ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 30

كليلة ودمنة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 301,727 كلمة في هذا الجزء

رضاك وانكماشي في طاعتك ؛ فإنما أنا عبدك يلزمني بذل مهجتي في رضاك ؛ ولو لم تجزني لم يكن ذلك عندي عظيماً ولا واجباً على الملك ؛ ولكن لكرمه وشرف منصبه عمد إلى مجازاتي ؛ وخصني وأهل بيتي بعلو المرتبة ورفع الدرجة ؛ حتى لو قدر أن يجمع لنا بين شرف الدنيا والآخرة لفعل. فجزاه الله عنا أفضل الجزاء.

قال أنوشروان : أذكر حاجتك، فعلى ما يسرك. فقال بروزيه: حاجتي أن يأمر الملك، أعلاه الله تعالى، وزيره بزرجمهر بن البختكان ؛ ويقسم عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد طاقته، ويفرغ قلبه في نظم تأليف كلامٍ متقنٍ محكمٍ ؛ ويجعله باباً يذكر فيه أمري ويصف حالي ؛ ولا يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه. ويأمره إذا استتمه أن يجعله أول الأبواب التي تقرأ قبل باب الأسد والثور : فإن الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي وبأهلي غاية الشرف وأعلى المراتب

؛ وأبقى لنا ما لا يزال ذكره باقياً على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب. فلما سمع كسرى أنوشروان والعظماء مقالته وما سمت إليه نفسه من محبة إبقاء الذكر استحسنوا طلبته واختياره، وقال كسرى : حباً وكرامةً لك يا بروزيه، إنك لأهل أن تسعف بحاجتك ؛ فما أقل ما قنعت به وأيسره عندنا ! وإن كان خطره عندك عظيماً. ثم أقبل أنوشروان على وزيره بزرجمهر فقال له : قد عرفت مناصحة بروزيه لنا، وتجشمه المخاوف والمهالك فيما يقربه منا، وإتعابه بدنه فيما يسرنا، وما أتى به

إلينا من المعروف، وما أفادنا الله على يده من الحكمة والأدب الباقي لنا فخره، وما عرضنا عليه من خزائننا لنجزيه بذلك على ما كان منه، فلم تمل نفسه إلى شيءٍ من ذلك ؛ وكان بغيته وطلبته منا أمراً يسيراً رآه هو الثواب منا له والكرامة الجليلة عنده ؛ فإني أحب أن تتكلم في ذلك وتسعفه بحاجته وطلبته. واعلم أن ذلك مما يسرني، ولا تدع شيئاً من الاجتهاد والمبالغة إلا بلغته، وإن نالتك فيه مشقة. وهو أن تكتب باباً مضارعاً لتلك الأبواب التي في الكتاب ؛

وتذكر فيه فضل بروزيه، وكيف كان ابتداء أمره وشأنه، وتنسبه إليه وإلى حسبه وصناعته، وتذكر فيه بعثته إلى بلاد الهند في حاجتنا ؛ وما أفدنا على يديه من هنالك ؛ وشرفنا به وفضلنا على غيرنا ؛ وكيف كان حال بروزيه وقدومه من بلاد الهند؛ فقل ما تقدر عليه من التقريظ والإطناب في مدحه، وبالغ في ذلك أفضل المبالغة واجتهد في ذلك اجتهاداً يسر بروزيه وأهل المملكة.

وإن بروزيه أهل لذلك مني ومن جميع أهل المملكة ومنك أيضاً : لمحبتك للعلوم. واجهد أن يكون غرض هذا الكتاب الذي ينسب إلى بروزيه أفضل من أغراض تلك الأبواب عند الخاص والعام، وأشد مشاكلةً لحال هذا العلم : فإنك أسعد الناس كلهم بذلك : لانفرادك بهذا الكتاب، واجعله أول الأبواب. فإذا أنت عملته ووضعته في موضعه فأعلمني لأجمع أهل المملكة وتقرأه عليهم، فيظهر فضلك واجتهادك في محبتنا ؛ فيكون لك بذلك فخر. فلما سمع بزرجمهر مقالة الملك خر له ساجداً، وقال : أدام الله لك

أيها الملك البقاء، وبلغك أفضل منازل الصالحين في الآخرة والأولى ؛ لقد شرفتني بذلك شرفاً باقياً إلى الأبد. ثم خرج بزرجمهر من عند الملك، فوصف بروزيه من أول يوم دفعه أبواه إلى المعلم، ومضيه إلى بلاد الهند في طلب العقاقير والأدوية ؛ وكيف تعلم خطوطهم ولغتهم ؛ إلى أن بعثه أنوشروان إلى الهند في طلب الكتاب. ولم يدع من فضائل بروزيه وحكمته وخلائقه ومذهبه أمراً إلا نسقه، وأتى به بأجود ما يكون من الشرح. ثم أعلم الملك بفراغه منه. فجمع أنوشروان أشراف قومه وأهل مملكته،

وأدخلهم إليه ؛ وأمر بزرجمهر بقراءة الكتاب، وبروزيه قائم إلى جانب بزرجمهر، وابتدأ بوصف بروزيه حتى انتهى إلى آخره. ففرح الملك بما أتى به بزرجمهر من الحكمة والعلم. ثم أثنى الملك وجميع من حضره على بزرجمهر، وشكروه ومدحوه ؛ وأمر الملك بمال جزيل وكسوةٍ وحليٍ وأوانٍ ؛ فلم يقبل من ذلك شيئاً غير كسوةٍ كانت من ثياب الملوك. ثم شكر له ذلك بروزيه وقبل رأسه ويده ؛ وأقبل بروزيه على الملك وقال: أدام الله لك الملك والسعادة فقد بلغت بي وبأهلي غاية الشرف بما أمرت

به بزرجمهر من صنعه الكتاب في أمري وإبقاء ذكري.

NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.main‐55798dc59f‐k6lgp Cached time: 20260913144312 Cache expiry: 2592000 Reduced expiry: false Complications: [] CPU time usage: 0.062 seconds Real time usage: 0.087 seconds Preprocessor visited node count: 26/1000000 Revision size: 21548/2097152 bytes Post‐expand include size: 2436/2097152 bytes Template argument size: 0/2097152 bytes Highest expansion depth: 3/100 Expensive parser function count: 0/500 Unstrip recursion depth: 0/20 Unstrip post‐expand size: 1176/5000000 bytes Lua time usage: 0.024/10.000 seconds Lua memory usage: 1346547/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded: 0/500

Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 76.015 1 قالب:ترويسة 100.00% 76.015 1 -total

Render ID 71cb9102-af81-11f1-8e4c-6f95b4bcd6e1

Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:6386:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260913144312 and revision id 245550. Rendering was triggered because: diff-page

باب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع

باب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع

هذا كتاب كليلة ودمنة، وهو مما وضعه علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا. ولم تزل العلماء من أهل كل ملة يلتمسون أن يعقل عنهم، ويحتالون في ذلك بصنوف الحيل ؛ ويبتغون إخراج ما عندهم من العلل، حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على أفواه البهائم والطير. فاجتمع لهم بذلك خلالٌ. أما هم فوجدوا متصرفاً في القول وشعاباً يأخذون منها. وأما الكتاب فجمع حكمةً ولهواً : فاختاره الحكماء لحكمته. والسفهاء للهوه،

والمتعلم من الأحداث ناشطٌ في حفظ ما صار إليه من أمر يربط في صدره ولا يدري ما هو، بل عرف أنه قد ظفر من ذلك بمكتوب مرقومٍ. وكان كالرجل الذي لما استكمل الرجولية وجد أبويه قد كنزا له كنوزاً وعقدا له عقوداً استغنى بها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته ؛ فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب.

وينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له ؛ وإلى أي غايةٍ جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصحٍ ؛ وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالاً : فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني، ولا أي ثمرة يجتني منها، ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب. وإنه وإن كان غايته استتمام قراءته إلى آخره دون معرفة ما يقرأ منه لم يعد عليه شيءٌ يرجع إليه نفعه. ومن استكثر

من جمع العلوم وقراءة الكتب ؛ من غير إعمال الروية فيما يقرؤه، كان خليقاً ألا يصيبه إلا ما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز، فظهر لو موضع آثار كنز ؛ فجعل يحفر ويطلب، فوقع على شيءٍ من عينٍ وورقٍ؛ فقال في نفسه: إن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلاً قليلاً طال علي، وقطعني الاشتغال بنقله وإحرازه عن اللذة بما أصبت منه ؛ ولكن سأستأجر أقواماً يحملونه إلى منزلي، وأكون أنا آخرهم، ولا يكون بقي ورائي شيءٌ يشغل فكري بنقله ؛ وأكون

قد استظهرت لنفسي في إراحة بدني عن الكد بيسير الأجرة أعطيهم إياها. ثم جاء بالحمالين، فجعل يحمل كل واحدٍ منهم ما يطيق، فينطلق به إلى منزله : فلم يجد فيه من المال شيئاً، لا قليلاً ولا كثيراً. وإذا كل واحدٍ من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه. ولك يكن له من ذلك إلا العناء والتعب : لأنه لم يفكر في آخر أمره. وكذلك من قرأ هذا الكتاب، ولم يفهم ما فيه، ولم يعلم غرضه ظاهراً وباطناً، لم ينتفع بما بدا له من خطه ونقشه ؛

كما لو أن رجلاً قدم له جوزٌ صحيحٌ لم ينتفع به إلا أن يكسره؛ وكان أيضاً كالرجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس ؛ فأتى صديقاً له من العلماء، له علمٌ بالفصاحة، فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح ؛ فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه ؛ فانصرف المتعلم إلى منزله ؛ فجعل يكثر قراءتها ولا يقف على معانيها. ثم إنه جلس ذات يومٍ في محفلٍ من أهل العلم والأدب، فأخذ في محاورتهم ؛ فجرت له كلمةٌ أخطأ فيها ؛ فقال له

بعض الجماعة : إنك قد أخطأت ؛ والوجه غير ما تكلمت به، فقال وكيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء ؛ وهي في منزلي فكانت مقالته لهم أوجب للحجة عليه وزاده ذلك قرباٌ من الجهل وبعداً من الأدب.

ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل بنا علم منه لينتفع به؛ ويجعله مثالاً لا يحيد عنه. فإذا لم يفعل ذلك، كان مثله كالرجل الذي زعموا أن سارقاً تسور عليه وهو نائم في منزله، فعلم به فقال : والله لأسكتن حتى أنظر ماذا يصنع، ولا أذعره ؛ ولا أعلمه أني قد علمت به. فإذا بلغ مراده قمت إليه، فنغصت ذلك عليه. ثم إنه أمسك عنه. وجعل السارق يتردد، وطال تردده في جمعه ما يجده ؛ فغلب الرجل

النعاس فنام، وفرغ اللص مما أراد، وأمكنه الذهاب. واستيقظ الرجل، فوجد اللص قد أخذ المتاع وفاز به. فأقبل على نفسه يلومها، وعرف أن لم ينتفع بعلمه باللص : إذ لم يستعمل في أمره ما يجب. فالعلم لا يتم إلا بالعمل، وهو كالشجرة والعمل به كالثمرة. وإنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به ؛ وإن لم يستعمل ما يعلم لا يسمى عالماً. ولو أن رجلاً كان عالماً بطريقٍ مخوفٍ، ثم سلكه على علمٍ به، سمي جاهلاً؛ ولعله إن حاسب نفسه وجدها قد ركبت أهواءً هجمت بها

فيما هو أعرف بضررها فيه وأذاها من ذلك السالك في الطريق المخوف الذي قد جهله. ومن ركب هواه ورفض ما ينبغي أن يعمل بما جربه هو أو أعلمه به غيره، كان كالمريض العالم برديء الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله، ثم يحمله الشره على أكل رديئه وترك ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته. وأقل الناس عذراً في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها من أبصر ذلك وميزه وعرف فضل بعضه على بعض كما أنه لو أن رجلين أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة

فوقعا فيها، كانا إذا صارا في قاعها بمنزلةٍ واحدةٍ ؛ غير أن البصير أقل عذراً عند الناس من الضرير : إذ كانت له عينان يبصر بهما، وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف.

وعلى العالم أن يبدأ بنفسه ويؤدبها بعلمه، ولا تكون غايته اقتناؤه العلم لمعاونة غيره، ويكون كالعين التي يشرب منها الناس ماءها وليس لها في ذلك شيءٌ من المنفعة، وكدودة القز التي تحكم صنعته ولا تنتفع به. فينبغي لمن يطلب العلم أن يبدأ بعظة نفسه، ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه ؛ فإن خلالاً ينبغي لصاحب الدنيا أن يقتنيها ويقبسها : منها العلم والمال. ومنها اتخاذ المعروف. وليس للعالم أن يعيب أمراً بشيءٍ فيه مثله، ويكون كالأعمى الذي يعير الأعمى بعماه. وينبغي لم طلب أمراً أن

يكون له فيه غايةٌ ونهايةُ، ويعمل بها، ويقف عندها؛ ولا يتمادى في الطلب ؛ فإنه يقال : من سار إلى غير غاية يوشك أن تنقطع به مطيته ؛ وأنه كان حقيقاً ألا يعني نفسه في طلب ما لا حد له، وما لم ينله أحد قبله، ولا يتأسف عليه ؛ ولا يكون لدنياه مؤثراً على أخرته : فإن من لم يعلق قلبه بالغايات قلت حسرته عند مفارقتها. وقد يقال في أمرين إنهما يجملان بكل أحدٍ : أحدهما النسك والآخر المال الحلال ولا يليق بالعاقل أن يؤنب