كأن لسانه مبرد. فهذا الجاري في الكلام، كما يقال للطويل: كأنه رمح. ويقال للمهتز للكرم: كأنه غصن تحت بارح. ومن عجيب التشبيه قول القائل: لعينك يوم البين أسرع واكـفـاً من الفنن الممطور وهو مروح وذاك أن الغصن يقع المطر في ورقه فيصير منها في مثل
المداهن، فإذا هبت به الريح لم تلبثه أن تقطره. طرائف من تشبيهات المحدثين ثم نذكر بعد هذا طرائف من تشبيه المحدثين وملاحاتهم، فقد شرطناه في أول الباب، إن شاء الله. قال أبو العباس: ومن أكثرهم تشبيهاً، لاتساعه في القول، وكثرة ثقبه ، واتساع مذهبه الحسن
بن هانئ، قال في مديحه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك: وكنا إذا ما الحائن الـجـد غـره سنا برق غاو أو ضجيج رعـاد تردى له الفضل بن يحيى بن خالد بماضي الظبا أزهاه طول نجـاد أما خـمـيس أرجـوان كـأنـه قميص محوك من قنـاً وجـياد
فما هو إلا الدهر يأتي بصرفـه على كل من يشقى به ويعـادي قوله: الحائن الجد يقال: حان الرجل، إذا دنا موته، ويقال: رجل حائن، والمصدر الحين. والجد: الحظ، والجد والجدة، مفتوحان، فإذا أردت المصدر من جددت في الأمر، قلت: أجد جداً مكسور الجيم، ويقال: جددت
النخل أجده جداً وجداداً إذا صرمته. ويقال: جذذته جذاً. وتركت الشيء جذاذاً، إذا قطعته قعاً. ويروى هذا البيت لجرير على وجهين: آل المهلب جـذ الـلـه دابـرهـم أضحوا رماداً فلا أصل ولا طرف ويروى جد، وقرأ بعض القراء: " عطاء غير مجذوذ " " هود: 108
" فأما قوله: " فجعلهم جذاذاً " " الأنبياء: 58 " فلم يقرأ بغيره. ويقال: كم جذاذ نخلك. أي كم تصرم منها. ويروى من قول الله جل وعز: " وأنه تعالى جد ربنا " " الجن: 3 " عن أنس بن مالك: " غنى ربنا
". وقرأ سعيد بن جبير: " جدا ربنا ". ولو قرأ قارئ " جدا ربنا " على معنا: جد ربنا لم يقرأ به لتغير الخط، وكذا قراءة سعيد مخالفة الخط . وهذا الشعر ينشد بالكسر: أجدك لم تغتمض ليلة فترقدها مع رقادها ومثله : أجدك
لم تسمع وصاة محـمـد رسول الإله حين أوصى وأشهدا لأن معناه أجداً منك، على التوقيف، وتقديره في النصب: أتجد جداً، و يقال: امرأة جداء، إذا كانت لا ثدي لها، فكأنه قطع منها، لأن أصل الجد القطع، ويقال: بلدة جداء، إذا لم تكن بها مياه. قال
الشاعر: وجداء ما يرجى بها ذو هـوادة لعرف ولا يخشى السماة ربيبها القرابة والهوادة في المعنى واحدة. قال أبو الحسن: السماة هم الصادة نصف النهار، وروي عن بعض أصحابنا، عن المازني قال: إنما سمي سامياً بالمسماة، وهو خف يلبسه لئلا يسمع الوحض وطأه، وهو عندي
من سما للصيد. ينشد هذا البيت: أبى حبي سليمى أن يبيدا وأصبح حبلها خلقاً جديد يقول: أصبح خلقاً مقطوعاً، لأن جديداً في معنى مجدود أي مقطوع، كما تقول: قتيل ومقتول وجريح ومجروح. ويقال في غير هذا المعنى: رجل مجدود، إذا كان ذا خطر وحط ،
وفي الدعاء " ولا ينفع ذا الجد منك الجد "، أي من كان له حظ في دنياه لم يدفع ذلك عنه ما يريد الله به. ولو قال قائل: ولا ينفع ذا الجد منك الجد - يريد الاجتهاد - لكان وجهاً. وقوله: سنا برق غاو والسنا:
من الضياء مقصور. قال الله جل وعز: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " " النور: 43 ". والسناء: من المجد ممدود. وقال الشاعر: وهم قوم كرام الحي طراً لهم خول إذا ذكر السناء وضربه الحسن ههنا مثلاً وجمع الرعد فقال: رعاد، كقولك: كلب وكلاب،
وكعب وكعاب. وقوله: بماضي الظبي. ظبة كل شيء حده، يقال: وخزه بظبة السيف، يراد بذلك حد طرفه.
وقوله: أزهاه طول نجاد، النجاد: حمائل السيف، وأزهاه: رفعه وأعلاه، والرجل يمدح بالطول، فلذلك يذكر طول حماله. قال مروان بن أبي حفصة يمدح المهدي: قصرت حمائله عليه فقلصت ولقد تأنق قينها فأطالـهـا وقال الحسن بن هانئ يمدح محمداً الأمين: سبط البنان إذا احتبى بنجـاده عمر
الجماجم ولا سماط قيام وقال جرير للفرزدق: تعالوا ففاتونا ففي الحكـم مـقـنـع إلى الغر من أهل البطاح الأكـارم فإني لأرضى عبد شمس وما قضـت وأرضى الطوال البيض من آل هاشم وقال الآخر: لما التقى الصفان واختلف القنا نهالا وأسباب المنايا نهالـهـا تبين لـي أن الـقـمـاءة
ذلة وأن أشداء الرجال طوالهـا وقوله: أمام خميس، الخميس ههنا: الجيش، وكذلك قال ربيئة أهل خيبر، لما أطل رسول الله ﷺ عليهم: محمد الخميس، أي والجيش. وقال الشاعر، وهو طرفة: وأي خميس لا أفأنا تـهـابـه وأسيافنا يقطرن من كبشه دما أفأنا: رددنا. يقال: أفاءه يفيء
إذا رد. والأرجوان: الأحمر . قال الشاعر: عشية غادرت خيلي حميداً كأن عليه حلة أرجـوان والجياد: الخيل. وفي القرآن: " إذا عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد " " ص: 31 ". ومن تشبيهه الجيد في هذا الشعر الذي ذكرنا قوله: ترى الناس أفواجاً إلى باب
داره كأنهما رجـلا دبـى وجـراد فيوم لإلحاق الفقير بذي الغنـى ويوم رقاب بوكرت لحـصـاد ومن التشبيه الجيد قوله : فكأني بما أزين منها قعدي يزين التحكيما وكان سبب هذا الشعر أن الخليفة تشدد عليه من شرب الخمر، وحبسه من أجل ذلك حبساً طويلاً، فقال: أيها
الرائحان باللـوم لـومـا لا أذوق المدام إلا شـمـيمـا نالني بالـمـلام فـيهـا إمـام لا أرى لي خلافه مستقـيمـا فاصرفاها إلى سواي فـإنـي لست إلا على الحديث نديمـا كبر حظي منها إذا هي دارت أن أراها وأن أشم النسـيمـا فكأني بـمـا أزين مـنـهـا قعدي يزين الـتـحـكـيمـا لم
يطق حمله السلاح إلى الحر ب فأوصى المطيق ألا يقيمـا فهذا المعنى لم يسبقه إليه أحد. قال: وحدثت أن العماني الراجز أنشد الرشيد في صفة فرس: كأن أذنيه إذا تشوفـا قادمة أو قلماً محرفا فعلم القوم كلهم أنه قد لحن، ولم يهتد منهم أحد لإصلاح
البيت إلا الرشيد. فإنه قال له: قل: تخال أذنيه إذا تشوفا. والراجز وإن كان لحن فقد أحسن التشبيه. ويروي أن جريراً دخل إلى الوليد، وابن الرقاع العاملي عنده ينشده القصيدة التي يقول فيها: غلب المساميح الوليد سـمـاحة وكفى قريش المعضلات وسادها قال جرير: فحسدته على
أبيات منها، حتى أنشد في صفة الظبية: تزجي أغن كأن إبرة روقه قال: فقلت في نفسي: وقع والله، ما يقدر أن يقول أو يشبه به، قال: فقال: قلم أصاب من الدواة مدادها قال: فما قدرت حسداً له أن أقيم حتى انصرفت. ومن التشبيه الحسن الذي
نستطرفه قوله: تعاطيكها كف كـأن بـنـانـهـا إذا اعترضتها العين صف مداري ومن التشبيه المليح قوله: وكأن سلمى إذ تودعـنـا وقد اشرأب الدمع أن يكفا رشأ تواصين القـيان بـه حتى عقدن بأذنه شنـفـا وفي هذا الشعر من التشبيه الجيد قوله : خير فؤادك أو ستخـبـره قسماً
لينتهين أو حـلـفـا الحب ظهر أنت راكـبـه فإذا صرفت عنانه انصرفا ومن التشبيه الجيد قوله : إليك رمت بالقوم خوص كأنما جماجمها فوق الحجاج قبور وله أيضاً: سأرحل من قود المهـارى شـمـلة مسخرة ما تسـتـحـث بـحـادي مع الريح ما راحت فإن هي أعصفت نهور برأس
كـالـعـلاة وهـادي العلاة: السندان، قال جرير: أيفخر بالمحمم قين ليلى وبالكير المرقع والغلاء وقال الحسن بن هانئ في صفة السفينة:
بنيت على قدر ولاءم بـينـهـا طبقان من قير ومـن ألـواح فكأنها والماء ينطح صـدرهـا والخيزرانة في يد الـمـلاح جون من العقبان يبتدر الدجـى يهوي بصوت واصطفاق جناح وقال في شعر آخر، يصف الخمر، ويذكر صفاءها ورقتها، وضياءها وإشراقها: إذا عب فيها شارب القوم خلته يقبل
في داج من الليل كوكبا فأما قوله: بنينا على كسرى سـمـاء مـدامة جوانبها مـحـفـوفة بـنـجـوم فلو رد في كسرى بن ساسان روحه إذاً لاصطفانـي دون كـل نـديم فإنما كانت صورة كسرى في الإناء. وقوله: جوانبها محفوفة بنجوم فإنما يريد ما تطوق به من الزبد. وقد
قال في أخرى. أول الشعر من غير الأم . ودار ندامى خلفـوهـا وأدلـجـوا بها أثر مـنـهـم جـديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى وأضعاث ريحان جـنـي ويابـس حبست بها صحبي فألفت شملـهـم وإني على أمثال تلك لـحـابـس أقمنا بـهـا يومـاً ويومـاً ولـيلة ويوماً له
يوم الترحـل خـامـس تدار علينا الراح في عـسـجـدية حبتها بأنواع التـصـاوير فـارس قرارتها كسرى وفي جنبـاتـهـا مهاً تدريها بالقسـي الـفـوارس فللخمر ما ذرت عليه جـيوبـهـا وللماء ما دارت عليه القـلانـس العسجدية: منسوبة إلى العسجد، وهو الذهب. وقال المثقب العبدي: قالت ألا تشـتـري ذاكـم إلا بما
شئنـا ولـم يوجـد إلا ببدري ذهب خـالـص كل صباح آخر المسـنـد من مال من يجني ويجني له سبعون قنطاراً من العسجد وقوله: تدريها أي تختلها. يقال: دريت الصيد. إذا ختلته. قال الأخطل: وإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني بسهمك والرامي يصيد وما يدري وقال الحسن
بن هانئ: ما حطك الواشون من رتبة عندي ولا ضرك مغتـاب كأنما أثنوا ولم يعـلـمـوا عليك عندي بالذي عابـوا وهذا المعنى عندي مأخوذ من قول النعمان بن المنذر لحجل بن نضلة، وقد ذكر معاوية بن شكل، فقال: أبيت اللعن! إنه لقعو الأليتين، مقبل النعلين، فجج
الفخذين، مشاء بأقراء، تباع إماء، قتال ظبآء. فقال النعمان: أردت أن تذيمه فمدهته. قوله: مقبل النعلين، يقول: لنعله قبال. ينسبهإلى الترفه. وتباع إماء، وقتال ظباء، من ذلك. والقعو: ما تدور فيه البكرة إذا كان من خشب. وقوله: تذيمه معناه تذمه. يقال: ذمه يذمه ذماً وذامه
يذيمه ذيماً، وذأمه يذأمه ذأما. والمعنى واحد، قال الله تبارك وتعالى: " اخرج منها مذءوماً مدحورا " " الأعراف: 18 ".وقال الحارث بن خالد المخزومي لعبد الملك: صحبتك إذ عيني عليها غشـاوة فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها وقوله: فمدهته يريد مدحته. فأبدل من الحاء هاء،
لقرب المخرج، وبنو سعد بنزياد مناة بن تميم كذلك تقول: ولخم ومن قاربها. قال رؤبة: لله در الغـانـيات الـمـده سبحن واسترجعن من تألهي يريد المدح، وفي هذه الأرجوزة: براق أصلاد الجبين الأجله يريد الأجلح، والعرب تقول: جلح الرجل جلحاً، وجله يجله جلهاً، وجلي يجلي جلى،
والمعنى واحد، قال العجاج: مع الجلا ولائح القتير ومثل بيت الحسن وكلام النعمان قول عمرو بن معد يكرب: كأن محرشاً في بيت سعدي يعل بعيبها عندي شـفـيع وفي قصيدة الحسن هذه: إن جـئت لـم تــأت وإن لـــم أجـــئ جئت، فـهـذا مـــنـــك لـــي داب! كأنما أنت
وإن كنت لاتكذب في الميعاد كذاب وهذا كلام طريف. ومن حسن تشبيه المحدثين قول بشار بن برد العقيلي : وكأن تحت لسـانـهـا هاروت ينفث فيه سحرا وتخال ما جمعت علـيه بنانها ذهبـاً وعـطـرا وهذا التشبيه الجامع. ونظيره في جمع شيئين لمعنيين ما ذكرت لك من
قول مسلم بن الوليد: كأن فيسرجه بدراً وضرغاما ومن حسن التشبيه من قول المحدثين قول عباس بن الأحنف: أحرم منكم بما أقـول وقـد نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نصبـت تضيء للناس وهي تحترق فهذا حسن في هذا جداً. ومن حسن ما قالوا
في التشبيه قول إسماعيل بن القاسم، أبي العتاهية للرشيد: أمين الله أمنك خـير أمـن عليك من التقى فيه لبـاس تساس من السماء بكل فضل وأنت به تسوس كما تساس كأن الخلق ركب فيه روح له جسد وأنت علـيه راس وقد أخذ هذا المعنى علي بن
جبلة، فقال في مدحه حميد بن عبد الحميد، وزاد في الشرح والترتيب، فقال: يرتق مـا يفـتـق أعـداؤه وليس يأسو فـتـقة آسـي فالناس حسم وإمام الـهـدى رأس وأنت العين في الراس والعرب تختصر في التشبيه، وربما أومأت به إيماء، قال أحد الرجاز: بتنا بـحـسـان ومـعـاه تـئط
ما زلت أسعى بينهم وألـتـبـط حتى إذا كاد الظـلام يخـتـلـط جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط! يقول في لون الذئب، واللبن إذا جهد بالماء ضرب إلى الغبرة، وأنشد الأصمعي: وتشربه محضاً وتسقي عيالها سجاجاً كأقراب الثعالب أورقا السجاج: الرقيق الممذوق. والقربان: الجنبان، والواحد قرب، والجميع
أقراب ، من ذلك قول عمر بن الخطاب رحمه الله لرسول الله ﷺ وقد شاور في رجل جنى جناية، وجاء قومه يشفعون له، فشفع له قوم آخرون، فقال له عمر: يا رسول الله، أرى أن توجع قربيه، فقال القوم: يا رسول الله، إنك لن تشتد
على أمتك بقول عمر: فنزل إليه جبرائيل عليه السلام فقال له ثلاثاً: يا محمد، القول قول عمر، شد الإسلام بعمر. فخرج رسول الله ﷺ فضرب الرجل. والأورق: لون بين الخضرة والسواد، يقال: جمل أورق بين الورقة، وهو الأم ألوان الإبل عند العرب وأطيبها لحماً. ومن