قال أبو العباس: وحدثني إبراهيم بن محمد التميمي قاضي البصرة في إسناد ذكره، أن علياً رضي الله عنه وجه إلى رسول الله ﷺ بذهبة من اليمن، فقسمها أرباعاً فأعطى ربعاً للأقرع بن حابس المجاشعي، وربعاً لزيد الخيل الطائي، وربعاً لعيينة بن حصن الفزاري، وربعاً لعلقمة
بن علاقة الكلابي. فقام إليه رجل مضطرب الخق غائر العينين، ناتئ الجبهة، فقال: رأيت قسمة ما أريد بها وجه الله!، فغضب رسول الله ﷺ حتى تورد خداه، ثم قل: " أيأمنني الله عز وجل على أهل الأرض ولا تأمنوني? "! فقام إليه عمر فقال: ألا
أقتله يا رسول الله? فقال ﷺ : " إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في النصل فلا ترى شيئاً، وتنظر في الرصاف فلا ترى شيئاً، وتتمارى في الفوق " . قوله ﷺ : " من ضئضئ
هذا " أي من جنس هذا. يقال: فلان من ضئضئ صدق، في محتد صدق ، وفي مركب صدق. وقال جرير للحكم بن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وهو ابن عم الحجاج، وكان عامله على البصرة: أقبلن من ثهـلان أو وادي حـيم على قلاص مثل
خيطان السلـم إذا قطعن عـلـمـاً بـدا عـلـم حتى أنخناها إلى باب الـحـكـم خليفة الحجاج غير الـمـتـهـم في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم ويقال: مرق السهم من الرمية، إذا نفذ منها، وأكثر ما يكون ذلك ألا يعلق به من دمها شيء، وأقطع ما يكون السيف إذا سبق
الدم. قال امرؤ القيس بن عابس الكندي: وقد أختلس الضرب ة لا يدمى لها نصلي فأما ما وضعه الأصمعي في كتاب الاختيار. فعلى غلط وضع. من أخبار واصل بن عطاء وذكر الأصمعي أن الشعر لإسحاق بن سويد الفقيه، وهو لأعرابي لا يعرف المقالات التي يميل
إليها أهل الأهواء، أنشد الأصمعي: برئت من الخوارج لست منهم من الـــــــغـــــــزال مـــــــنـــــــهـــــــم وابـــــــن بـــــــــــاب ومـــــــن قـــــــوم إذا ذكـــــــــــروا عـــــــــــــــلـــــــــــــــيا يردون الـــــــســـــــلام عـــــــلـــــــى الـــــــســـــــحــــــــــاب ولـــكــــنـــــــي أحـــــــب بـــــــكـــــــل قـــــــلـــــــبـــــــي وأعـــــــلـــــــم أن ذاك مـــــــــن الـــــــــــــــصـــــــــــــــواب رســـــــول الـــــــلـــــــه والـــــــصـــــــديق حـــــــبــــــــــــاً به أرجـــــــو غـــــــداً حـــــــســـــــن الــــــــــثـــــــــــــــواب فإن قوله: من
الغزال منهم يعني واصل بن عطاء، وكان يكنى أبا حذيفة، وكان معتزلياً، ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يلقب بذلك، لأنه كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن، وكان طويل العنق. ويروى عم عمرو بن عبيد، أنه نظر إليه من قبل أن يكلمه،
فقال: لا يفلح هذا ما دامت عليه هذه العنق!. وقال بشار بن برد يهجو واصل بن عطاء: ماذا منيت بغزال له عـنـق كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا عنق الزرافة ما بالي وبالكـم تكفرون رجالاً أكفروا رجلا! ويروى: لا بل ، كأنه لا يشك فيه،
أن بشاراً كان يتعصب للنار على الأرض ويصوب رأي إبليس - لعنه الله - في امتناعه من السجود لآدم عليه السلام، ويروى له: الأرض مظلمة والنار مشرقة والنار معبودة مذ كانت النار فهذا ما يرويه المتكلمون. وقتله المهدي على الإلحاد، وقد روى قوم أن كتبه
فتشت فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به وأصيب له كتاب فيه: إني أردت هجاء آل سليمان بن علي، فذكرت قرابتهم من رسول الله ﷺ فأمسكت عنهم ، إلا أني قلت: دينار آل سليمان ودرهمـهـم كبابليين حفاً بالـعـفـاريت لا يرجيان ولا يرجى نوالهمـا كما
سمعت بهاروت وماروت وحدثني المازني قال: قال رجل لبشار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك? - يذهب به إلى أنه ثنوي - قال: فقال بشار: ليسوا يدرون أن هذا اللحم يدفع عني شر هذه الظلمة. وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح
اللثغة في الراء، فكان يخلص كلامه من الراء، ولا يفطن بذلك لاقتداره وسهولة ألفاظه ففي ذلك يقول شاعر من المعتزلة، يمدحه بإطالته الخطب واجتنابه الراء، على كثرة ترددها في الكلام، حتى كأنها ليست فيه: عليم بإبدال الحروف وقامـع لكل خطيب يغلب الحق باطله وقال آخر:
ويجعل البر قمحاً في تصرفـه وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطراً والقول يعجله فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر ومما حكي عنه قوله وذكر بشاراً: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! أما والله لو لا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا
سدوسياً أو عقيلياً. فقال: هذا الأعمى ولم يقل بشاراً، ولا ابن برد، ولا الضرير. وقال: من أخلاق الغالية ولم يقل المغيرية ولا المنصورية. وقال: لبعثت إليه، ولم يقل: لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه، ولم يقل: على فراشه، ولا مرقده، وقال: يبعج، ولم يقل: يبقر، وذكر
بني عقيل، لأن بشاراً كان يتوالى إليهم، وذكر بني سدوس، لأنه كان نازلاً فيهم. واجتناب الحروف شديد. وقال: لما سقطت ثنايا عبد الملك بن مروان في الطست قال: والله لو لا الخطبة والنساء ما حفلت بها. قال: وخطب الجمحي، وكان منزوع إحدى الثنيتين، وكان يصفر
إذا تكلم، وأجاد الخطبة، وكانت لنكاح، فرد عليه زيد بن علي بن الحسين كلاماً جيداً، إلا أنه فضله بتمكين الحروف وحسن مخارج الكلام. فقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يذكر ذلك: صحت مخارجها وتم حروفها فله بذاك مزية ولا تنـكـر المزية:
الفضيلة. وأما قوله: ابن باب فهو عمرو بن عبيد بن باب، وهو مولى بني العدوية، من بني مالك بن حنظلة، فهذان معتزليان وليسا من الخوارج، ولكن قصد إسحاق بن سويد إلى أهل البدع والأهواء، ألا تراه ذكر الرافضة معهما. فقال: ومن قوم إذا ذكروا عـلـياً
أشاروا بالسلام على السحاب ويروى: يردون السلام على السحاب مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم نرجع إلى ذكر الخوارج. قال أبو العباس: فلما قتل علي بن أبي طالب أهل النهروان، وكان بالكوفة زهاء ألفين من الخوارج؛ ممن لم يخرج مع عبد الله
بن وهب، وقوم ممن استأمن إلى أبي أيوب الأنصاري، فتجمعوا وأمروا عليهم رجلاً من طيئ، فوجه إليهم علي رجلاً، وهم بالنخيلة، فدعاهم ورفق بهم، فأبوا، فعاودهم فأبوا، فقتلوا جميعاً، فخرجت طائفة منهم نحو مكة، ووجه معاوية من يقيم للناس حجهم، فناوشه هؤلاء الخوارج، فبلغ ذلك
معاوية ووجه معاوية بسر بن أرطأة، أحد بن عامر بن لؤي، فتوافقوا وتراضوا بعد الحرب بأن يصلي بالناس رجل من بني شيبة، لئلا يفوت الناس الحج، فلما انقضى نظرت الخوارج في أمرها، فقالوا: إن علياً ومعاوية قد أفسدا أمر هذه الأمة، فلو قتلناهما لعاد الأمر
إلى حقه! وقال رجل من أشجع: والله ما عمرو دونهما، وإنه لأصل هذا الفساد، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أقتل علياً، فقالوا: وكيف لك به? قال: أغتاله. فقال الحجاج بن عبد الله الصريمي - وهو البرك: وأنا أقتل معاوية، وقال زاذويه مولى بني العنبر
بن عمرو بن تميم: وأنا أقتل عمراً. فأجمع رأيهم على أن يكون قتلهم في ليلة واحدة، فجعلوا تلك الليلة ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، فخرج كل واحد منهم إلى ناحية، فأتى ابن ملجم الكوفة، فأخفى فسه وتزوج امرأة يقال لها قطام بنت علقمة من
تيم الرباب، وكانت ترى رأي الخوارج - والأحاديث تختلف وإنما يؤثر صحيحها - ويروى في بعض الحديث أنها قالت: لا أقتنع منك إلا بصداق أسميه لك، وهو ثلاثة آلاف درهم، وعبد وأمة، وأن تقتل علياً. فقال لها: لك ما سألت، وكيف لي به? قالت تروم
ذلك غيلة، فإن سلمت أرحت الناس من شر، وأقمت مع أهلك، وإن أصبت خرجت إلى الجنة ونعيم لا يزول، فأنعم لها ، وفي ذلك يقول : ثلاثة آلاف وعـبـد وقـــينة وضرب علي بالحسام المصمـم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا و لا فتك إلا
دون فتك ابن ملجم وقد ذكروا أن القاصد إلى معاوية يزيد بن ملجم، والقاصد إلى عمرو آخر من بني ملجم، وأن أباهم نهاهم. فلما عصوه قال: استعدوا للموت، وأن أمهم حضتهم على ذلك. والخبر الصحيح ما ذكرت لك أول مرة. فأقام ابن ملجم، فيقال: إن
امرأته قطام لامته، وقالت: ألا تمضي لما قصدت له ! لشد ما أحببت أهلك! قال: إني قد وعدت صاحبي وقتاً بعينه وكان هنالك رجل من أشجع. يقال له شبيب، فواطأه بعد الرحمن.
ويروى أن الأشعث نظر إلى عبد الرحمن متقلداً سيفاً في بني كندة، فقال: يا عبد الرحمن، أرني سيفك. فأراه إياه ، فرأى سيفاً جديداً، فقال: ما تقلدك هذا السيف وليس بأوان حرب! فقال: إني أردت أن أنحر به جزور القرية! فركب الأشعث بغلته، وأتى علياً
صلوات الله عليه فخبره. وقال له: قد عرفت بسالة ابن ملجم وفتكه، فقال علي: ما قتلني بعد. ويروى أن علياً رضوان الله عليه كان يخطب مرة ويذكر أصحابه، وابن ملجم تلقاء المنبر، فسمع وهو يقول: والله لأريحنهم منك! فلما انصرف علي صلوات الله إلى بيته
أتي به ملبباً، فأشرف عليهم، فقال: ما تريدون? فخبروه بما سمعوا، فقال: ما قتلني بعد؛ فخلوا عنه. ويروى أن علياً كان يتمثل إذا رآه ببيت عمرو بن معدي كرب في قيس بن مكشوح المرادي والمكشوح هبيرة، وإنما سمي بذلك لأنه ضرب على كشحه: أريد حباءه
ويريد قـتـلـي عذيرك من خليلك من مراد فينتفي من ذلك، حتى أكثر عليه، فقال له المرادي: إن قضي شيء كان. فقيل لعلي: كأنك قد عرفت وعرفت ما يريد بك، أفلا تقتله? فقال: كيف أقتل قاتلي. فلما كان ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، خرج ابن
ملجم وشبيب الأشجعي، فاعتورا الباب الذي يدخل منه علي رضي الله عنه، وكان علي يخرج مغلساً، ويوقظ الناس للصلاة، فخرج كما كان يفعل، فضربه شبيبل فأخطأه، وأصاب سيفه الباب، وضربه ابن ملجم على صلعته، فقال علي: فزت ورب الكعبة! شأنكم بالرجل. فيروى عن بعض من
كان في المسجد من الأنصار قال: سمعت كلمة علي، ورأيت بريق السيف. فأما ابن ملجم فحمل على الناس بسيفه فأفرجوا له،وتلقاه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بقطيفة، فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وكان المغيرة أيداً، فقعد على صدره. وأما شبيب
فانتزع السيف منه رجل من حضرموت، وصرعه وقعد على صدره. وكثر الناس، فجعلوا يصيحون: عليكم صاحب السيف، فخاف الحضرمي أن يكبوا عليه ولا يسمعوا عذره فرمى بالسيف، وانسل شبيب بين الناس فدخل بابن ملجم على علي رضوان الله عليه، فأومر فيه، فاختلف الناس في جوابه.
فقال علي: إن أعش فالأمر لي ، وإن أصب فالأمر لكم، فإن آثرتم أن تقتصوا فضربة بضربة، وأن تعفوا أقرب للتقوى. وقالوا قوم: بل قال: وإن أصب فاقتلوه في مقتله فأقام علي يومين، فسمع ابن ملجم الرنة من الدار، فقال له من حضره: أي عدو
الله! إنه لا بأس على أمير المؤمنين، فقال: أعلى من تبكي أم كلثوم ? أعلي? أما والله لقد اشتريت سيفي بألف درهم، وما زلت أعرضه، فما يعيبه أحد إلا أصلحت ذلك العيب، ولقد سقيته السم حتى لفظه، ولقد ضربته ضربة لو قسمت على من بالمشرق
لأتت عليهم. ومات علي صلوات الله ورضوانه عليه ورحمته في آخر اليوم الثالث. فدعا عبد الرحمن بالحسن رضي الله عنه. فقال: إن لك عندي سراً. فقال الحسن رضوان الله عليه: أتدرون ما يريد? يريد أن يقرب من وجهي فيعض أذني فيقطعها، فقال: أما والله لو
أمكنني منها لاقتلعتها من أصلها! فقال الحسن: كلا والله. لأضربنك ضربة تؤديك إلى النار، فقال: لو علمت أن هذا في يدك ما اتخذت إلهاً غيرك، فقال عبد الله بن جعفر: يا أبا محمد، ادفعه إلي أشف نفسي إنك يا ابن أخي لتكحل عمك بملمولين مضاضين
، وقال قوم: بل قطع يديه ورجليه، وقال قوم: بل قطع رجليه، وهو في ذلك يذكر الله عز وجل. ثم عمد إلى لسانه فشق ذلك عليه، فقيل له: لم تجزع من قطع يديك ورجليك ونراك قد جزعت من قطع لسانك! فقال: نعم، أحببت أن لا
يزال فمي يذكر الله رطباً، ثم قتله. ويروى أن علياً رضي الله عنه أتي بابن ملجم وقيل له: إنا قد سمعنا من هذا كلاماً ولا نأمن قتله لك? ثم قال علي رضوان الله عليه: اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكـا ولا تجزع من الموت إذا