ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 8 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 8 من 131,785 كلمة في هذا الجزء

واعتراضه الشك فيه بعد الذي مضى من الحجج فهو رجل قد أنس بالتقليد فهو يدعو الشبهة إلى نفسه من هاهنا وثم ومن كان هذا سبيله فليس له دواء سوى السكوت عنه وتركه وما يختاره لنفسه من سوء النظر وقلة التدبر قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ وأنها ليست لك حيث تسمع بأذنك بل حيث تنظر بقلبك وتستعين بفكرك وتعمل رويتك وتراجع عقلك وتستنجد في الجملة فهمك وبلغ القول في ذلك أقصاه وانتهى إلى مداه وينبغي أن نأخذ

الآن في تفصيل أمر المزية وبيان الجهات التي منها تعرض وإنه لمرام صعب ومطلب عسير ولولا أنه على ذلك لما وجدت الناس بين منكر له من أصله ومتخيل له على غير وجهه ومعتقد أنه باب لا تقوى عليه العبارة ولا تملك فيه إلا الإشارة وأن طريق التعليم إليه مسدود وباب التفهيم دونه مغلق وأن معانيك فيه معان تأبى أن تبرز من الضمير وأن تدين للتبيين والتصوير وأن ترى سافرة لا نقاب عليها ونادية لا حجاب دونها وأن ليس للواصف لها إلا أن يلوح ويشير أو

يضرب مثلا ينبىء عن حسن قد عرفه على الجملة وفضيلة قد أحسها من غير أن يتبع ذلك بيانا ويقيم عليه برهانا ويذكر له علة ويورد فيه حجة وأنا أنزل لك القول في ذلك وأدرجه شيئا فشيئا وأستعين بالله تعالى عليه وأسأله التوفيق فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير ظاهره اعلم أن لهذا الضرب اتساعا وتفننا لا إلى غاية إلا أنه على اتساعه يدور في الأمر الأعم على شيئين الكناية والمجاز والمراد بالكناية هاهنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع

له في اللغة ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومىء به إليه ويجعله دليلا عليه مثال ذلك قولهم هو طويل النجاد يريدون طويل القامة وكثير رماد القدر يعنون كثير القرى وفي المرأة نؤوم الضحى والمراد أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها فقد أرادوا في هذا كله كما ترى معنى ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود وأن يكون إذا كان أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد وإذا كثر

القرى كثر رماد القدر وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها ردف ذلك أن تنام إلى الضحى وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل وأن كل لفظ نقل عن موضوعه فهو مجاز والكلام في ذلك يطول وقد ذكرت ما هو الصحيح من ذلك في موضع آخر وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر والاسم والشهرة فيه لشيئين الاستعارة والتمثيل وإنما يكون التمثيل مجازا إذا جاء على حد الاستعارة فالاستعارة أن تريد تشبيه الشي بالشيء فتدع أن تفصح بالتشبيه

وتظهره وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه تريد أن تقول رأيت رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء فتدع ذلك وتقول رأيت أسدا وضرب آخر من الاستعارة وهو ما كان نحو قوله الكامل إذ أصبحت بيد الشمال زمامها هذا الضرب وإن كان الناس يضمونه إلى الأول حيث يذكرون الاستعارة فليسا سواء وذاك أنك في الأول تجعل الشيء الشيء ليس به وفي الثاني تجعل للشيء الشيء ليس له تفسير هذا أنك إذا قلت رأيت أسدا فقد ادعيت في إنسان أنه أسد وجعلته

إياه ولا يكون الإنسان أسدا وإذا قلت إذ أصبحت بيد الشمال زمامها فقد ادعيت أن للشمال يدا ومعلوم أنه لا يكون للريح يد وهاهنا أصل يجب ضبطه وهو أن جعل المشبه المشبه به على ضربين أحدهما أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من الشيئين ولا تذكره بوجه من الوجوه كقولك رأيت أسدا والثاني أن تجعل ذلك كالأمر الذي يحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتزجيته وذلك حيث تجري

اسم المشبه به صراحة على المشبه فتقول زيد أسد وزيد هو الأسد أو نجيء به على وجه يرجع إلى هذا كقولك إن لقيته لقيت به أسدا وإن لقيته ليلقينك منه الأسد فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسدا أو الأسد وتضع كلامك له وأما في الأول فتخرجه مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير والقياس يقتضي أن يقال في هذا الضرب أعني ما أنت تعمل في إثباته وتزجيته أنه تشبيه على حد المبالغة ويقتصر على هذا القدر ولا يسمى استعارة وأما التمثيل

الذي يكون مجازا لمجيئك به على حد الاستعارة فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فالأصل في هذا أراك في ترددك كمن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخرها على الحقيقة كما كان الأصل في قولك رأيت أسدا رأيت رجلا كالأسد ثم جعل كأنه الأسد على الحقيقة وكذلك تقول للرجل يعمل غير معمل أراك تنفخ في غير فحم و تخط على الماء فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط والمعنى على أنك في

فعلك كمن يفعل ذلك وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه حال الرجل يجيىء إلى البعير الصعب فيحكه ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس وهو في المعنى نظير قولهم فلان يفرد فلانا يعنى به أنه يتلطف له فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليلذه

ذلك فيسكن ويثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه التمثيل ثم لم يفصحوا بذلك وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلا فصل قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح والتعريض أوقع من التصريح وأن للاستعارة مزية وفضلا وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة إلا أن ذلك وإن كان معلوما على الجملة فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه وحتى لا يبقى عليه موضع

شبهة ومكان مسألة فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت هو طويل النجاد وهو جم الرماد كان أبهى لمعناك وأنبل من أن تدع الكناية وتصرح بالذي تريد وكذا إذا قلت رأيت أسدا كان لكلامك مزية لا تكون إذا قلت رأيت رجلا هو في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش وأشباه ذلك وإذا قلت بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى كان أوقع من صريحه الذي هو قولك بلغني أنك تتردد في أمرك وأنك في ذلك كمن يقول أخرج ولا أخرج فيقدم رجلا ويؤخر أخرى ونقطع

على ذلك حتى لا يخالجنا شك فيه فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون إذا عرفنا السبب في ذلك والعلة ولم كان كذلك وهيأنا له عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه وهذا هو قول في ذلك أعلم أن سبيلك أولا أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره والمبالغة التي تدعي لها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها تفسير هذا أن ليس المعنى إذا قلنا إن الكناية أبلغ من التصريح أنك لما

كنيت عن المعنى زدت في ذاته بل المعنى أنك زدت في إثباته فجعلته أبلغ وآكد وأشد فليست المزية في قولهم جم الرماد أنه دل على قرى أكثر بل المعنى أنك أثبت له القرى الكثير من وجه وهو أبلغ وأوجبته إيجابا هو أشد وادعيته دعوى أنت بها أنطق وبصحتها أوثق وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك رأيت أسدا على قولك رأيت رجلا لا يتميز من الأسد في شجاعته وجرأته أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته الأسد بل أنك أفدت تأكيدا وتشديدا وقوة في إثباتك له

هذه المساواة وفي تقريرك لها فليس تأثير الاستعارة إذا في ذات المعنى وحقيقته بل في إيجابه والحكم به وهكذا قياس التمثيل ترى المزية أبدا في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه فإذا سمعتهم يقولون إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نبلا وفضلا وتوجب لها شرفا وأن تفخمها في نفوس السامعين وترفع أقدارها عند المخاطبين فإنهم لا يريدون الشجاعة والقرى وأشباه ذلك من معاني الكلم المفردة وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له ويخبر بها عنه هذا ما ينبغي

للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبدا وأن يعلم أن ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل ولا هي منا بسبيل وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب وإذ قد عرفت مكان هذا المزية والمبالغة التي لا تزال تسمع بها وأنها في الإثبات دون المثبت فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سببا وعلة أما الكناية فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح أن كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه أن إثبات

الصفة بإثبات دليلها وإيجابها بما هو شاهد في وجودها آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فتثبتها ساذجا غفلا وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف وبحيث لا يشك فيه ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط وأما الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة أنك إذا قلت رأيت أسدا كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول وكالآمر الذي نصب له دليل يقطع بوجوده وذلك أنه إذا كان أسدا فواجب

أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى عنها وإذا صرحت بالتشبيه فقلت رأيت رجلا كالأسد كنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجح بين أن يكون وبين أن لا يكون ولم يكن من حديث الوجوب في شيء وحكم التمثيل حكم الاستعارة سواء فإنك إذا قلت أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحير والتردد كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر فتقول قد جعلت تتردد في أمرك فأنت كمن يقول أخرج ولا أخرج فيقدم رجلا ويؤخر أخرى

فصل اعلم أن من شأن هذه الأجناس أن تجري فيها الفضيلة وأن تتفاوت التفاوت الشديد أفلا ترى أنك تجد في الاستعارة العامي المبتذل كقولنا رأيت أسدا ووردت بحرا ولقيت بدرا والخاصي النادر الذي لا تجده إلا في كلام الفحول ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال كقوله الطويل وسالت بأعناق المطي الأباطح أراد أنها سارت سيرا حثيثا في غاية السرعة وكانت سرعة في لين وسلاسة كأنه كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها ومثل هذه الاستعارة في الحسن واللطف وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها

قول الآخر البسيط سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير أراد أنه مطاع في الحي وأنهم يسرعون إلى نصرته وأنه لا يدعوهم لحرب أو نازل خطب إلا أتوه وكثروا عليه وازدحموا حواليه حتى تجدهم كالسيول تجيء من هاهنا وهاهنا وتنصب من هذا المسيل وذلك حتى يغص بها الوادي ويطفح منها ومن بديع الاستعارة ونادرها إلا أن جهة الغرابة فيه غير جهتها في هذا قول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرسا له وأنه مؤدب وأنه إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس

سرجه وقف مكانه إلى أن يعود إليه الكامل عودته فيما أزور حبائبي إهماله وكذاك كل مخاطر وإذا احتبى قربوسه بعنانه علك الشكيم إلى انصراف الزائر فالغرابة هاهنا في الشبه نفسه وفي أن استدراك أن هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج كالهيئة في موضع الثوب من ركبة المحتبي وليست الغرابة في قوله وسالت بأعناق المطي الأباطح على هذه الجملة وذلك أنه لم يغرب لأن جعل المطي في سرعة سيرها وسهولته كالماء يجري في الأبطح فإن هذا شبه معروف ظاهر ولكن الدقة واللطف في خصوصية أفادها