فيهن، فليس هذا عندي من. باب قوله جل وعلا" واخيار موسى قومه" الأعراف: 155 إلا في الحذف فقط، وذلك أن ضمير الظرف تجعله العرب مفعولاً على السعه، كقولهم: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته، فهذا يشبه في السعة في السعة بقوله: زيد ضربته
وما أشبه، فهذا بينٌ. لأعرابي من بني سعد وقد نزل به أضياف قال أبو العباس: ومما يستحسن و يستجاد قول أعرابي من بني سعد بن زيد مناة تميم، وكان مملكاً، فنزل به أضياف، فقام إلى الرحى فطحن لهم، فمرت به زوجته في نسوة، فقالت لهن:
أهذا بعلي فأعلم بذلك فقال، قال أبو الحسن: أخبرنا به عن أبي محلم له يعني السعدي: تقول وصكت صدرها بيمينهـا: أبعلي هذا بالرحى المتقاعـس فقلت لها لا تعجبي وتـبـينـي بلائي إذا التفت علي الفوارس ألست أرد القرن يركب ردعـه وفيه سنان ذو غرارين يابـس إذا
هاب أقوام تجشمت هول ما يهاب حماياه الألد المـداعـس لعمر أبيك الخير إنـي لـخـادم لضيفي، وإني إن ركبت لفارس قوله:"المتقاعس" إنما هو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، ويقال:عزة قعساء، وإنما هذا مثل، أي لا تضع ظهرها إلى الأرض. وقوله:" بالرحى" من صلة الذي، والصلة تمام
الوصول، فلو قدمها قبله لكان لحناً خطاً فاحشاً، وكان كمن جعل آخر الاسم قبل أوله، ولكنه جعل " المتقاعس" اسماً على وجهه، وجعل قوله:" بالرحى" تبييناً بمنزلة"لك" التي تقع بعد " سقياً"، وبمنزلة" بك" التي تقع بعد قولك:" مرحباً" فإن قدمتها فذلك جيد بالغ، تقول:
بك مرحباً و أهلاً، وتقول: لك حمداً، ولزيد سقياً، فأما قول الله عز وجل:" وأنا على ذلكم من الشهدين" الأنبياء: 56 وكذلك" وقاسمهما إنى لكما لمن النصحين" الأعراف: 21 فيكون تفسيره على وجهين: أحدهما أن يكون: إنني ناصح لكما، وأنا شاهد على ذلكم، ثم جعل"
من الشاهدين" و" لمن الناصحين" تفسيراً لشاهد وناصح، ويكون على ما فسرناه يراد به التبيين، فلا يدخل في الصلة، أو يكون على مذهب المازني. قال أبو العباس: وهو الذي أختار، على أن الألف واللام للتعريف لا على معنى الذي، ألا ترى أنك تقول: نعم الفائم
زيد، ولا يجوز: نعم الذي قام زيد، وإنما هو بمنزلة قولك: نعم الرجل زيد، وهذا الذي شرحناه متصل في هذا الباب كله مطرد على القياس. وقوله: " ألست أرد القرن يركب ردعه" فإنما اشتقاقه من السهم يقال: ارتدع السهم إذا رجع متأخراً، ويقال: ركب البعير
ردعه إذا سقط، فدخل عنقه في جوفه، والكلام مشتق بعضه من بعض، ومبين بعضه بعضاً، فيقال من هذا في المثل: ذهب فلان في حاجتي فارتدع عنها، أي رجع، وكذلك: فلان لا يرتدع عن قبيح، والأصل ما ذكرت أولاً. ومثل هذا قولهم: فلان على الدابة، وعلى
الجبل، أي فوق كل واحد منهما ثم تقول: عليه دين تمثيلاً، وكذلك ركبه دين، وإنما يريد أن الدين علاه و قهره، وكذلك فلان على الكوفة إذا كان والياً عليها، وكذلك: علا فلان القوم، إذا علاهم بأمره وقهرهم، أو جعل هذا الموضوع. وقوله: " وفيه سنان
ذو غرارين يابس" فالغرار هنا الحد، وللغرار مواضع. قال أبو العباس: وحدثني الرياشي في إسناد له قال: قال جبر بن حبيب وذكر الراعي: أخطأ الأعور قال: ولم يعلم الحاكي عنه أن الراعي كان أعور إلامن هذا الخبر في قوله: فصادف سهمه أحجار قف كسران العير
منه والغرارا
وجبر بن حبيب هو المخطىء، لأن الغرار ههنا هو الحد، وذهب جبر إلى أنه المثال، وقد يكون المثال، وليس ذلك بمانعه من أن يحتمل معاني، يقال: بنوا بيوتهم على غرار واحد، أي على مثال واحد، كما قال عمرو بن أحمر" الباهلي": وضعن وكلهن على غـرار
هجان اللون قد وسقت جنينا و يقال: لسوقنا درة وغرار، أي نفاق و كساد، فهذا معنى آخر، وإنما تأويل الغرار في هذا المعنى الأخير أنه شيء، ومن هذا: غار الطائر فرخه، لأنه إنما يعطيه شيئاً بعد شيء، وكذلك غارت الناقة في الحلب، ويقال من هذا:
ما نمت إلا غرار، قال الشاعر: ما أذوق النوم إلا غـراراً مثل حسو الطير ماء الثماد فكشف في هذا البيت معنى الغرار وأوضحه. وقوله: " يهاب حمياه الألد المداعس" فأصل الحميا إنما هي صدمة الشيء، يقال: فلان حامي الحميا، ويقال صدمته حمياً الكأس، يراد بذلك
سورتها. وقوله:" الألد" فأصله الشديد الخصومة، يقال: خصم ألد، أي لا ينثني عن خصمه. قال الله عز وجل:" وتنذر به قوماً لداً" مريم: 97 كما قال: "بل هم قوم خصمون"، الزخرف: 58، وقال مهلهل: إن تحت الأحجار حزماً وجوداً وخصيماً ألـد ذا مـعـلاق ويروي:" مغلاق"
فمن روى ذلك فتأويله أنه يغلق الحجة الخصم،ومن قال،" ذا معلاق"، فإنما يريد أنه إذا علق خصماً لم يتخلص منه، وجعل السعدي الألد الذي لا ينثني عن الحرب تشبيهاً بذلك، و المداعس: المطاعن، يقال: دعسه بالرمح إذا طعنه، قال عمير بن الحباب السلمي: أنا عميرٌ
وأبو المغلس وبالقناة مازني مدعس قال أبو الحسن: تأويل قول السعدي: "أبلعي هذا بالرحى المتقاعس" "بالرحى" تبيين ولم يوضحه، فإن تقدير ما كان من هذا الضرب أنه إذا قال: " أبعلي هذا بالرحى المتقاعس"، فإن المتقاعس يدل على أن تقاعساً وقع،فكأنه قال: وقع التقاعس بالرحى،
ولم يرد أن يعمل " المتقاعس " في قوله:" بالرحى"، لأنه في صلة، والصلة من الموصول بمنزلة الدال من زيد أو الياء، فكما لا يجوز أن يتقدم حروف الاسم بعضها على بعض، لم يجز أن تتقدم الصلة على الموصول، فأما قول الله عز وجل: "
وقاسمهما إنى لكما لمن النصحين"، الأعراف: 21، وكذلك:" وأنا على ذلكم من الشهدين" الأنبياء: 56، فإنه يكون على التبيين الذي قدمنا ذكره وهو قول البصريين أجمعين، إلا أن أبا عمر الجرمي أجاز أن يجعل"لكما"،و " على ذلكم" معلقين بشيئين محذوفين دل عليهما" من الناصحين"، و"
من الشاهدين"، لأن "من" مبعضة، فكأنه قال والله أعلم: وقاسمهما إني ناصح لكما من الناصحين، وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين. وأما اختياره وذكره أنه قول المازني، وجعله الألف واللام للعهد مثلهما في الرجل وما أشبهه، فإن هذا القول غير مرضي عندي، لأنك إذا قلت:
نعم القائم زيدٌ فجعلت الألف واللام كالألف واللام الداخلتين على ما يؤخذ من الفعل كالإنسان و الفرس وما أشبهه، فإنه إذا كان هكذا دخل في باب الأسماء الجامدة وهي التي لم تؤخذ من أمثلة الفعل، وامتنع من أن يعمل مؤخراً إلا على حيلة ووجهٍ بعيدٍ
من التبيين الذي ذكرناه. وإذا كان التأخير لا يعمل بنفسه، فكيف يعمل إذا تقدم عليه الظرف وهذا مستحيل لا وجه له. وأما إنشاده: لا أذوق النوم إلا غراراً فإن هذه أبيات أربعة أنشدناها عن الزيادي، وذكر أنه كان يستحسنها وهي لأعرابي قال: ما لعيني كحلت
بـالـسـهـاد ولجنبي نابـياً عـن وسـادي ما أذوق الـنـوم إلا غـراراً مثل حسو الطير ماء الثـمـاد أبتغي إصلاح سعدى بجهـدي وهي تسعى جهدها في فسادي فتتاركنا علـى غـير شـيءٍ ربما أفسد طول الـتـمـادي وأما إنشاده: وضعن وكلهن على غرارٍ فإن البيت لعمرو بن أحمر بن العمرد
الباهلي لطيخم بن أبي الطمخاء الأسدي يمدح قوماً من الحيرة قال أبو العباس: ومن سهل الشعر وحسنه قول طخيم بن أبي الطخماء الأسدي يمدح قوماً من أهل الحيرة من بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، ثم من رهط عدي بن زيد العبادي، قال:
كأن لم يكن يومٌ بزورة صالحٌ وبالقصر ظل دائمٌ وصديق
ولم أراد البطحاء يمزج مـاءهـا شراب من البروقتـين عـتـيق معي كل فضفاض القميص كأنه إذا ما سرت فيه المدام فـنـيق بنو السمط و الحداء، كل سمـيدع له في العروق الصالحات عروق وإني وإن كانوا نصارى أحبـهـم ويرتاح قلبي نحـوهـم ويتـوق قال أبو العباس: أنشدني هذا
الشعر أبو محلم، ثم أنشدنيه رجل نصراني يكنى أبا يحيى، شاعر من هؤلاء القوم الذين مدحوا به، وذكر أنه يذكر طخيماً، وهو يتردد إليهم ويظل عندهم. فال هذا النصراني وهو رجل من بني الحداء قال: أذكره وأنا صغير جداً، والسلطان يطلبه لقوله: له في العروق
الصالحات عروق يقول: أتقول هذا لقومٍ من النصارى وكان هذا النصراني قد قارب مائة سنة فيما ذكر. وقوله:" معي كل فضفاض القميص" يريد أن قميصه ذو فضولٍ، وإنما يقصد إلى ما فيه من الخيلاء، كما قال زهير: يجرون الذيول وقد تمشت حمياً الكأس فيهم والغناء
ويقال: إن تأويل قول رسول الله حلى الله عليه وسلم: " فضل الإزار في النار "إنما أراد معنى الخيلاء، وقال الشاعر: ولا ينسيني الحدثان عرضـي ولا أرخي من المرح الإزارا وقد روي عن النبي ﷺ :أنه قال لأبي تميمة الهجيمي:" إياك و المخيلة" فقال: يا
رسول الله، نحن قومً عربٌ، فما المخيلة فقال ﷺ " سبل الإزار" والحديث يعرض لما يجري في الحديث قبله، وإن لم يكن من بابه، ولكن يذكر به. قال أبو العباس: روى لنا أن رجلاً من الصالحين كان عند إبراهيم بن هشام، فأنشد إبراهيم قول الشاعر:
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية وإذا أجر إليكم سادراً رسني فقام ذلك الرجل فرمى بشق ردائه، وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع على تلك الحال فجلس، فقال له إبراهيم بن هشام: ما بك فقال : إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته، فآليت
ألا أسمعه إلا جررت ردائي كما ترى، كما سحب هذا الرجل رسنه.عأما الفنيق فإنه الفحل من الإبل، وإنما أراد خطراته بذنبه من الخيلاء، فشبه الرجل من هؤلاء إذا انتشى بالفحل، وهو إذا خطر ضرب بذنبه يمنة وشأمة،قال ذو الرمة: وقربن بالزرق الجمائل بعـدمـا تقوب عن
غربان أوراكها الخطر قول مخيس بن أرطاة الأعرجي لرجل من بني حنيفة ومن حسن الشعر ومايقرب مأخذة قول مخيس بن أرطاة الأعرجى والأعرج الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، لرجل من بني حنيفة يقال له يحيى، وكان يصير إلى امرأة في
قرية من قرى اليمامة يقال لها: بقعاء: قال أبو الحسن : أنشدته عن الرياشي : "نقعاء"، وسألت رجلاً من أهل اليمامة فصيحاً من بني حنيفة عن هذا، فقال : مانعرفة إلا "نقعاء" : عرضت نصيحة مني ليحيى فقال: غششتني والنصح مر وما بى أن أكون
أعيب يحيى ويحيى طاهر الأثواب بـر ولكن قد أتانـي أن يحـيى يقال عليه في بقعـاء شـر فقلت له: تجنب كل شـىءٍ يعاب عليك، أن الحرحـر فهذا كلام ليس فية فضل عن معناه، وقوله :"إن الحرحر " انما تأويلة أن الحر على الأخلاق التى عهدت في
الأحرار، ومثل ذلك: أنا أبو النجم وشعري شعري أي شعري كما بلغك، وكما كنت تعهد، وكذلك قولهم: الناس الناس، أي الناس كما كنت تعهدهم.قال أبو الحسن :ومنه قول الله عز وجل :" فغشيهم من اليم ما غشيهم" طه87 وقوله: فقلت له تجنب كل شىء يعـاب
عــلـــيك كقول عمرو بن العاص لمعاوية حين وصف عبد الملك بن مران فقال : آخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسرالأمرين عليه إذا خولف،تارك للمراء،تارك لمقاربة اللئيم،تارك لما يعتذر منه،كقوله : تجـنـب كـل شــىءٍ يعاب عليك أن الحر
حر قول ابن ميادة لرياح بن عثمان المري ومما يستحسن إنشاده من الشعر لصحة معناه،وجزالة لفظه،وكثرة تردد ضربه من المعاني بين الناس،قول ابن ميادة لرياح بن عثمان بن حيان المري،من مرة غطفان،يقوله في فتنة محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن،وكان أشار عليه بأن
يعتزل القوم فلم يفعل فقتل،فقال ابن ميادة :
أمرتك يا رياح بأمـر حـزمٍ فقلت :هشيمةٌ من أهل نجد نهيتك عن رجال من قـريش على محبوكة الأصلاب جرد ووجداً ما وجدت علـى رياحٍ وما أغنيت شيئا غير وجدي وقوله: " فقلت هشيمة من أهل نجد تأويله ضعفة،وأصل الهشيم النبت إذا ولى وجف وتكسر، فذرته
الرياح يميناً وشمالاً قال الله عز وجل :" فأصبح هشيماً تذروه الريح" والنجد :أعالي الأرض وقوله: "على محبوكة الأصلاب جرد" فالمحبوك الذي فيه طرائق، واحدها حباكٌ، والجماعة حبك، وكذلك الطرائق التي عاى جناح الطائر ؛ من ذلك قول الله عز وجل:" والسماء ذات الحبك" قال