ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 26 من 30

كليلة ودمنة

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 26 من 301,722 كلمة في هذا الجزء

فلما كان بعد سبعة أيام جاءت البشائر بقدوم الرسل فخرج الملك فجلس على التخت، وأذن للأشراف، وجاءته الهدايا كما اخبره كباريون الحكيم. فلما رأى الملك ذلك اشتد عجبه وفرحه من علم كباريون. وقال: ما وفقت حين قصصت رؤياي على البراهمة فأمروني بما أمروني به. ولولا أن الله تعالى تداركني برحمته لكنت قد هلكت وأهلكت؛ وكذلك لا ينبغي لكل أحد أن يسمع إلا من الأخلاء ذوي العقول. وإن إيراخت أشارت بالخير فقلبته. ورأيت به النجاح. فضعوا الهدية بين يديها لتأخذ منها ما اختارت. ثم قال لإيلاذ:

خذ الإكليل واحملها واتبعني بها إلى مجلس النساء. ثم إن الملك دعا إيراخت وحورقناه أكرم نسائه بين يديه. فقال لإيلاذ: ضع الكسوة والإكليل بين يدي إيراخت لتأخذ أيها شاءت. فوضعت الهدايا بين يدي إيراخت. فأخذت منها الإكليل، وأخذت حورقناه كسوة من أفخر الثياب وأحسنها. وكان من عادة الملك أن يكون ليلة عند إيراخت وليلة عند حورقناه. وكان من سنة الملك أن تهيء له المرأة التي يكون عندها في ليلتها أرزاً بحلاوة فتطعمه إياه. فأتى الملك إيراخت في نوبتها. وقد صنعت له أرزاً. فدخلت عليه بالصّحفة

والإكليل على رأسها. فعلمت حورقناه بذلك فغارت من إيراخت. فلبست تلك الكسوة. ومرت بين يدي الملك وتلك الثياب تضيء عليها مع نور وجهها كما تضيء الشمس. فلما رآها الملك أعجبته. ثم التفت إلى إيراخت فقال: إنك جاهلة حين أخذت الإكليل وتركت الكسوة إلي ليس في خزائننا مثلها. فلما سمعت إيراخت مدح الملك لحورقناه وثناءه عليها وتجهيلها هي وذمّ رأيها أخذها من ذلك الغيرة والغيظ. فضربت بالصحفة رأس الملك. فسال الأرز على وجهه. فقام الملك من مكانه ودعا بإيلاذ. فقال له: ألا ترى، وأنا ملك العالم،

كيف حقرتني هذه الجاهلة، وفعلت بي ما ترى؟ فانطلق بها فاقتلها ولا ترحمها. فخرج إيلاذ من عند الملك وقال: لا أقتاها حتى يسكن عنه الغضب. فالمرأة عاقلة سديدة الرأي من الملكات إلي ليس لها عديل في النساء. وليس الملك بصابر عنها. وقد خلصته من الموت، وعملت أعمالاً صالحة. ورجاؤنا فيها عظيم. ولست آمنة أن يقول: لمَ لمْ تؤخر قتلها حتى تراجعني؟ فلست قاتلها حتى أنظر رأي الملك فيها ثانية: فإن رأيته نادماً حزيناً على ما صنع جئت بها حية. وكنت قد عملت عملاً عظيماً. وأنجيت

إيراخت من القتل. وحفظت قلب الملك. واتخذت عند عامة الناس بذلك يداً. وإن رأيته فرحاً مستريحاً مصوّباً رأيه في الذي فعله وأمر به فقتلها لا يفوت. ثم انطلق بها إلى منزله، ووكل بها خادماً من أمنائه، وأمره بخدمتها وحراستها، حتى ينظر ما يكون من أمرها وأمر الملك. ثم خضب سيفه بالدم ودخل على الملك كالكئيب الحزين. فقال أيها الملك: إني قد أمضيت أمرك في إيراخت. فلم يلبث الملك أن سكن عنه الغضب، وذكر جمال إيراخت وحسنها. واشتد أسفه عليها. وجعل يعزي نفسه عنها. ويتجلد وهو

مع ذلك يستحي أن يسأل إيلاذ: أحقاً أمضى أمره فيها أم لا؟ ورجا لما عرف من عقل إيلاذ ألا يكون قد فعل ذلك. ونظر إليه إيلاذ بفضل عقله فعلم الذي به، فقال له: لا تهتم ولا تحزن أيها الملك: فإنه ليس في الهم والحزن منفعة. ولكنهما ينحلان الجسم ويفسدانه. فاصبر أيها الملك على ما لست بقادر عليه أبداً. وإن أحب الملك حدثته بحديث يسليه. قال: حدثني.

قال إيلاذ: زعموا أن حمامتين ذكراً وأنثى ملا عشهما من الحنطة والشعير. فقال الذكر للأنثى: إنا إذا وجدنا في الصحارى ما نعيش به فلسنا نأكل مما هاهنا شيئاً. فإذا جاء الشتاء ولم يكن في الصحارى شيء رجعنا إلى ما في عشنا فأكلناه. فرضيت الأنثى بذلك. وقالت له: نعم ما رأيت. وكان ذلك الحب ندياً حين وضعاه في عشهما. فانطلق الذكر فغاب. فلما جاء الصيف يبس الحب وانضمر. فلما رجع الذكر رأى الحب ناقصاً. فقال لها: أليس كنا أجمعنا رأينا على ألا نأكل منه شيئاً؟ فلم

أكلته؟ فجعلت تحلف أنها ما أكلت منه شيئاً. وجعلت تعتذر إليه. فلم يصدقها. وجعل ينقرها حتى ماتت. فلما جاءت الأمطار ودخل الشتاء تندى الحب وامتلأ العش كما كان. فلما رأى الذكر ذلك ندم. ثم اضطجع إلى جانب حمامته وقال: ما ينفعني الحب والعيش بعدك إذا طلبتك فلم أجدك، ولم أقدر عليك، وإذا فكرت في أمرك وعلمت أني قد ظلمتك، ولا أقدر على تدارك ما فات. ثم استمر على حزنه فلم يطعم طعاماً ولا شراباً حتى مات إلى جانبها. والعاقل لا يعجل في العذاب والعقوبة، ولا

سيما من يخاف الندامة، كما ندم الحمام الذكر. وقد سمعت أيضاً أن رجلاً دخل الجبل وعلى رأسه كارة من العدس فوضع الكارة عن ظهره ليستريح. فنزل قرد من شجرة فأخذ ملء كفه من العدس وصعد إلى الشجرة. فسقطت من يده حبة فنزل في طلبها فلم يجدها. وانتثر ما كان في يده من العدس أجمع. وأنت أيضاً أيها الملك عندك ستة عشر ألف امرأة تدع أن تلهو بهن وتطلب التي لا تجد؟؟! فلما سمع الملك ذلك خشي أن تكون إيراخت قد هلكت. فقال لإيلاذ: لم لا

تأنيت وتثبت؟ بل أسرعت عند سماع كلمة واحدة فتعلقت بها، وفعلت ما أمرتك به من ساعتك؟ قال إيلاذ: إن الذي قوله واحد لا يختلف هو الله الذي لا تبديل لكلماته ولا اختلاف لقوله. قال الملك: لقد أفسدت أمري وشددت حزني بقتل إيراخت. قال إيلاذ: إثنان ينبغي لهما أن يحزنا: الذي يعمل الإثم في كل يوم، والذي لم يعمل خيراً قط: لأن فرحهما في الدنيا ونعيمهما قليل. وندامتهما إذ يعاينان الجزاء طويلة لا يستطاع إحصاؤها. قال الملك: لئن رأيت إيراخت حيةً لا أحزن على شيءٍ أبداً.

قال إيلاذ: اثنان لا ينبغي لهما أن يحزنا: المجتهد في البر كل يوم، والذي لم يأثم قط. قال الملك: ما أنا بناظرٍ إلى إيراخت أكثر مما نظرت قال إيلاذ: اثنان لا ينظران: الأعمى والذي لا عقل له. وكما أن العمى لا ينظر السماء ونجومها وأرضها ولا ينظر القرب والبعد، كذلك الذي لا عقل له لا يعرف الحسن من القبيح ولا المحسن من المسيء. قال الملك: لو رأيت إيراخت لاشتد فرحي. قال إيلاذ: اثنان هما الفرحان: البصير والعالم. فكما أن البصير يبصر أمور العالم وما فيه

من زيادة ونقصان والقريب والبعيد، فكذلك العالم يبصر البر والإثم، ويعرف عمل الآخرة، ويتبين له نجاته، ويهتدي إلى صراط المستقيم. قال الملك: ينبغي لنا أن نتباعد منك يإيلاذ ونأخذ الحذر ونلزم الاتقاء. قال إيلاذ: اثنان يجب أن نتباعد منهما: الذي يقول لا بر ولا إثم ولا عقاب ولا ثواب ولا شيء على مما أنا فيه، والذي لا يكاد فيه يصرف بصره عما ليس له بمحرم ولا أذنه عن استماع السوء، ولا قلبه عما تهم به نفسه من الإثم والحرص. قال الملك: صارت يدي من إيراخت

صفراً. قال إيلاذ: ثلاثة أشياء أصفار: النهر الذي ليس فيه ماء، والأرض التي ليس فيها ملك، والمرأة التي ليس لها بعل، قال الملك: إنك يا إيلاذ لتلقي الجواب. قال إيلاذ: ثلاثة يلقون بالجواب: الملك الذي يعطي ويقسم من خزائنه، والمرأة المهداة التي تهوى من ذوي الحسب، والرجل العالم الموفق للخير.

ثم إن إيلاذ لما رأى الملك أشتد به الأمر، قال: أيها الملك إن إيراخت بالحياة. فلما سمع الملك ذلك اشتد فرحه. وقال يإيلاذ: إنما منعني من الغضب ما أعرف من نصيحتك وصدق حديثك. وكنت أرجو لمعرفتي بعلمك ألا تكون قد قتلت إيراخت. فإنها وإن كانت أتت عظيماً وأغلظت في القول فلم تأته عداوة ولا طلب مضرة، ولكنها فعلت ذلك للغيرة. وقد كان ينبغي لي أن أعرض عن ذلك وأتحمله، ولكنك يا إيلاذ أردت أن تختبرني وتتركني في شك من أمرها. وقد أخذت عندي أفضل الأيدي.

وأنا لك شاكر. فانطلق فأتني بها. فخرج من عند الملك فأتي إيراخت وأمرها أن تتزين ففعلت ذلك. وانطلق بها إلى الملك. فلما دخلت سجدت له. ثم قامت بين يديه. وقالت: أحمد الله تعالى ثم أحمد الملك الذي أحسن إلي: قد أذنبت الذنب العظيم الذي لم أكن للبقاء أهلاً بعده، فوسعه حلمه وكرم طبعه ورأفته، ثم أحمد إيلاذ الذي آخر أمري، وأنجاني من الهلكة، لعلمه برأفة الملك وسعة حلمه وجوده وكرم جوهره ووفاء عهده. وقال الملك لإيلاذ: ما أعظم يدك عندي وعند إيراخت وعند العامة: إذ

قد أحييتها بعد ما أمرت بقتلها: فأنت الذي وهبتها لي اليوم: فإني لم أزل واثقاً بنصيحتك وتدبيرك. وقد ازددت اليوم عندي كرامة وتعظيماً. وأنت محكّمٌ في ملكي تفعل فيه بما ترى، وتحكم عليه بما تريد. فقد جعلت ذلك إليك ووثقت بك. قال إيلاذ: أدام الله لك أيها الملك المُلكَ والسرور. فلست بمحمود على ذلك. فإنما أنا عبدك. لكن حاجتي ألاّ يعجل الملك في الأمر الجسيم الذي يندم على فعله، وتكون عاقبته الغم والحزن. ولا سيما في مثل هذه الملكة الناصحة المشفقة التي لا يوجد في

الأرض مثلها: فقال الملك بحق قلت يا إيلاذ، وقد قبلت قولك، ولست عاملاً بعدها عملاً صغيراً ولا كبيراً، فضلاً عن مثل هذا الأمر العظيم الذي ما سلمت منه، إلا بعد المؤامرة والنظر والتردد إلى ذوي العقول ومشاورة أهل المودة والرأي. ثم أحسن الملك جائزة لإيلاذ، ومكّنه من أولئك البراهمة الذين أشاروا بقتل أحبائه فأطلق فيهم السيف، وقرت عين الملك وعيون عظماء أهل مملكته، وحمدوا الله وأثنوا على كباريون بسعة علمه وفضل حكمته: لأنه بعلمه خلّص الملك ووزيره الصالح وامرأته الصالحة. باب اللبوة والإسوار والشغبر

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: قد سمعت هذا المثل. فاضرب لي مثلاً في شأن من يدع ضرّ غيره إذا قدر عليه لما يصيبه من الضرّ، ويكون له فيما ينزل به واعظ وزاجر عن ارتكاب الظلم والعداوة لغيره. قال الفيلسوف: إنه لا يقدم على طلب ما يضر الناس وما يسوءهم إلا أهل الجهالة والسفه وسوء النظر في العواقب من أمور الدنيا والآخرة، وقلة العلم بما يدخل عليهم في ذلك من حلول النقمة، وبما يلزمهم من تبعة ما اكتسبوا مما لا تحيط به العقول. وإن سلم بعضهم

من ضرر بعض بمنية عرضت له قبل أن ينزل به وبال ما صنع: فإن من لم يفكر في العواقب لم يأمن المصائب، وحقيق ألا يسلم من المعاطب. وربما اتعظ الجاهل واعتبر بما يصيبه من المضرة من غيره، فارتدع عن أن يغشى أحداً بمثل ذلك من الظلم والعدوان، وحصل له نفع ما كفَّ عنه من ضرر لغيره في العاقبة، فنظير ذلك حديث اللبوة والإسوار والشغبر. قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال الفيلسوف: زعموا أن لبؤة كانت في غيضة، ولهما شبلان، وأنها خرجت قي طلب الصيد وخلفتهما في كهفهما، فمرّ بهما إسوار فحمل عليهما ورماهما فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، وانصرف بهما إلى منزله، ثم إنها رجعت. فلما رأت ما حلّ بهما من الأمر الفظيع اضطربت ظهراً لبطن وصاحت وضجّت. وكان إلى جانبها شغبر. فلما سمع ذلك من صياحها قال لها: ما هذا الذي تصنعين؟ وما نزل بك؟ فأخبريني به. قالت اللبؤة شبلاي مرّ بهما إسوار فقتلهما، وسلخ جلديهما فاحتقبهما، ونبذهما بالعراء. قال لها شغبر: لا تضجِّي

وأنصفي من نفسك، واعلمي أن هذا الإسوار لم يأت إليك شيئاً إلا وقد كنت تفعلين بغيرك مثله، وتأتين إلى غير واحد مثل ذلك، ممن كان يجد بحميمه ومن يعز عليه مثل ما تجدين بشبليك. فاصبري على فعل غيرك كما صبر غيرك على فعلك: فإنه قد قيل: كما تدين تدان. ولكل عمل ثمرة من الثواب والعقاب. وهما على قدره في الكثرة والقلة. كالزرع إذا حضر الحصاد أعطى على حسب بذره. قالت اللبؤة: بين لي ما تقول، وأفصح لي عن إشارته. قال الشغبر: كم أتى لك من