مليح التشبيه للمحدثين قول عبد الصمد بن المعدل في صفة العقرب: تبرز كالقرنين حين تطـلـعـه تزحله مراً ومـراً تـرجـعـه في مثل صدر السبت خلق تفظعه أعصل خطار تـلـوح شـعـه أسود كالسبجة فيه مبـضـعـه لا تصنع الرقشاء ما لا يصنعـه وفي هذه الأرجوزة أيضاً: بات بها
حين حبيش يتبـعـه وبات جذلان وثيراً مضعـه ذا سنة آمـن مـا يروعـه حتى دنت منه لحتف تزمعه فاظت تجم سمها وتجمعـه يا بؤس للمودعه ما يودعه فشرعت أم الحمام إصبعـه أنحت عليه كالشهاب تلذعه عطك سربال حرير تخلعـه فكل خل ظاهر تفجـعـه يزداد من بغت
الحمام جزعه واليأس من تيسيره توقعـه وكذلك قال يزيد بن ضبة أو يزيد بن الصمة . قال أبو الحسن: شك العباس في أنه لأحدهما، أعني هذا البيت: وكنهم بانـوا ولـم أدر بـغـتة وأفظع شيء حين يفجؤك البغت ومن أحسن التشبيه ومليحه قول رجل يهجو رجلاً
برثاثة الحال: يأتيك في جبة محـرقة أطول أعمار مثلها يوم وطيلسان كالآل يلبسـه على قميص كأنه غيم والتشبيه كثير، وهو باب كأنه لا آخر له، وإنما ذكرنا منه شيئاً لئلا يخلو هذا الكتاب من شيء من المعاني. ونختم ما ذكرنا من أشعار المحدثين ببيتين أو
ثلاثة من الشعر الجيد، ثم نأخذ في غير هذا الباب إن شاء الله. قال طفيل: تقريبه المرطى والجون معتدل كأنه سبد بالماء مـغـسـول السبد: طائر بعينه. وقد قالوا: الخصفة التي توضع عند البئر، وهو بالطائر أشبه، وإنما أراد العرق في هذا الوقت. وخير الخيل ما
لم يسرع عرقه ولم يبطئ، فإذا جاء ف وقته شمله. قال الراجز: كأنه والطرف منه سامي مشتمل جاء من الحمام وقال الأعشى: يعادي النحوص ومسحلها وعفوهما قبل أن يستجم
النحوص، جماعها نحص، وهي التي لم تحمل في عامها. والمسحل: العير. والعفو: الولد وجمعه عفاء، فاعلم؛ وهو أسعى له إذا لم يكن لعامه. ويستحم: يعرق. وفي حديث أم زرع: مضجعه كمسل الشطبة وتكفيه ذراع الجفرة ، ومعناه أنه خميص البطن، وهذا تمدح به العرب وتستحسنه،
فأما قول متمم بن نويرة: فتى غير مبطان العشيات أروعا فإما أراد أنه لا يستعجل بالعشاء لانتظاره الضيف؛ كما قال: وضيف إذا أرغى طروقاً بعيره وعان نآه الغل حتى تكنـعـا وقالوا في قول الخنساء: يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره لكل غروب شمـس قالوا: أرادت بطلوع
الشمس وقت الغارة، وبغروب الشمس وقت الأضياف. وقال رجل لبعض أهله : والله ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيداً، ولا بأرسح فتكون فارساً: وقال رجل من بني أسد لرجل من قيس: والله ما فتقت فتق السادة، ولا مطلت مطل الفرسان. فهذه كلها نعوت قد عرفت
لقوم حتى كأنها سمات لهم، وكانوا يقولون: ينبغي أن يكون الفارس مهفهف الخصرين ، متوقد العينين، حمش الذراعين . وأنشد الأصمعي: كأنما ساعداه ساعد ذيب قالوا: ومن نعت السيد أن يكون لحيماً، ضخم الهامة، جهير الصوت، إذا خطا أبعد، وإذا تؤمل ملأ العين؛ لأن حقه
أن يكون في صدر مجلس، أو ذروة منبر، أو منفرداً في موكب. وكانوا يقولون في نعت السيد: يملأ العين جمالاً، والسمع مقالاً. وقال أبو علي دعبل بن علي في رجل نسبه إلى السؤدد، يقوله لمعاذ بن جبل بن سعيد الحميري، وهو من ولد حميد بن
عبد الرحمن الفقيه: فإذا جالسـتـه صـدرتـه وتنحيت له في الحاشـيه وإذا سايرتـه قـدمـتـه وتأخرت مع المستـأنـيه وإذا ياسرته صـادفـتـه سلس الخلق سليم الناحـيه وإذا عاسرته صـادفـتـه شرس الرأي أبياً داهـيه فاحمد الله على صحبـتـه وأسأل الرحمن منه العافيه وهذا المعنى قد أجمله جرير في قوله:
بشر أبو مروان إن عاسرته عير وعند يساره ميسـور باب تجتمع فيه طرائف من حسن الكلام، وجيد الشعر، وسائر الأمثال، ومأثور الأخبار، إن شاء الله. الحجاج بن يوسف والوليد بن عبد الملك كان الحجاج بن يوسف يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أثنت الوفود عل
الحجاج عند الوليد بن عبد الملك، والحجاج حاضر، قال زياد بن عمرو: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم؛ فلم يكن أحد بعد أخف على قلب الحجاج منه. لابن قيس الرقيات في
معاتبة المهلب ولزياد يقول ابن قيس الرقيات في معاتبته المهلب بن أبي صفرة: أبلغا جاري المهلب عنـي كل جار مفارق لا محاله إن جاراتك اللواتي بتكريت لتنبيذ رحلهـن مـقـالـه لو تعلقن من زياد بن عمرو بحبال لما ذممن حبـالـه غلبت أمـه أبـاه عـلـيه فهو كالكابلي
أشبه خالـه ولقد غالني يزيد وكـانـت في يزيد خيانة ومغـالـه عتكي كأنـه ضـوء بـدر يحمد الناس قوله وفعالـه نبذ من أقوال الحكماء وقال أسماء بن خارجة الفزاري: لا أشاتم رجلاً، ولا أرد سائلاً، إنما هو كريم أسد خلته، وأو لئيم اشتري عرضي منه. وقال سهل
بن هارون: يجب على كل ذي مقالة أن يبدأ بحمد الله وقبل استفتاحها، كما بدئ بالنعمة قبل استحقاقها. وكان يقول عند التعزية: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. وأراد رجل الحج، فأتى شعبة بن الحجاج يودعه، فقال له شعبة: أما إنك إن
لم تر الحلم ذلاً، والسفه أنفاً! سلم لك حجك. وقال أويس القرني: إن حقوق الله لم تترك عند مسلم درهماً. لدعبل يذم رجلاً وقال دعبل بن علي الخزاعي يذم رجلاً: رأيت أبا عمران يبـذل عـرضـه وخبز أبي عمران في أحرز الحرز يحن إلى جاراته بـعـد
شـبـعـه وجاراته غرثى تحن إلى الخـبـز لبعض آل المهلب وقال آخر :
قوم إذا أكلوا أخفوا كـلامـهـم واستوثقوا من رتاج الباب والدار لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ولا تكف يد عن حرمة الجـار لرجل من طيئ وكان قتل رجلاً من بني أسد وقال رجل من طيئ، وكان رجل منهم، يقال له زيد، من ولد عروة بن
زيد الخيل، قتل رجلاً من بني أسد يقال له زيد، ثم أقيد به بعد: علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم بأبيض مصقول الغـرار يمـان فإن تقتلوا زيداً بـزيد فـإنـمـا أقادكم السلطان بـعـد زمـان قال أبو الحسن، وأنشدنا غيره: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم بأبيض
من ماء الحديد يمـان لشمعل التغلبي حين ضربه عبد الملك بن مروان قال: كلم شمعل التغلبي عبد الملك كلاماً لم يرضه، فرماه عبد الملك بالجرز فخدش وهشم، فقال شمعل. أمن جذبه بالرجل مني تباشـرت عداتي، فلا عيب علي ولا سخر فإن أمير المؤمـنـين وسـيفـه لكالدهر،
لا عار بما فعل الدهر! وقال الحجاج بن يوسف: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد. وقال زياد: كفى بالبخيل عاراً أن اسمه لم يقع في حمد قط، وكفى بالجواد مجداً أن اسمه لم يقع في ذم قط. وقال آخر: ألا ترين وقد قطعـتـنـي
عـذلا ماذا من الفضل بين البخل والجود! لا يعدم السائلون الخير أفـعـلـه إما نوالا وإمـا حـسـن مـردود إلا يكـن ورق يومـاً أراج بــه للخابطين فـإنـي لـين الـعـود قوله: إلا يكن ورق يريد المال، وضربه مثلاً. ويقال: أتى فلان فلاناً يختبط ما عنده. والاختباط: ضرب الشجر
ليسقط الورق، فجعل الخابط الطالب، والورق المال، كما قال زهير: وليس مانع ذي قربى ولا رحم يوماً ولا معدماً من خابط ورقا بخل الحطيئة ويروى أن ضيفاً نزل بالحطيئة، وهو يرعى غنماً له، وفي يده عصاً، فقال الضيف: يا راعي الغنم ما عندك? ، فأومأ
إليه الحطيئة بعصاه، وقال: عجراء من سلم ، فقال الرجل: إني ضيف، فقال الحطيئة: للضيفان أعددتها!. متفرقات من شعر دعبل وقال دعبل: وابن عمران يبتغي عربـياً ليس يرضى البنات للأكفاء إن بدت حاجة له ذكر الضي ف وينساه عند وقت الغداء وقال أيضاً: أضياف سالم
في خفض وفي دعة وفي شراب ولحم غير ممـنـوع وضيف عمرو وعمرو يسهران معاً عمرو لبطنته والضيف للـجـوع وقال أيضاً: ما يرحل الضيف عني بعد تكرمة إلا برفد وتـشـييع ومـعـذرة وقال أيضاً: لم يطيقوا أن يسمعوا وسمـعـنـا وصبرنا على رحـى الأسـنـان صوت مضغ الضيوف أحسن
عندي من غناء الـقـيان بـالـعـيدان لرجل من قريش وقال القرشي من بني أمية: إذا ما وترنا لم ننم عن تراتـنـا ولم نك أوغالاً نقيم البـواكـيا ولكننا نمضي الجياد شـوازبـاً فنرمي بها نحو التارت المراميا لجرير يفتخر ويهجو الأخطل وقومه وقال جرير: إن الذي حرم الخلافة
تغـلـبـاً جعل النبوة والخـلافة فـينـا مضر أبي وأبو الملوك وهل لكم يا خزر تغلب من أب كأبينـا ! هذا ابن عمي في دمشق خلـيفة لو شئت ساقكم إلي قـطـينـا إن الفرزدق إذ تحنف كـارهـاً أضحى لتغلب والصليب خدينـا ولقد جزعت إلى النصارى بعدما لقي الصليب
من العذاب مهينـا هل تشهدون من المشاعر مشعراً أو تسمعون من الأذان أذينـا ! قال أبو العباس: حدثني عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، قال: لما بلغ الوليد قوله: هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلي قطـينـا قال الوليد: أما والله
لو قال: " لو شاء ساقكم "، لفعلت ذاك به، ولكنه قال: " لو شئت " فجعلني شرطياً له. ويروى أن بلالاً قعد يوماً ينظر بين الخصوم، ورجل منهم ناحياً يتمثل قول الأخطل على غير معرفة :
وابن المراغة حابس أعياره مرمى القصية ما يذقن بلالاً فسمعه بلال، فلما تقدم مع خصمه قال له بلال: أعد علي إنشادك، فغمزه بعض الجلساء، فقال الرجل: إني والله ما أدري من قاله، ولا فيمن قيل? فقال بلال: أجل، هو أسير من ذاك، هلما فاحتجا. وقال
جرير: مررت على الديار فما رأينا كدار بين تلعة والنـظـيم عرفت المنتأى وعرفت منها مطايا القدر كالحدأ الجثـوم وقال آخر: لقد تبلت فؤادك إذ تـولـت ولم تخش العقوبة في التولي عرفت الدار يوم وقفت فيها بريح المسك تنفح في المحل باب من أخبار الخوارج في
بيعتهم لعبد الله بن وهب الراسبي قال أبو العباس: ذكر أهل العلم من الصفرية أن الخوارج لما عزموا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبي من الأزد، تكره ذلك، فأبوا من سواه، ولم يريدوا غيره. فلما رأى ذلك منهم قال: يا قوم، استبيتوا الرأي، أي
دعوه يغب . وكان يقول: نعوذ بالله من الرأي الدبري. قوله: استبينوا الرأي يقول: دعوا رأيكم تأتي عليه ليلة ثم تعقبوه، يقال: بيت فلان كذا كذا، إذا فعله ليلاً، وفي القرآن: " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " " النساء: 108 "، أي
أداروا ذلك بينهم ليلاً، وأنشد أبو عبيدة: أتوني فلم أرض ما بيتـوا وكانوا أتوني بأمر نكـر لأنكح أيمـهـم مـنـذراً وهل ينكح العبد حر لحر! والرأي الدبري: الذي يعرض بعد وقوع الشيء، كما قال جرير : ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ولا يعرفون الأمر إلا تدبـرا
وكان عبد الله بن وهب ذا رأي وفهم، ولسان وشجاعة، وإنما لجأوا إليه وخلعوا معدان الإيادي، لقول معدان: سلام على من بايع الله شـارياً وليس على الحزب المقيم سلام فبرئت منه الصفرية، وقالوا: خالفت، لأنك برئت من القعد . والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من
الكاذب، ومن ذي المعصية الظاهرة. شأنهم مع واصل بن عطاء وحدثت أن واصل بن عطاء أبا حذيفة أقبل في رفقة، فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم - وكانوا قد أشرفوا على العطب - فقالوا: شأنك. فخرج إليهم،
فقالوا: ما أنت وأصحابك? قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويفهموا حدوده. فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلمونا. فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين، فإنكم إخواننا! قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: " وإن أحد من المشركين
استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " " التوبة: 6 "، فأبلغونا مأمننا. فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فساروا بجمعهم حتى بلغوهم المأمن. مناظرة عبد الله بن عباس لهم وذكر أهل العلم من غير وجه أن علياً رضي الله
تعالى عنه لما وجه إليهم عبد الله بن عباس رحمة الله عليه، ليناظرهم، قال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين? قالوا: قد كان للمؤمنين أميراً، فلما حكم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس: ما ينبغي