أن يكون للإطراق والتشدد. ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا لقيتم القوم فاجمعوا القلوب وعضوا على النواجذ، فإن ذلك ينبي السيوف عن الهام. ثم نعود إلى التشبيه. قال الراجز : كأنها حين بناها الـبـاس جنية في رأسها أمـراس
بها سكون وبها شـمـاس يخرج منها الحجر الكباس يمر لا يحبسـه حـبـاس لا نافذ الطعن ولا تـراس
يصف المنجنيق. والأمراس: الحبال، والواحد مرس . والكباس: الضخم. يقال: هامة كبساء يا فتى؛ ورأس أكبس. والحباس: الذي من شأنه أن يحبس. يقال: رجل ضارب للذي يضرب، كثيراً كان منه ذلك أو قليلاً، فإذا قلت: ضراب وقتال، فإنما يكثر الفعل، ولا يكون للقليل. قال الراجز:
أخضر من معدن ذي قساس كأنه في الحيد ذي الأضراس يرمى به في البلد الدهـاس يصف معولاً. وذو قساس: معدن للحديد الجيد، وهو يقرب من بلاد بني أسد. والحيد: ما أشرف من الجبل أو غير ذلك، يقال للطنف حيد، وهو الذي يسميه أهل الحضر الإفريز؛
يقال طنف حائطك، ويقال للناتئ في وسط الكتف: حيد وعير، وكذا الناتئ في القدم. وقوله: ذي الأضراس يريد الموضع الضرس الخشن ذا الحجارة. فيقول: هذا المعوللحدته يقع في الخشونة فيهدمها كما يهدم الدهاس. والدهاس: ما لآن من الرمل. قال دريد بن الصمة في يوم حنين:
أين مجتلد القوم? فقالوا: بأوطاس . فقال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس ، ولا لين دهس! وقال العجاج يصف حماراً: كأن في فيه إذا ما شحجـا عوداً دوين اللهوات مولجا هذا يصف العير الوحشي الذي قد أسن تراه لا يشتد نهيقه، وكأنه يعالجه علاجاً.
قال الشماخ: إذا رجع التعشير شجاً كأنـه بناجذه من خلف قارحه شجي فأما قول عنترة: بركت على ماء الرداع كأنـمـا بركت على قصب أجش مهضم فإنما يصف الناقة ويذكر حنينها. يقال إنه يخرج منها كأشجى صوت، فإنما شبهه بالزمير، وأراد القصب الذي يزمر به. قال
الأصمعي: هو الذي يقال له بالفارسية ناي. قال الراعي يصف الحادي: زجل الحداء كأن في حيزومه قصباً ومقنعة الحنين عجولا المقنع: الرافع رأسه، في هذا الموضع، ويقال في غيره: الذي يحط رأسه استخذاء وندماً؛ قال الله جل وعز: " مقنعي رؤوسهم " " إبراهيم: 43
". ومن قال هو الرافع رأسه: فتأويله عندنا أن يتطاول فينظر ثم يطأطئ رأسه، فهو بعد يرجع إلى الإغضاء والإنكسار. والبعير يحن كأشد الحنين إلى ألافه إذا أخذ من القطيع. قال: وأكثر ما يحن عند العطش. قال الشاعر : وتفرقوا بعد الجميع لـنـية لا بد
أن يتفرق الـجـيران لا تصبر الإبل الجلاد تفرقت بعد الجميع ويصبر الإنسان وقال آخر: وهل ريبة في أن تحن نجيبة إلى إلفها أو أن يحن نجيب! وإذا رجعت الحنين كان ذلك أحسن صوت يهتاج له المفارقون، كما يهتاجون لنوح الحمام، ولالتياح البروق. وقال عوف بن
محلم، وسمع نوح حمامة: ألا يا حـمــام الأيك إلـــفـــك حـــاضـــر وغـصـنـك مـــياد فـــفـــيم تـــنـــوح أفق لا تنح من غير شيء فإنني بكيت زماناً والفؤاد صحيح ولوعا فشطت غربة دار زينب فهـا أنـا أبــكـــي والـــفـــؤاد قـــريح! وكل مطوقة عند لعرب حمامة، كالدبسي والقمري والورشان، وما أشبه
ذلك؛ قال حميد بن ثور: وما هاج هذا الشوق إلا حمـامة دعت ساق حر ترحة وترنـمـا إذا شئت غنتني بأجـزاع بـيشة أو النخل من تثليث أو بيلملـمـا مطوقة خطباء تسجع كـلـمـا دنا الصيف وانجال الربيع فأنجما محلاة طوق لم يكن من تمـيمة ولا ضرب صواغ
بكفيه درهما تغنت على غصن عشاء فلم تدع لنائحة في شجوها متـلـومـا إذا حركته الريح أو مـال مـيلة تغنت عليه مـائلاً ومـقـومـا عجبت لها أنى يكون غنـاؤهـا فصيحاً ولم تفغر بمنطقها فمـا! فلما أر مثلي شاقه صوت مثلهـا ولا عربيا شاقه صوت أعجمـا وقال ابن
الرقاع وذكر حمامة: قال أبو الحسن الأخفش: الصحيح أنه لنصيب: ومما شجاني أنني كنـت نـائمـاً أعلل من برد الكرى بالتـنـسـم إلى أن بكت ورقاء في غصن أيكة تردد مبكاها بحسـن الـتـرنـم فلو قبل مبكاها بكـيت صـبـابة بليلى شفيت النفس قبل الـتـنـدم ولكن بكت قبلي فهاج
لي البـكـا بكاها فقلت الفضل للـمـتـقـدم
أما قول حميد دعت ساق حر فإنما حكى صوتها، ويقال للواحد ذكراً كان أو أنثى: حمامة، والجمع الحمام، والحمامات، فإذا كان ذكراً قلت هذا حمامة، وإذا كانت أنثى قلت هذه حمامة. وكذلك هذا بطة وهذه بطة. ويقال بقرة للذكر والأنثى، ودجاجة لهما، فإذا قلت: ثور،
أو ديك بينت الذكر، واستغنيت عن تقديم التذكير. ويقال للحمامة: تغنت وناحت، وذاك أنه صوت حسن غير مفهوم، فيشبه مرة بهذا ومرة بهذا، قال قيس بن معاذ: ولو لم يشقني الظاعنون لشاقنـي حمائم ورق في الـديار وقـوع تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى نوائح ما
تجري لـهـن دمـوع وقوله: وانجال الربيع يقال؛ انجال عنا، أي أقلع، ومثل ذلك أنجم عنا. وإن قلت: أثجم فمعناه لزم ووقع، فهو خلاف أنجم. وإن قلت: انجاب فمعناه انشق. يقال: المجوب للحديدة التي يثقب بها المسيب. ويقال: جبت البلاد أي دخلتها وطوقتها. وفي القرآن: "
وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " " الفجر: 9 " أي شقوه. وقوله: لم يكن من تميمة التميمة المعاذة وقد مضى هذا. وقوله: وما تفغر بمنطقها فما. يقول: لم تفتح. يقال: فغرفاه. إذا فتحه . وقوله: ولا عربياً شاقه صوت أعجما يقول: لم أفهم ما
قالت، ولكني استحسنت صوتها واستحزنته، فحننت له. ويروى أن بعض الصالحين كان يسمع الفارسية تنوح ولا يدري ما تقول. فيبكيه ذلك ويرققه. ويذكر به غي ما قصدت له. قال أبو العباس: وحدثت أن بعض المحدثين سمع غناء بخراسان بالفارسية فلم يدر ما هو. غير أنه
شوقه لشجاه وحسنه. فقال في ذلك: حمدتك ليلة شرفت وطابت أقام سهادها ومضى كراها سمعت بها غناء كان أولى بأن يقتاد نفسي من غناهـا الغناء، الأول: المدود من الصوت. والذي ذكره بعد في القافية: من المال مقصور: ومسمعه يحار السمع فـيهـا ولا تصممه لا يصمم
صداها مرت أوتارها فشفت وشاقت فلو يسطيع حاسدها فداهـا ولم أفهم معانـيهـا ولـكـن ورت كبدي فلم أجهل شجاها فكنت كأنني أعمى معـنـى بحب الغانيات ومـا يراهـا وقال عبد بني الحسحاس: وراهن ربي مثل ما قد ورينني وأحمى على أكبادهن المكاويا قال أبو العباس: والشيء يذكر
بالشيء وإن كان دونه فنجري لاحتواء الباب والمعنى عليهما. وفي شعر حميد هذا ما هو أحكم مما ذكرنا وأوعظ، وأحرى أن يمثل به الأشراف، وتسود به الصحف، وهو قوله: أرى بصري قد رابني بعد صحة وحسبك داء أن تصح وتسلمـا ولا يلبث العصـران يوم ولـيلة
إذا طلبا أن يدركا ما تـيمـمـا ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: " كفى بالسلامة داء " . ثم نرجع إلى التشبيه. قال أبو العباس: والعرب تشبه على أربعة أضرب: فتشبيه مفرط، وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه بعيد يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه: وهو
أخشن الكلام. فمن التشبيه المفرط المتجاوز، قولهم للسخي: هو كالبحر. وللشجاع: هو كالأسد. وللشريف: سما حتى بلغ النجم. ثم زادوا فوق ذلك. من ذاك قول بعضهم وهو بكر بن النطاح، يقوله لأبي دلف القاسم بن عيسى: له همم لا منتهـى لـكـبـارهـا وهمته الصغرى أجل من
الدهـر له راحة لو أن معشـار جـودهـا على البر صار البر أندى من البحر ولو أن خلق الله في مسك فـارس وبارزه كان الخلي من الـعـمـر وقد قيل: إن امرأة عمران بن حطان قالت له: أما زعمت أنك لم تكذب في شعر قط! قال: أو
فعلت? قالت: أنت القائل: فهناك مجزأة بـن ثـو ر كان أشجع من أسامة أفيكون رجل أشجع من الأسد! قال: فقال: أنا رأيت مجزأة بن ثور فتح مدينة، والأسد لا يفتح مدينة. ومن عجيب التشبيه في إفراط، غير أنه خرج من كلام جيد وعني به رجل
جليل، فخرج من باب الاحتمال إلى باب الاستحسان، ثم جعل لجودة ألفاظه وحسن رصفه، واستواء نظمه، في غاية ما يستحسن قول النابغة يعني حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري: يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم وكيف بحصن والجبال جنوح
ولم تلفظ الموتى القبور ولم تزل نجوم السماء والأديم صـحـيح فعما قلـيل ثـم جـاء نـعـيه فظل ندي الحي وهـو ينـوح ومن تشبيههم المتجاوز الجيد النظم ما قد ذكرناه، وهو قول أبي الطمحان القيني: أضاءت لهم أحسابهم ووجوههـم دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ويروى عن
الأصمعي أنه رأى رجلاً يختال في أزير في يوم قر في مشيته. فقال له: ممن أنت يا مقرور? فقال: أنا ابن الوحيد، أمشي الخيزلى ، ويدفئني حسبي. وقيل لآخر في هذه الحال: أما يوجعك البرد? فقال: بلى والله، ولكن أذكر حسبي فأدفأ. وأصوب منهما قول
العريان الذي سئل في يوم قر عما يجد، فقال: ما علي منه كبير مؤونة. فقيل : وكيف ذلك ? فقال: دام بي العري، فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم! ومن التشبيه القاصد الصحيح، قول النابغة: وعيد أبي قابوس في غير كنهه أتاني ودوني راكس فالضواجع فبت
كأني ساورتنـي ضـئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع يسهد من نوم العشاء سليمـهـا لحلي النساء في يديه قعـاقـع تناذرها الراقون من سوء سمها تطلقه طوراً وطوراً تراجـع فهذه صفة الخائف المهموم. ومثل ذلك قول الآخر : تبيت الهموم الطارقات يعـدنـنـي كما تعتري الأوصاب رأس
المطلق والمطلق هو الذي ذكره النابغة في قوله: تطلقه طوراً وطوراص تراجع وذاك أن المنهوش إذا ألح الوجع به تارة، وأمسك عنه تارة، فقد قارب أن يوأس من برئه. وإنما ذكر خوفه من النعمان وما يعتريه من لوعة، في إثر لوعة، والفترة بينهما، والخائف لا
ينام إلا غراراً، فلذلك شبهه بالملدوغ المسهد. وقوله: لحلي النساء في يديه قعاقع لأنهم كانوا يعلقون حلي النساء على الملدوغ. يزعمون أن ذلك من أسباب البرء، لأنه يسمع تقعقعها النوم فلا ينام، فيدب السم فيه. ويسهد لذلك. وقال الآخر: كأن فجاج الأرض وهي عريضة على
الخائف المطلوب كفة حابل يؤتـى إلـيه أن كـل ثـنــية تيممها ترمـي إلـيه بـقـاتـل يقال لكل مستطيل كفة. يقال كفة الثوب لحاشيته، وكفة الحابل، إذا كانت مستطيلة. ويقال لكل شيء مستدير كفة، ويقال: ضعه في كفة الميزان، فهذه جملة هذا وكفة الحابل، يعني صاحب الحبالة التي
ينصبها للصيد. وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه، فكقوله: بل لو رأتني أخت جيراننـا إذ أنا في الدار كأني حمار فإما أراد الصحة، فهذا بعيد، لأن السامع إنما يستدل عليه بغيره. وقال الله جل وعز وهذا البين الواضح: " كمثل الحمار يحمل أسفارا "
" الجمعة: 5 " والسفر الكتاب، وقال: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار " " الجمعة: 5 " في أنهم قد تعاموا عنها. وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها، حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها. وهجا مروان بن
سليمان بن يحيى بن أبي حفصة قوماً من رواة الشعر بأنهم لا يعلمون ما هو، على كثرة استكثارهم روايته، فقال: زوامل للأشعار لا علم عندهـم بجيدها إلا كعـلـم الأبـاعـر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر والتشبيه كما ذكرنا من
أكثر كلام الناس. وقد وقع على ألسن الناس والرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحد السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضة، والساق بالجمار . فهذا كلام جار على الألسن: وقد قال سراقة بن مالك بن جعشم: فرأيت رسول الله ﷺ وساقاه ناديتان
في غرزه كأنهما جمارتان، فأرده فوقعت في مقنب من خيل الأنصار، فقرعوني بالرماح، وقالوا: أين تريد? وقال كعب بن مالك الأنصاري: وكان رسول الله ﷺ إذا سر تبلج وجهه فصار كأنه البدر. وعين الإنسان مشبهة بعين الظبي والبقرة في كلامهم المنثور، وشعرهم المنظوم، من جاري
ما تكلمت به العرب، وكثر في أشعارها، قال الشاعر : فعيناك عيناها وجيدك جيدهـا ولكن عظم الساق منك رقيق وقال ذو الرمة:
أرى فيك من خرقاء يا ظبية اللوى مشابه جنبت اعتلاق الـحـبـائل فعيناك عيناها وجـيدك جـيدهـا ولونك إلا أنهـا غـير عـاطـل وقال آخر : فلم ترعيني مثل سـرب رأيتـه خرجن علينا من زقاق ابن واقف طلعن بأعناق الظبـاء أعـين ال جآذر وامتدت بهـن الـروادف ويقال للخطيب: