مختارات النثر والشعر واللغة في طبعة رقمية من النص التراثي المتاح. هذه النسخة تضم 1 نصًا من النطاق المبين في سجل المصادر.
الجزء السادس
من تشبيهات المحدثين ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار: كأن فؤاده كـرة تـنـزى حذار البين إن نفع الحذار يروعه السرار بكل أمـر مخافة أن يكون به السرار وفي هذه القصيدة: جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونها عنهـا قـصـار أقول وليلتـي تـزداد طـولاً أما لليل
بـعـدهـم نـهـار وقال الحسن بن هانئ في صفة الخمر: فإذا ما لمسـتـهـا فـهـبـاء يمنع اللمس ما يبيح العأن يكونا في كؤوس كأنـهـن نـجـوم جاريات، بـروجـهـا أيدينـا طالعات مع السقـاة عـلـينـا فإذا ما غربن يغربـن فـينـا فهذه قطعة من التشبيه غاية، على سخف كلام المحدثين. وقال
الحنفي: وهو إسحاق بن خلف في صفة السيف: ألقى بجانـب خـصـره أمضى من الأجل المتاح وكأنـمـا در الـهـبـا ء عليه أنفاس الـرياح وقال دعبل بن علي في صفة المصلوب : لم أر صفاً مثل صف الزط تسعين منهم صلبوا في خط من كل عال جذعه
بالشـط كأن في جذعه المشـتـط أخو نعاس جد في التمطـي قد خامر النوم ولـم يغـط وقال يزيد المهلبي في مثله : قام ولما يستعن بسـاقـه آلف مثواه على فراقـه كأنما يضحك في أشداقه
أراد بياض الشريط في فيه. وقال أعرابي في صفة مصلوب، وهو الأخطل: قال أبو الحسن: الأخطل الذي يعني رجل محدث من أهل البصرة، ويعرف بالأخيطل، ويلقب ببرقوقا، وذكر أبو الحسن أن أبا العباس كان يدلس به: كأنه عاشق قد مد سفـحـتـه يوم الفراق إلى توديعه
مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثـتـه مواصل لتميه من الـكـسـل وقال مسلم بن الوليد: وضعت حيث ترتاب الرياح به وتحسد الطير فيه أضبع البلد وقال حبيب بن أوس قال أبو الحسن: يعني به إسحاق بن إبراهيم الطاهري: قد تقلصت شفتاه من حفيظتـه فخيل من
شدة التقليص مبتسما وقال أيضاً في رجل ينسبه إلى الدعوة : وتنقل من معشر في معشر فكأن أمك أو أباك الزئبق يقال: زئبق، وزئبر، مهموزان، ودرهم مزأبق، وثوب مزأبر . ومن إفراط التشبيه قول أبي خراش الهذالي يصف سرعة أبيه في العدو: كأنهـم يسـعـون فـي
إثـر طـائر خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض يبادر جنح اللـيل فـهـو مـهـابـد يحث الجناح بالتبسـط والـقـبـض وقال أوس بن حجر قال أبو الحسن: أهل الكوفة يرونها لعبيد بن الأبرص: كأن ريقتها بعد الكرى اغتبـقـت من ماء أدكن في الحانوت نضاح أو من معتقة ورهاء
نشـوتـهـا أو من أنابيب رمـان وتـفـاح وقال ابن عبدل يهجو رجلاً بالبخر: نكهت علي نكهة أخدري شتيم شابك الأنياب ورد وفي هذا الشعر: فما يدنو إلى فـيه ذبـاب ولو طليت مشافره بقنـد يرين حلاوة ويخفن موتاً وشيكاً إن هممن له بورد والذباب: الواحد من الذبان،
وأدنى العدد فيه أذبة، والكثير الذبان؛ ولكنه ذكر واحداً ثم خبر عن سائر الجنس، والأسد أنتن السباع فماً، كما أن الصقر أنتن الطير فماً. قال بعض المحدثين في رجل يهجوه، والمهجو داود بن بكر، وكان ولي الأهواز وفارس، والشعر لأبي الشمقمق: وله لـحـية تـيس وله
منقار نـسـر وله نـكـهة لـيث خالطت نحهة صقر وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عائشة: من يكـن إبـطـه كـآبـــاط ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح لي إبطان يرمـيان جـلـيسـي بشبيه السـلاح أو بـالـسـلاح فكأني مـن نـتـن هـذا وهـذا جالس بين مصعـب وصـبـاح يعني
مصعب بن عبد الله الزبيري، وصباح بن خاقان المنقري - وكانا جليسين - لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين، لا يكادان يتصارمان. فحدثت أن أحمد بن هشام لقيهما يوماً، فقال: أما سمعتما ما قال فيكما هذا? يعني إسحاق بن الموصلي، فقالا: ما قال فينا إلا خيراً،
قال: قال: لام فيها مصعب وصباح فعصينا مصعباً وصباحا وأبينا غير سعي إلـيهـا فاسترحنا منهما واستراحا قال: ما قال إلا خيراً، ولكن . المكروة ما قال فيك، إذ يقول: وصافية تعشي العيون رقـيقة رهينة عام في الدنـان وعـام أدرنا بها الكأس الروية موهنـاً من الليل
حتى انجاب كل ظلام فما ذر قرن الشمس حتى كأننا من العي نحكي أحمد بن هشام واعمل أن للتشبيه حداً؛ لأن الأشياء تشابه من وجوه، وتباين من وجوه؛ فإنما ينظر إلى التشبيه من أين وقع ، فإذا شبه الوجه بالشمس والقمر فإنما يراد به الضياء
والرونق، ولا يراد به العظم والإحراق. قال الله جل وعز: " كأنهن بيض مكنون " " الصافات: 49 "، والعرب تشبه النساء ببيض النعام، تريد نقاءه ورقة لونه ، قال الراعي: كأن بيض نعام في ملاحفها إذا اجتلاهن قيظ ليله ومد وقيل للأوسية - وهي
امرأة حكيمة في العرب - بحضرة عمر بن الخطاب رحمه الله: أي منظر أحسن? فقالت: قصور بيض، في حدائق خضر، فأنشد عمر بن الخطاب لعدي بن زيد: كدمى العاج في المحاريب أو كالبيض في الروض زهره مستنير وقال آخر: كالبيض في الأدحي يلمع بالضحى فالحسن
حسن والنـعـيم نـعـيم وقال جرير:
ما استوصف الناس من شيء يروقهم إلا رأوا أم نوح فوق ما وصـفـوا كأنـهـا مـزنة غـــراء رائحة أو درة ما يواري ضوءها الصدف المزنة: السحابة البيضاء خاصة، وجمعها مزن، قال الله جل وعز: ءأنتم أنزلتموه من المزن " " الواقعة: 69 "؛ فالمرأة تشبه بالسحابة
لتهاديها وسهولة مرها، قال الأعشى: كأن مشيتها من بيت جارتهـا مر السحابة لا ريث ولا عجل الريث: الإبطاء، فهذا ما تلحقه العين منها، فأما الخفة فهي كأسرع مار، وإن خفي ذلك على البصر، قال الله جل وعز: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر
السحاب " " النمل: 88". والعرب تشبه المرأة بالشمس، والقمر، والغصن، والكثيب ، والغزال، والبقرة الوحشية، والسحابة البيضاء، والدرة، والبيضة؛ وإنما تقصد من كل شيء إلى شيء. قال ذو الرمة: ومية أحسن الثقلـين جـيداً وسالفة وأحسنهـم قـذالا فلم أر مثلها نظراً وعـينـاً ولا أم الغزال
ولا الغزالا تريك بياض غرتها ووجهاً كقرن الشمس أفتق ثم زالا أصاب خصاصة فبدا كليلاً كلا وانغل سائره انغـلالا الجيد: العنق، والسالفة: ناحية العنق، والقذالان: ناحيتا القفا من الرأس. وقوله: أفتق ثم زالا، يقال: أفتق السحاب، إذا انكشف انكشافة فكانت منه فرجة يسيرة بين السحابتين.
تقول العرب: دام علينا الغيم ثم أفتقنا، وإذا نظر إلى الشمس والقمر من فتق السحاب فهو أحسن ما يكون وأشده استنارة. وقوله: كلا يريد في سرعة ما بدا ثم غاب. وقال الله عز وجل: " كأنهن الياقوت والمرجان " " الرحمن: 58 "، وقال تبارك
وتعالى: "كأمثال اللؤلؤ المكنون " " الواقعة: 23 ". والمكنون: المصون، يقال: كننت الشي، إذا صنته. وأكننته، إذا أخفيته، فهذا المعروف، قال الله تبارك وتعالى: " أو كننتم في أنفسكم " " البقرة: 235 " وقد يقال: كننته، أخفيته. وقد قال جرير في يزيد بن
عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن سفيان: الحزم والجود والإيمان قد نزلوا على يزيد أمين الله فاحتلفـوا ضخم الدسيعة والإيمان، غرته كالبدر ليلة كاد الشهر ينتصف وقال ذو الرمة: فيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا آأنت أم أم سالـم وقال ابن
أبي ربيعة: أبصرتها ليلة ونـسـوتـهـا يمشين بين المقام والحـجـر يرفلن في الريط والمروط كما تمشي الهوينى سواكن البقـر فهذه تشبيهات غريبات مفهومة. وقال أبو عبد الرحمن العطوي : قد رأينا الغزال والغصن النجمـين شمس الضحـى وبـدر الـظـلام فوحق الـبـيان يعـضـده الـبـر هان مـاقـط ألـد الـخـصـام
ما رأينا سـوى الـحـبـيبة شـيئاً جمع الحسن كلـه فـي نـظـام فهي تجري مجرى الأصالة في الرأ ي ومجرى الأرواح في الأجسـام البرهان: الحجة، قال الله عز وجل: " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " " البقرة: 111 " أي حججكم. والماقط: موضع الحرب، فضربه
مثلاً لموضع المناظرة والمحاجة. والألد: الشديد الخصومة، قال الله تبارك وتعالى: " وتنذر به قوماً لداً " " مريم: 97 "، وقال: " وهو ألد الخصام " " البقرة: 204 ". وقالت ليلى الأخيلية : كأن فتى الفتيان توبة لـم ينـخ بنجد ولم يطلع مع
المتغـور ولم يقدع الخصم الألد ويملأ ال جفان سديفاً يوم نكباء صرصر السديف: شقق السنام. الرياح ومواقعها والنكباء: الريح بين الريحين، لأن الرياح أربع، وما بين كل ريحين نكباء، فهي ثمان في المعنى. فما بين مطلع سهيل إلى مطلع الفجر جنوب، وإنما تأتي الجنوب من
قبل اليمن، قال جرير: وحبذا نفحات من يمـانـية تأتيك من جبل الريان أحيانا وإذا هبت من تلقاء الفجر فهي الصبا تقابل القبلة، فالعرب تسميها القبول، قال الشاعر : إذا قلت هذا حين أسلو يهيجنـي نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر وإذا أتت من قبل الشأم
فهي شمال، قال الفرزدق:
مستقبلين شمال الشأم تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور وهي تقابل الجنوب، وكذلك قال امرؤ القيس: فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمـأل وإذا جاءت من دبر البيت الحرام فهي الدبور، وهي تهب بشدة، والعرب تسميها محوة، عن أبي زيد، لأنها تمحو السحاب.
ومحوة معرفة لا تنصرف، فأما الأصمعي فزعم أن محوة من أسماء الشمال. وأنشدا جميعاً: قد بكرت محوة بالعجاج فدمرت بقية الرجـاج الرجاج: حاشية الإبل وضعافها. وقال الأعشى: لها زجل كحفيف الحصـا د صادف بالليل ريحاً دبورا ولهذه الرياح أسماء كثيرة، وأحكام في العربية، لأن بعضهم
يجعلها نعوتاً، وبعضهم يجعلها أسماء، وكذلك مصادرها تحتاج إلى الشرح والتفسير، ونحن ذاكرون ذلك في عقب هذا الباب، إن شاء الله. يقال: جنبت الريح جنوباً، وشملت شمولاً، ودبرت دبوراً، وصبت صبواً، وسمت سموماً، وحرت حروراً، مضمومات الأوائل. فإذا أردت الأسماء فتحت أوائلها، فقلت: جنوب، وشمول،
وسموم، ودبور، وحرور. ولم يأت من المصادر شيء مفتوح الأول، إلا أشياء يسيرة، قالوا: توضأت وضوءاً حسناً، وتطهرت طهوراً، وأولعت بالشيء ولوعاً، وإن عليه لقبولا، ووقدت النار وقوداً، وأكثرهم يجعل الوقود الحطب، والوقود المصدر. ويقال: الشمال، على لغات ست، يقال: شمال، وشمأل، وشمال، وشمل وشمل،
وشامل، غير مهموز. ويقال للشمال: الجربياء، قال ابن أحمر: بجو م قساً ذفر الخزامى تداعى الجربياء به الحنينا ويقال للجنوب: الأزيب. ويقال للصبا: القبول، وبعضهم يجعله للجنوب، وهو في الصبا أشهر، بل هو القول الصحيح. والإير، والهير، والأير، والهير، قال الشاعر: مطاعيم أيسار إلى الهير
هبت فهذا يدل على أنه الصبا، وذاك أنهم إنما يتمدحون بالإطعام في المشتاة . وشدة الزمان، كما قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتـفـر الجفلى: العامة، والنقرى: الخاصة، والآدب: صاحبة المأدبة. يقال: مأدبة ومأدبة للدعوة. وفي الحديث: " إن القرآن
مأدبة الله ". قال أهل العلم: معناه مدعاة الله، وليس من الأدب. وأكثر المفسرين قالوا القول الأول، وكلاهما في العربية جائز ويدل على القول الأول قول رسول الله ﷺ : " أنا الجفنة الغراء "، أي التي يجتمع الناس عليها ويدعون إليه، ويقال في الدعوة:
أدبه يأدبه أدباً، إذا دعاه، قال الشاعر: وما أصبح الضحاك إلا كخالع عصانا فأرسلنا المنية تأدبـه وقولنا في الرياح: إنها تكو أسماء ونعوتاً نفسره إن شاء الله. يقول أكثر العرب: هذه ريح جنوب، وريح شمال، وريح دبور، فتجعل جنوباً، وشمالاً، ودبوراً، وسائر الرياح نعوتاً. قال
الأعشى: لها زجل كحفيف الحصـا د صادف بالليل ريحاً دبورا وقال زهير: مكلل بأصول النبت تنسـجـه ريح شمال لضاحي مائه حبك وقال جرير: ريح خريق شمال أو يمانية فهذا يكون على النعت أجود، لأنه أوضحه بيمانية، ولا تكون اليمانية إلا نعتاً، لأنها منسوبة؛ فأما الخريق
فهي الشديدة من كل ريح، قال حميد بن ثور: بمثوى حرام والمطي كأنه قناً مسند هبت لهن خريق والبليل: الباردة من كل ريح . وأصل ذلك الشمال. لجرير في بني مجاشع قل جرير يعير بني مجاشع لخذلانهم الزبير بن العوام، في كلمة يقول فيها: إني
تذكرني الزبـير حـمـامة تدعو بأعلى الأيكـتـين هـديلا يا لهف نفسي إذ يغرك حبلـهـم هلا اتخذت على القيون كفـيلا قالت قريش ما أذل مجاشـعـاً جاراً وأكرم ذا القتيل قـتـيلا! أفبعد مترككم خلـيل مـحـمـد ترجو القيون مع الرسول سبيلا! أفتى الندى وفتى الطعان غررتم وأخا الشمال إذا
تهـت بـلـيلا
ويرى أن أحيحة بن الجلاح الأنصاري - وكان يبخل - كان إذا هبت الصبا طلع من أطمه . فنظر إلى احية هبوبها. ثم يقول لها هبي هبوبك. فقد أعددت لك ثلثمائة وستين صاعاً من عجوة. أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات، فيرد علي منها ثلاثاً،
أي لصلابتها، بعد جهد ما يلوك منها اثنتين. من أخبار لبيد بن ربيعة وكان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب شريفاً في الجاهلية والإسلام. قد نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي. فهبت في الإسلام ، وهو بالكوفة مقتر مملق،



