ويقال فيما يروى من الأخبار إن أول من حكم عروة بن أدية - وأدية جدة له في الجاهلية - وهو عروة بن حدير، أحد بني ربيعة بن حنظلة. وقال قوم: بل أول من حكم رجل يقال له سعيد من بني محارب بن خصفة بن قيس
بن عيلان بن مضر. ولم يخلفوا في إجماعهم على عبد الله بن وهب الراسبي، وأنه امتنع عليهم، وأومأ إلى غيره، فلم يقتنعوا إلا به، فكان إمام القوم، وكان يوصف بالرأي. أول سيف سل من سيوفهم
فأما أول سيف سل من سيوف الخوارج فسيف عروة بن أدية. وذلك أنه أقبل على الأشعث فقال: ما هذه الدنية يا أشعث! وما هذا التحكيم? أشرط أوثق من شرط الله عز وجل? ثم شهر عليه السيف، والأشعث مول، فضرب به عجز البغلة، فشبت البغلة فنفرت
اليمانية - وكان جل أصحاب علي صلوات الله عليه - فلما رأى ذلك الأحنف قصد هو وجارية بن قدامة ومسعود بن فدكي بن أعبد، وشبث بن ربعي الرياحي إلى الأشعث. فسألوه الصفح، ففعل. وكان عروة بن أدية نجا من حرب النهروان، فلم يزل باقياً مدة
من خلافة معاوية، ثم أتي به زياد ومعه مولى له، فسأله عن أبي بكر وعمر، فقال خيراً، ثم سأله فقال: ما تقول في أمير المؤمنين عثمان بن عفان وأبي تراب علي بن أبي طالب? فتولى عثمان ست سنين من خلافته، ثم شهد عليه بالكفر! وفعل
في أمر علي مثل ذلك إلى أن حكم، ثم شهد عليه بالكفر! ثم سأله عن معاوية، فسبه سباً قبيحاً! ثم سأله عن نفسه? فقال: أولك لزنية وآخرك لدعوة، وأنت بعد عاص لربك! ثم أمر به فضربت عنقه، ثم دعا مولاه فقال: صف لي أموره? فقال:
أأطنب أم أختصر? فقال: بل اختصر. فقال: ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشت له فراشاً بليل قط. مناظرة علي بن أبي طالب لهم وكان سبب تسميتهم الحرورية أن علياً رضوان الله عليه، لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس رحمه الله إياهم، كان فيما قال
لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم: إن هذه مكيدة ووهن، وأنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني، ثم سألوني التحكيم، أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني? قالوا: الله نعم قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى
أجبتكم إليه، فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله عز وجل، فمتى خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء، وانتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني? قالوا: اللهم نعم - وفيهم من ذلك الوقت ابن الكواء، وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله بن حباب?
فإما ذبحوه بكسكر في الفرقة الثالثة - فقالوا: حكمت في دين الله برأينا، ونحن مقرون بأنا قد كفرنا، ونحن تائبون! فاقرر بمثل ما أقررنا وتب ننهض معك إلى الشأم ، فقال: أما تعلمون أن الله جل ثناؤه قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته
، فقال تبارك وتعالى: " فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها " " النساء: 35 "، وفي صيد أصيب في الحرم، كأرنب تساوي ربع درهم ، فقال عز وجل: " يحكم به ذوا عدل منكم " " المائدة: 95 "? فقالوا: إن عمراً لما
أبى عليك أنم تقول في كتابك: " هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين " محوت اسمك من الخلافة، وكتبت علي بن أبي طالب. فقال لهم رضي الله عنه: لي برسول الله ﷺ أسوة، حيث أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: " هذا
كتاب كتبه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو " فقال: لو أقررت بأنك رسول الله ما خالفتك ، ولكني أقدمك لفضلك، ثم قال: اكتب: " محمد بن عبد الله "، فقال لي: " يا علي امح رسول الله "، فقلت: يا رسول الله، لا تسخو
نفسي بمحو اسمك من النبوة، فقال عليه السلام: " فقفني عليه " فمحاه بيده ﷺ ، ثم قال: " اكتب محمد بن عبد الله "، ثم تبسم إلي فقال: " يا علي، أما إنك ستسام مثلها فتعطي ". فرجع معه منهم ألفان من حروراء ،
وقد كانوا تجمعوا بها، فقال لهم علي صلوات الله عليه: ما نسميكم? ثم قال: أنتم الحرورية، لاجتماعكم بحروراء. والنسب إلى مثل حروراء حروراوي، فاعلم، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة لكنه نسب إلى البلد بحذف الزوائد، فقيل :الحروري. للصلتان العبدي وقال الصلتان
العبدي في كلمة له: أرى أمة شهـرت سـيفـهـا وقد زيد في سوطها الأصبحي بنـجـــدية وحـــرورية وأزرق يدعو إلـى أزرقـي فملتنا أننـا الـمـسـلـمـون على دين صديقنا والـنـبـي وفي هذا الشعر مما يستحسن قوله: أشاب الصغير وأفنى الكبير مر الغداة وكر العـشـي أذا ليلة عرمـت يومـهـا أتى
بعد ذلـك يوم فـتـي نروح ونغدو لحاجـاتـنـا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجـاتـه وتبقى له حاجة ما بـقـي قوله: وقد زيد في سوطها الأصبحي
فإنه تسمى هذه السياط التي يعاقب بها السلطان الأصبحية، وتنسب إلى ذي أصبح الحميري، وكان ملكاً من ملوك حمير، وهو أول من اتخذها، وهو جد مالك بن أنس الفقيه رضي الله عنه. والنجدية تنسب إلى نجدة بن عويمر، وهو عامر الحنفي، وكان رأساً ذا مقالة
مفردة من مقالات الخوارج، وقد بقي من أهلها قوم كثير. وكان نجدة يصلي بمكة بحذاء عبد الله بن الزبير في جمعه في كل جمعة، وعبد الله يطلب الخلافة، فيمسكان عن القتال من أجل الحرم. للراعي في عبد الملك بن مروان قال الراعي يخاطب عبد الملك:
إني حلفت على يمـين بـرة لا أكذب اليوم الخلـيفة قـيلا ما إن أتيت أبا خبـيب وافـداً يوماً أريد ببيعتـي تـبـديلا ولا أتيت نجيدة بن عـويمـر أبغي الهدى فيزيدني تضلـيلا من نعمة الرحمن لا من حيلتي إني أعد له علـي فـضـولا وفي هذه القصيدة: أخذوا العريف
فقطعوا حيزومه بالأصبحية قائماً مـغـلـولا قوله: وأزرق يدعو إلى أزرقي يريد من كان من أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي، وكان نافع شجاعاً مقدماً في فقه الخوارج، وله ولعبد الله بن عباس مسائل كثيرة، وسنذكر جملة منها في هذا الكتاب، إن شاء الله. وقوله: على دين
صديقنا والنبي فالعرب تفعل هذا، وهو في الواو جائز، أن تبدأ بالشيء والمقدم غيره ، قال الله عز اسمه: " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " " التغابن: 2 "، وقال: " يا معشر الجن والإنس " " الرحمن: 33 "، وقال: "
واسجدي واركعي مع الراكعين " " آل عمران: 43 ". وقال حسان بن ثابت: بهاليل منهم جعفر وابن أمه علي ومنهم أحمد المتخير يعني بني هاشم ومن كلام العرب: ربيعة ومضر وقيس وخندف وسليم وعامر، وأصحاب نافع بن الأزرق هم ذوو الحد والجد . وهم
الذي أحاطوا بالبصرة حتى ترحل أكثر أهلها منها، وكان الباقون على الرحلة ، فقلد المهلب حربهم، فهزمهم إلى الفرات، ثم هزمهم إلى الأهواز، ثم أخرجهم عنها إلى فارس، ثم أخرجهم إلى كرمان، وفي ذلك يقول شاعر منهم في هذه الحرب التي صاحبها الزنج بالبصرة، يرثي
البلد، ويذكر المنقبة التي كانت لهم. قال الأخفش: أنشدنيه يزيد المهلبي لنفسه: سقى الله مصراً خف أهلوه من مصر وماذا الذي يبقى على عقب الدهر ! ولو كنـت فـيه إذ أبـيح حـريمـه لمت كريماً أو صدرت على عـذر أبيح فلم أملـك لـه غـير عـبـرة تهيب
بها أن حاردت لوعة الصـدر ونحن رددنا أهلـهـا إذ تـرحـلـوا وقد نظمت خيل الأزرق بالجـسـر ومن يخش أطراف المنـايا فـإنـنـا لسنا لهن السابغات من الـصـبـر فإن كريه المـوت عـذب مـذاقـه إذا ما مزجناه بطيب مـن الـذكـر وما رزق الإنسـان مـثـل مـنـية أراحت من الدنيا ولم
تخز في القبـر وفي هذا الشعر: ليشكو بنو العباس نعمى تـجـددت فقد وعد الله المزيد على الشكـر لقد جنبتكم أسـرة حـسـدتـكـم فسلت على الإسلام سيفاً من الكفر وقد نغصتهم جولة بـعـد جـولة يبيتون فيها المسلمين على ذعـر وقال عبد الله بن قيس الرقيات: ألا طرقت
من أهل بثنة طارقـه على أنها معشوقة الدل عاشقـه تبيت وأرض السوس بيني وبينهـا وسولاف رستاق حمته الأزارقه إذا نحن شئنا صادفتنـا عـصـابة حرورية أضحت من الدين مارقه من أخبارهم يوم النهروان وكان مقدار من أصاب علي صلوات الله عليه منهم بالنهروان ألفين وثماني مائة،
في أصح الأقاويل، وكان عددهم ستة آلاف، وكان منهم بالكوفة زهاء ألفين ممن يسر أمره ولم يشهد الحرب، فخرج منهم رجل بعد أن قال علي رضوان الله عليه: ارجعوا وادفعوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتلة وشرك في دمه! ثم حمل منهم
رجل على صف علي، وقد قال علي: لا تبدأوهم بقتال، فقتل من أصحاب علي ثلاثة وهو يقول: أقتلهم ولا أرى علـيا ولو بدا أوجره الخطيا
فخرج إليه علي صلوات الله عليه فقتله، فلما خالطه السيف، قال: حبذا الروحة إلى الجنة! فقال عبد الله بن وهب: ما أدري أإلى الجنة أم إلى النار! فقال رجل من سعد: إما حضرت اغتراراً بهذا، وأراه قد شك! فانخزل بجماعة من أصحابه، ومال ألف إلى
ناحية أبي أيوب الأنصاري، وكان رحمه الله على ميمنة علي، وجعل الناس يتسللون، وقد قال علي وقيل له: إنهم يريدون الجسر. فقال: لن يبلغوا النطفة، وجعل الناس يقولون له في ذلك، حتى كادوا يشكون، ثم قالوا: قد رجعوا يا أمير المؤمنين، فقال: والله ما كذبت
ولا كذبت، ثم خرج إليهم في أصحابه، وقد قال لهم: إنه والله ما يقتل منكم عشرة ولا يفلت منكم عشرة، فقتل من أصحابه تسعة، وأفلت منهم ثمانية. وقال أبو العباس: وقيل أول من حكم ولفظ بالحكومة ولم يشد بها رجل من بني سعد بن زيد
مناة بن تميم بن مر، ثم من بني صريم، يقال له الحجاج بن عبد الله، ويعرف بالبرك، وهو الذي ضرب معاوية على أليته، فإنه لما سمع بذكر الحكمين قال: أيحكم في دين الله! فسمعه سامع فقال: طعن والله فأنفذ. وأول من حكم بين الصفين رجل
من بني يشكر بن بكر بن وائل، فإنه كان في أصحاب علي، فحمل على رجل منهم فقتله غيلة، ثم مرق بين الصفين فحكم، وحمل على أصحاب معاوية، فكثروه، فرجع إلى ناحية عل صلوات الله عليه، فحمل على رجل منهم، فخرج إليه رجل من همدان فقتله،
فقال شاعر همدان: ما كان أغنى اليشكري عن التي تصلى بها جمراً من النار حاميا غداة ينادي والرماح تـنـوشـه خلعت علياً بـادياً ومـعـاويا وجاء في الحديث، أن علياً رضي الله عنه تلي بحضرته: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا
وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " " الكهف: 13 - 14 "، فقال علي: أهل حروراء منهم. وروي عن علي صلوات الله عليه أنه خرج في غداة يوقظ الناس للصلاة في المسجد، فمر بجماعة تتحدث، فسل وسلموا عليه، فقال وقبض على لحيته: ظننت أن فيكم
أشقاها، الذي يخضب هذه من هذه. وأومأ بيده إلى هامته ولحيته. من شعر علي بن أبي طالب ومن شعر علي بن أبي طالب رحمه الله الذي لا اختلاف فيه أنه قاله، وأنه كان يردده، أنهم لما ساموه أن يقر بالكفر ويتوب حتى يسيروا معه إلى
الشام، فقال: أبعد صحبة رسول الله ﷺ والرفقة في الدين أرجع كافراً!: يا شاهد الله علي فـاشـهـد أني على دين النبي أحـمـد من شك في الله فإني مهتدي ويروى: أني توليت ولي أحمد في تقسيم غنائم خيبر ويروى أن رجلاً أسود شديد بياض الثياب، وقف
على رسول الله صلى الله عليه وهو يقسم غنائم خيبر - ولم تكن إلا لمن شهد الحديبية - فأقبل ذلك الأسود على رسول الله ﷺ ، فقال: ماعدلت منذ اليوم! فغضب رسول الله ﷺ حتى رئي الغضب في وجهه. فقال عمر بن الخطاب: لا أقتله
يا رسول الله? فقال رسول الله: إنه سيكون لهذا ولأصحابه نبأ. وفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال له: " ويحك! فمن يعدل إذا لم أعدل "? ثم قال لأبي بكر : " اقتله " فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله، رأيته راكعاً،
ثم قال لعمر: " اقتله ". فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله رأيته ساجداً، ثم قال لعلي: " اقتله ". فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله لم أره، فقال رسول الله: " لو قتل هذا ما اختلف اثنان في دين الله ".