٌ على نفسه من أن يذكر الملك الكتاب في وقتٍ لا يصادفه في خزائنه. فلما فرغ من انتساخ الكتاب وغيره مما أراد من سائر الكتب. كتب إلى أنوشروان يعلمه بذلك. فلما وصل إليه الكتاب، سر بذلك سروراً شديداً، ثم تخوف معاجلة المقادير أن تنغص عليه الفرحة ؛ فكتب إلى بروزيه يأمره بتعجيل القدوم. فسار بروزيه متوجهاً نحو كسرى. فلما رأى الملك ا
قد مسه من الشحوب والتعب والنصب، قال له : أيها العبد الناصح الذي كان يأكل ثمرة ما قد غرس، أبشر وقر عيناً : فإني مشرفك وبالغٌ بك أفضل درجةٍ. وأمره أن يريح بدنه سبعة أيام. فلما كان اليوم الثامن، أمر الملك أن يجتمع إليه الأمراء والعلماء. فلما اجتمعوا، أمر بروزيه بالحضور. فحضر ومعه الكتب ؛ ففتحها وقرأها على من حضر من أهل المملكة. فلما سمعوا ما فيها من العلم فرحواً فرحاً شديداً ؛ وشكروا لله على ما رزقهم، ومدحوا بروزيه وأثنوا عليه ؛ وأمر الملك
أن تفتح لبروزيه خزائن اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة ؛ وأمره أن يأخذ من الخزائن ما شاء من مالٍ أو كسوةٍ ؛ وقال : يا بروزيه إني قد أمرت أن تجلس على مثل سريري هذا، وتلبس تاجاً، وتترأس على جميع الأشراف. فسجد بروزيه للملك ودعا له وطلب من الله وقال : أكرم الله تعالى الملك كرامة الدنيا والآخرة، وأحسن عني ثوابه وجزاءه ؛ فإني بحمد الله مستغنٍ عن المال بما رزقني الله على يد الملك السعيد الجد، العظيم الملك ؛ ولا حاجة لي بالمال ؛
لكن لما كلفني الملك ذلك وعلمت أنه يسره، أنا أمضي إلى الخزائن فآخذ منها طلباً لمرضاته وامتثالاً لأمره. ثم قصد خزانة الثياب فأخذ منها تختاً من طرائف خراسان من ملابس الملوك. فلما قبض بروزيه ما اختاره ورضيه من الثياب فال : أكرم الله تعالى الملك ومد في عمره أبداً. لابد أن الإنسان إذا أكرم وجب عليه الشكر ؛ وإن كان قد استوجبه تعباً ومشقةً فقد كان فيهما رضا الملك. وأما أنا فما لقيته من عناءٍ وتعبٍ ومشقةٍ، لما أعلم أن لكم فيه الشرف يأهل هذا
البيت ! فإن لم أزل إلى هذا اليوم تابعاً رضاكم، أرى العسير فيه يسيراً. والشاق هيناً، والنصب والأذى سروراً ولذةً : لما أعلم أن لكم فيه رضاً وقربة عندكم. ولكني أسألك أيها الملك حاجة تسعفني بها، وتعطيني فيها سؤلي : فإن حاجتي يسيرةٌ، وفي قضائها فائدةٌ كثيرةٌ. قال أنوشروان : قل فكل حاجةٍ لك من قبلنا مقضيةٌ، ولم نرد طلبتك ؛ فكيف ما سوى ذلك ؟ فقل ولا تحتشم ؛ فإن الأمور كلها مبذولة لك. قال بروزيه : أيها الملك لا تنظر إلى عنائي في