ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 7 من 13

دلائل الإعجاز — الجزء الأول

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 7 من 131,785 كلمة في هذا الجزء

هذا الموضع ويغلطه أنه يستبعد أن يقال هذا كلام قد نظمت معانيه فالعرف كأنه لم يجر بذلك إلا أنهم وإن كانوا لم يستعملوا النظم في المعاني قد استعملوا فيها ما هو بمعناه ونظير له وذلك قولهم إنه يرتب المعاني في نفسه وينزلها ويبني بعضها على بعض كما يقولون يرتب الفروع على الأصول ويتبع المعنى المعنى ويلحق النظير وإذا كنت تعلم أنهم استعاروا النسج والوشي والنقش والصياغة لنفس ما استعاروا له النظم وكان لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل يرجع إلى أمور وأوصاف تتعلق

بالمعاني دون الألفاظ فمن حقك أن تعلم أن سبيل النظم ذلك السبيل وأعلم أن من سبيلك أن تعتمد هذا الفصل حدا وتجعل النكت التي ذكرتها فيه على ذكر منك أبدا فإنها عمد وأصول في هذا الباب إذ أنت مكنتها في نفسك وجدت الشبه تنزاح عنك والشكوك تنتفي عن قلبك ولا سيما ما ذكرت من أنه لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك

فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك لم تحتج إلى أن تستأنف فكرا في ترتيب الألفاظ بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خدم للمعاني وتابعة لها ولاحقة بها وأن العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق فصل واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك هذا ما

لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلا لفعل أو مفعولا أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرا عن الآخر أو تتبع الاسم اسما على أن يكون الثاني صفة للأول أو تأكيدا له أو بدلا منه أو تجيء باسم بعد تمام كلامك على أن يكون الثاني صفة أو

حالا أو تمييزا أو تتوخى في كلام هو لإثبات معنى أن يصير نفيا أو استفهاما أو تمنيا فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك أو تريد في فعلين أن تجعل أحدهما شرطا في الآخر فتجيء بهما بعد الحرف الموضوع لهذا المعنى أو بعد اسم من الأسماء التي ضمنت معنى ذلك الحرف وعلى هذا القياس وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ونحوه وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء ومما لا يتصور أن يكون فيه ومن

صفته بان بذلك أن الأمر على ما قلناه من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا وأصداء حروف لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر أن يجب فيها ترتيب ونظم وأن يجعل لها أمكنة ومنازل وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك والله الموفق للصواب فصل وهذه شبهة أخرى ضعيفة عسى أن يتعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير روية وهي أن يدعي أن لا

معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي وتعديل مزاج الحروف حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان كالذي أنشده الجاحظ من قول الشاعر السريع وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر وقول ابن يسير الخفيف لا أذيل الآمال بعدك إني بعدها بالآمال جد بخيل كم لها موقفا بباب صديق رجعت من نداه بالتعطيل لم يضرها والحمد لله شيء وانثنت نحو عزف نفس ذهول قال الجاحظ فتفقد النصف الأخير من هذا البيت فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض ويزعم أن الكلام في ذلك

على طبقات فمنه المتناهي في الثقل المفرط فيه كالذي مضى ومنه ما هو أخف منه كقول أبي تمام الطويل كريم متى أمدحه أمدحه والورى جميعا ومهما لمته لمته وحدي ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويحفظ عليه ويزعم أن الكلام إذا سلم من ذلك وصفا من شوبه كان الفصيح المشاد به والمشار إليه وأن الصفاء أيضا يكون على مراتب يعلو بعضها بعضا وأن له غاية إذا انتهى إليها كان الإعجاز والذي

يبطل هذه الشبهة إن ذهب إليها ذاهب أنا إن قصرنا صفة الفصاحة على كون اللفظ كذلك وجعلناه المراد بها لزمنا أن نخرج الفصاحة من حيز البلاغة ومن أن تكون نظيرة لها وإذا فعلنا ذلك لم نخل من أحد أمرين إما أن نجعله العمدة في المفاضلة بين العبارتين ولا نعرج على غيره وإما أن نجعله أحد ما نفاضل به ووجها من الوجوه التي تقتضي تقديم كلام على كلام فإن أخذنا بالأول لزمنا أن نقصر الفضيلة عليه حتى لا يكون الإعجاز إلا به وفي ذلك ما لا

يخفى من الشناعة لأنه يؤدي إلى أن لا يكون للمعاني التي ذكروها في حدود البلاغة من وضوح الدلالة وصواب الإشارة وتصحيح الأقسام وحسن الترتيب والنظام والإبداع في طريقة التشبيه والتمثيل والإجمال ثم التفصيل ووضع الفصل والوصل موضعهما وتوفيه الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطهما مدخل فيما له كان القرآن معجزا حتى ندعي أنه لم يكن معجزا من حيث هو بليغ ولا من حيث هو قول فصل وكلام شريف النظم بديع التأليف وذلك أنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف وإن أخذنا بالثاني وهو أن

يكون تلاؤم الحروف وجها من وجوه الفضيلة وداخلا في عداد ما يفاضل به بين كلام وكلام على الجملة لم يكن لهذا الخلاف ضرر علينا لأنه ليس بأكثر من أن يعمد إلى الفصاحة فيخرجها من حيز البلاغة والبيان وأن تكون نظيرة لهما وفي عداد ما هو شبههما من البراعة والجزالة وأشباه ذلك مما ينبىء عن شرف النظم وعن المزايا التي شرحت لك أمرها وأعلمتك جنسها أو يجعلها اسما مشتركا يقع تارة لما تقع له تلك وأخرى لما يرجع إلى سلامة اللفظ مما يثقل على اللسان وليس

واحد من الأمرين بقادح فيما نحن بصدده وإن تعسف متعسف في تلاؤم الحروف فبلغ به أن يكون الأصل في الإعجاز وأخرج سائر ما ذكروه في أقسام البلاغة من أن يكون له مدخل أو تأثير فيما له كان القرآن معجزا كان الوجه أن يقال له إنه يلزمك على قياس قولك أن تجوز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ وترتيب لا على نسق المعاني ولا على وجه يقصد به الفائدة ثم يكون مع ذلك معجزا وكفى به فسادا فإن قال قائل إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى

يكون اللفظ ذلك دالا وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني كما أنه إنما تصعب مراعاة السجع والوزن ويصعب كذلك التجنيس والترصيع إذا روعي معه المعنى قيل له فأنت الآن إن عقلت ما تقول قد خرجت من مسألتك وتركت أن يستحق اللفظ المزية من حيث هو لفظ وجئت تطلب لصعوبة النظم فيما بين المعاني طريقا وتضع له علة غير ما يعرفه الناس وتدعي أن ترتيب المعاني سهل وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حد وأن الفضيلة تزداد

وتقوى إذا توخي في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم وهذا منك وهم وذلك أنا لا نعلم لتعادل الحروف معنى سوى أن تسلم من نحو ما تجده في بيت أبي تمام كريم متى أمدحه أمدحه والورى وبيت ابن يسير وانثنت نحو عزف نفس ذهول وليس اللفظ السليم من ذلك بمعوز ولا بعزيز الوجود ولا بالشيء لا يستطيعه إلا الشاعر المفلق والخطيب البليغ فيستقيم قياسه على السجع والتجنيس ونحو ذلك مما إذا رامه المتكلم صعب عليه تصحيح المعاني وتأدية الأغراض فقولنا أطال الله بقاءك وأدام عزك وأتم نعمته

عليك وزاد في إحسانه عندك لفظ سليم مما يكد اللسان وليس في حروفه استكراه وهكذا حال كلام الناس في كتبهم ومحاوراتهم لا تكاد تجد فيه هذا الاستكراه لأنه إنما هو شيء يعرض للشاعر إذا تكلف وتعمل فأما المرسل نفسه على سجيتها فلا يعرض له ذلك هذا والمتعلل بمثل ما ذكرت من أنه إنما يكون تلاؤم الحروف معجزا بعد أن يكون اللفظ دالا لأن مراعاة التعادل إنما تصعب إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني إذا تأملت يذهب إلى شيء ظريف وهو أن يصعب مرام اللفظ

بسبب المعنى وذلك محال لأن الذي يعرفه العقلاء عكس ذلك وهو أن يصعب مرام المعنى بسبب اللفظ فصعوبة ما صعب من السجع هي صعوبة عرضت في المعاني من أجل الألفاظ وذاك أنه صعب عليك أن توفق بين معاني تلك الألفاظ المسجعة وبين معاني الفصول التي جعلت أردافا لها فلم تستطع ذلك إلا بعد أن عدلت عن أسلوب إلى أسلوب أو دخلت في ضرب من المجاز أو أخذت في نوع من الاتساع وبعد أن تلطفت على الجملة ضربا من التلطف وكيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ

بسبب المعنى وأنت إن أردت الحق لا تطلب اللفظ بحال وإنما تطلب المعنى وإذا ظفرت بالمعنى فاللفظ معك وإزاء ناظرك وإنما كان يتصور أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصلته احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حدة وذلك محال هذا وإذا توهم متوهم أنا نحتاج إلى أن نطلب اللفظ وأن من شأن الطلب أن يكون هناك فإن الذي يتوهم أنه يحتاج إلى طلبه هو ترتيب الألفاظ في النطق لا محالة وإذا كان ذلك فينبغي لنا أن نرجع إلى

نفوسنا فننظر هل يتصور أن نرتب معاني أسماء وأفعال وحروف في النفس ثم تخفى علينا مواقعها في النطق حتى يحتاج في ذلك إلى فكر وروية وذلك ما لا يشك فيه عاقل إذا هو رجع إلى نفسه وإذا بطل أن يكون ترتيب اللفظ مطلوبا بحال ولم يكن المطلوب أبدا إلا ترتيب المعاني وكان معول هذا المخالف على ذلك فقد اضمحل كلامه وبان أنه ليس لمن حام في حديث المزية والإعجاز حول اللفظ ورام أن يجعله السبب في هذه الفضيلة إلا التسكع في الحيرة والخروج عن فاسد

من القول إلى مثله والله الموفق للصواب فإن قيل إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها وكانت مقصورة على المعنى فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البتة وكيف امتنع أن يوصف بها المعنى فيقال معنى فصيح وكلام فصيح المعنى قيل إنما اختصت الفصاحة باللفظ وكانت من صفته من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف إذا كان عليه دل على المزية التي نحن في حديثها وإذا كانت لكون اللفظ دالا استحال أن يوصف بها المعنى كما يستحيل أن يوصف المعنى بأنه دال

مثلا فاعرفه فإن قيل فماذا دعا القدماء إلى أن قسموا الفضيلة بين المعنى واللفظ فقالوا معنى لطيف ولفظ شريف وفخموا شأن اللفظ وعظموه حتى تبعهم في ذلك من بعدهم وحتى قال أهل النظر إن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ فأطلقوا كما ترى كلاما يوهم كل من يسمعه أن المزية في حاق اللفظ قيل له لما كانت المعاني إنما تتبين بالألفاظ وكان لا سبيل للمرتب لها والجامع شملها إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكره إلا بترتيب الألفاظ في نطقه تجوزوا فكنوا عن ترتيب

المعاني بترتيب الألفاظ ثم بالألفاظ بحذف الترتيب ثم أتبعوا ذلك من الوصف والنعت ما أبان الغرض وكشف عن المراد كقولهم لفظ متمكن يريدون أنه بموافقة معناه لمعنى ما يليه كالشيء الحاصل في مكان صالح يطمئن فيه ولفظ قلق ناب يريدون أنه من أجل أن معناه غير موافق لما يليه كالحاصل في مكان لا يصلح له فهو لا يستطيع الطمأنينة فيه إلى سائر ما يجيء في صفة اللفظ مما يعلم أنه مستعار له من معناه وأنهم نحلوه إياه بسبب مضمونه ومؤداه هذا ومن تعلق بهذا وشبهه