مزمل أبان جبل. وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض. قال المهلهل - وكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج. وجنب حي من أحيائهم وضيع - فخطبت ابنته ومهرت أدما. فلم يقدر على الامتناع،
فزوجها، وقال: أنكحها فقدها الأراقم فـي جنب وكان الحباء من أدم لو بأبانين جاء يخطـبـهـا ضرج من أنف خاطب بدم وقوله: في أفانين ودقه يريد ضروباً من ودقه. والودق: المطر. قال الله تبارك وتعالى: " فترى الودق يخرج من خلاله " " النور: 43 ".
وقال عامر بن جوين الطائي: فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها وقوله: كبير أناس في بجاز مزمل يريد مزملاً بثيابه. قال الله تبارك وتعالى: " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا " " المزمل: 1-2". وهو المتزمل بثيابه . والتاء مدغمة في
الزاي. وإنما وصف امرؤ القيس الغيث. فقال قوم: أراد أن المطر قد خنق الجبل فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل. وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت. وكلاهما حسن. وذكر الودق لأن تلك الخضرة من عمله. وقال الراجز يصف غيماً: أقبل في
المستن من ربابه أسنمة الآمال في سحابه أراد أن ذلك السحاب، ينبت ما تأكله الإبل، فتصير شحومها في أسنمتها. والرباب سحاب دوين المعظم من السحاب، قال المازني : كأن الرباب دوين السحاب نعام يعلـق بـالأرجـل وقوله جل وعز: " إني أراني أعصر خمراً " "
يوسف: 36 ". أي أعصر عنباً فيصير إلى هذه الحال. وقال زهير: كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطـم الفنا: شجر بعينه، يثمر ثمراً أحمر ثم يتفرق في هيئة النبق الصغار، فهذا من أحسن التشبيه. وإنما وصف ما يسقط من
أنماطهن إذا نزلن. والعهن: الصوف الملون في قول أكثر أهل اللغة. وأما الأصمعي فقال: كل صوف عهن. وكذلك قال أهل اللغة: الحنتم الخزف الأخضر. وقال الأصمعي: كل خزف حنتم. قال القرشي : من مبلغ الحسناء أن حليلـهـا بميسان يسقى في زجاج وحنتم
وقال جرير: ما في مقام ديار تغلب مسجد وبها كنائس حنتـم ودنـان والتشبيه جار كثيراً في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم، لم يبعد. قال الله عز وجل وله المثل الأعلى: " الزجاجة كأنها كوكب دري " " النور: 35 ". وقال:
" طلعها كأنه رءوس الشياطين " " الصافات: 65 ". وقد اعترض معترض من الجهالة الملحدين، في هذه الآية. فقال: إنما يمثل الغائب بالحاضر، ورؤوس الشياطين لم نرها، فكيف يقع التمثيل بها! وهؤلاء في هذا القول كما قال الله جل وعز: " بل كذبوا بما
لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله" " يونس: 39 ". وهذه الآية قد جاء تفسيرها على ضربين : أحدهما، أن شجراً يقال له الأستن ، منكر الصورة يقال لثمره: رؤوس الشياطين، وهو الذي ذكره النابغة في قوله: تحيد عن أستن سود أسافله وزعم الأصمعي أن
هذا الشجر يسمى الصوم. والقولم الآخر - وهو الذي يسبق إلى القلب - أن الله جل ذكره شنع صورة الشياطين في قلوب العباد. فكان ذلك أبلغ من المعاينة، ثم مثل هذه الشجرة مما تنفر منه كل نفس. حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد
الملك قال أبو العباس: وحدثت في إسناد متصل أن أبا النجم العجلي أنشد هشاماً : والشمس قد صارت كعين الأحول لما ذهب به الروي عن الفكر في عين هشام، فأغضبه، فأمر بطرده، فطرد . فأمل أبو النجم رجعته. فكان يأوي المسجد ، فأرق هشام ذات
ليلة، فقال لحاجبه: ابغني رجلاً عربياً فصيحاً يحادثني وينشدني. فطلب له ما طلب، فوقف على أبي النجم، فأتى. فلما دخل به إليه قال: أين تكون منذ أقصيناك? قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك? قال: رجلين. كلبياً وتغلبياً. أتغدى عند أحدهما، وأتعشى عند
الآخر، فقال له: مالك من الولد? قال: ابنتان. قال: أزوجتهما? قال: زوجت إحداهما. قال: فيم أوصيتها? قال قلت لها ليلة أهديتها: سبي الحماة وابهتي علـيهـا وإن أبت فازدلفي إلـيهـا ثم اقترعي بالود مرفقـيهـا وجددي الحلف به علـيهـا لا تخبري الدهر بذاك ابنيها قال: أفأوصيتها بغير
هذا? قال: نعم، قالت: أوصيت من برة قلباً حمرا بالكلب خيراً والحماة شرا لا تسأمي نهكاً لها وضرا والحي عميهم بشر طرا وإن كسوك ذهـبـاً ودرا حتى يروا حلو الحياة مرا قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا
بنتي كولده، قال: فما حال الأخرى? قال: قد درجت بين بيوت الحي، وتنفعنا في الرسالة والحاجة، قال: فما قلت فيها? قال: قلت: كأن ظـلامة أخـت شـيبـان يتـيمة ووالـداهـا حــيان الرأس قمل كلـه وصـئبـان وليس في الرجلين إلا خيطان فهي التي يذعر منها الشيطان قال: فقال
هشام: يا غلام ، ما فعلت بالدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها? قال: ها هي عندي، ووزنها خمسمائة، قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين، أفلا تراه قال: فهث التي يذعر منها الشيطان وإن لم يره، لما قرر فيالقلوب من نكارته وشناعته!
وقال آخر: وفي البقل إن لم يدفع اللـه شـره شياطين يعدو بعضهن على بعض وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن أو إنس أو سبع أو حية يقال له شيطان، وأن قولهم: تشيطن إنما معناه تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: " شياطين
الإنس والجن " " الأنعام: 112 " قال الراجز: أبصرتها تلتهم الثعبانـا شيطانة تزوجت شيطانا وقال امرؤ القيس: أتوعدني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال! والغول: لم يخبر صادق قط أنه رآها. ثم نرجع إلى تفسير شعر أبي النجم . قوله: سبي الحماة وابهتي عليها
إنما يريد: ابهتيها، فوضع ابهتي في موضع اكذبي فمن ثم وصلها بعلى.
والذي يستعمل في صلة الفعل اللام، لأنها لام الإضافة، تقول: لزيد ضربت ولعمرو أكرمت والمعنى: عمراً أكرمت، وإنما تقديره: إكرامي لعمرو، وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول، لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام. كما قال الله جل
وعز: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " " يوسف: 43 "، وإن أخر المفعول فهو عربي حسن، والقرآن محيط بجميع اللغات الفصيحة، قال الله جل وعز: " وأمرت لأن أكون أو المسلمين " " الزمر: 12 " والنحويون يقولون في قوله جل ثناؤه: " قل
عسى أن يكون ردف لكم " " النمل: 72 ": إنما هو: ردفكم. وقال كثير: أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل وحروف الخفض يبدل بعضها من بعض، إذا وقع الحرفان في معنى في بعض المواضع، قال الله جل ذكره: " ولأصلبنكم في
جذوع النخل " " طه: 71 "، أي على ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت في، لأنها للوعاء، يقال: فلان في النخل. أي قد أحاط به. قال الشاعر : هم صلبوا العبدي في جذع نخلة فلا عطست شيبان إلا بأجدعـا وقال الله جل وعز: " أم
لهم سلم يستمعون فيه " " الطور: 38 " أي عليه. وقال تبارك وتعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " " الرعد: 11 " أي بأمر الله. وقال ابن الطثرية: غدت من عليه تنفض الطل بعدمـا رأت حاجب
الشمس استوى فترفعا وقال الآخر: غدت من عليه بعدما تم خمسهـا تصل وعن قيض بزيزاء مجهل أي من عنده. وقال العامري : إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها وهذا كثير جداً. وقوله: وإن أبت فازدلفي إليها يقول: تقربي، ومن ذا سميت المزدلفة،
قال العجاج: ناج طواه الأين مما وجـفـا طي الليالي زلفاً فـزلـفـا سماوة الهلال حتى احقوقفا يقال : زلفة وزلف، كقولك: غرفة وغرف. وقوله: بالكلب خيراً والحماة شرا كلام معيب عند النحويين، وبعضهم لا يجيزه، وذلك لأنه عطف على عاملين: على الباء وعلى الفعل. ومن قال
هذا قال: ضربت زيداً في الدار، والحجرة عمراً. قال أبو العباس: وكان أبو الحسن الأخفش يراه ويقرأ: " واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات " " الجاثية: 5 " فعطف على إن وعلى
في. وقال عدي بن زيد: أكل امرئ تحسبين أمرأ ونار توقد بالليل نـارا فعطف على كل وعلى الفعل. وأما قوله: غدت من عليه بعد ما تم خمسها فالخمس: ظمء من أظمائها، وهو أن ترد ثم تغب ثلاثاً، ثم ترد، فيبتدأ بيومي وردها مع ظمئها، فيقال:
خمس، والربع كحمى الربع. وقوله: تصل أي تسمع لأجوافها صليلاً من يبس العطش، يقال: المسمار يصل في الباب، إذا أكره فيه، قال جرير يخاطب الزبير بمرثيته في هجائه الفرزدق: لو كنت حين غررت بين بيوتنا لسمعت من وقع الحديد صليلا ويقال للحمار: المصلصل، إذا أخرج
صوته من جوفه حاداً خفياً. قال الأعشى: عنتريس تعدو إذا حرك السو ط كعدو المصلصل الجوال وقال المفسرون في قوله عز وجل: " من صلصال من حمأ مسنون " " الحجر: 26 "، قالوا : هو الطين الذي قد جف، فإذا قرعه شيء كان له
صليل. وتفسير ذلك عند العرب التقن الذي يذهب عنه الماء في الغدران فيتشقق ثم ييبس. والقيض: قشر البيضة الأعلى؛ والذي يلبس البيضة فيكون ما بينها وبين قشرها الأعلى، يقال له: الغرقئ، يقال: ثوب كأنه غرقئ البيض . والزيزاء: ما ارتفع من الأرض، وهو ممدود منصرف
في المعرفة والنكرة، إذا كان لمذكر، كالعلباء والحرباء، وسنذكر هذا في غير هذا الموضع مفسراً، على أنا قد استقصيناه في الكتاب المقتضب. والمجهل: الصحراء التي يجهل فيها، فلا يهتدى لسبيلها. ويقال للشيء إذا غب وتغيرت رائحته، صل واصل، فهو صال ومصل، ويقال: نتن وأنتن. ويقال:
خم وأخم، وذاك إذا كان مستوراً حتى يفسد. ويقال إذا عتق اللحم فتغير: خنز وخزن، وبيت طرفة أحسن ما ينشد: ثم لا يخنز فينا لحمها إنما يخنز لحم المدخر
ويقال لرب البيت وربة البيت اللذين ينزل بهما الضيف: هي أم مثواه، وهو أبو مثواه، وأنشد أبو عبيدة: من أم مثوى كريم قد نزلت بها إن الكريم على علاته يسـع وفي كتاب الله جل وعز: " أكرمي مثواه " " يوسف: 21 "، معناه عند
العرب إضافته. ومن التشبيه المطرد على ألسنة العرب ما ذكروا في سير الناقة وحركة قوائمها، قال الراجز: كأنها لـيلة غـب الأزرق وقد مددنا باعها للـسـوق خرقاء بين السلمين ترتقي قوله: ليلة غب الأزرق، إنما يعني موضعاً، وأحسبه ماء، لأنهم يقولون: نطفة زرقاء، وهي الصافية، قال
زهير: فلما وردنا الماء زرقاً جمامـه وضعن عصي الحاضر المتخيم وقال آخر: فألقت عصا التسيار عنها وخيمت بأرجاء عذب الماء زرق محافر وقوله: وقد مددنا باعها للسوق يقول: استفرغنا ما عندها في السير، يقال: تبوعت وانباعت، إذا مدت باعها. وقوله: خرقاء بين السلمين ترتقي يقول:
لكثرة حركة الخرقاء وقلة حذقها بالصعود. وقال الآخر: كأنـهـا نـائحة تـفـجـع تبكي بشجو وسواها الموجع وقال الشماخ: كأن ذراعـيهـا ذراعـا مــدلة بعيد السباب حاولت أن تـعـذرا من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعت فراس بن غنم أو لقيط بن يعمـرا بها شرق من زعفران وعـنـبـر أطارت
من الحسن الرداء المحبرا تقول وقد بل الدموع خـمـارهـا أبى عفتي ومنصبـي أن أعـيرا كأن بذفراها مـنـاديل قـارفـت أكف رجال يعصرون الصنوبـرا كأن ابن آوى موثق تحت غرضها إذا هو لم يكلم بنـابـيه ظـفـرا شبه يديها بيدي مدلة بجمال ومنصب قد سابت وأقبلت تعتذر وتشير
بيديها، فوصف جمالها الذي به تدل؛ ومنصبها المتصل بمن ذكرته. وقوله: أطارت من الحسن الرداء المحبرا يقول: هي مدلة بجمالها، فلا تختمر فتستر شيئاً عن الناظر، لأنها تبتهج بكل ما في وجهها ورأسها. وقد كشف هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة المخزومي حيث يقول: فلما
تواقفنا وسلمـت أقـبـلـت وجوه زهاها الحسن أن تتقنعـا تبالهن بالعرفان لما عرفـنـنـي وقلن امرؤ باغ أكل فأوضـعـا وقربن أسباب الهوى لمـقـتـل يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعـا فقلت لمطريهن ويحـك إنـمـا ضررت فهل تستطيع نفعاً فتنفعا قوله: كأن بذفراها منـاديل قـارفـت أكف رجال يعصرون الصنوبرا يقول:
لسواد الذفرى، وهذا من كرمها، قال أوس بن حجر: كأن كحيلاً مـعـقـداً أو عـنـية على رجع ذفراها من الليت واكف وهذا معنى يسأل عنه، لأن الليتين صفحتا العنق. والذفرى في أعلى القفا، فيكف يكف على الذفرى من الليت! والمعنى إنما هو كأن كحيلاً معقداً أو