مختارات النثر والشعر واللغة في طبعة رقمية من النص التراثي المتاح. هذه النسخة تضم 1 نصًا من النطاق المبين في سجل المصادر.
الجزء الأول
< الكامل في اللغة
الكامل في اللغة والأدب المبرد كتاب يظهر موضوعه من عنوانه، فهو يبحث في علوم اللغة وآدابها. وهذا الكتاب هو أحد أصول علم الأدب واركانه، وهو بمثابة ديوان تخير فيه مصنفه نصوصا من أقوال العرب القدامى شعرا ونثرا، وشرح هذه النصوص واستخرج ما فيها من فوائد
ونكت تخص اللغة والأدب العربي الجزء الأول باب وصف رسول الله للأنصار قال رسول الله ﷺ للأنصار في كلام جرى: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". الفزع في كلام العرب على وجهين: أحدهما ما تستعمله العامة تريد به الذعر، و الآخر الاستنجاد
والاستصراخ، من ذلك قول سلامة بن جندل : كنا إذا ما أتانا صـارخٌ فـزعٌ كان الصراخ له قرع الظنابيب يقول: إذا أتانا مستغيثٌ كانت إغاثته الجد في نصرته،يقال: قرع لذلك الأمر ظنبوبه إذا جد فيه ولم يفتر، ويشتق من هذا المعنى أن يقع "فزع" في
معنى "أغاث" كما قال الكلحبة اليربوعي: "قال أبو الحسن: الكلحبة لقبه، واسمه هبيرة، وهو من بني عرين بن يربوع، والنسب إليه عريني، وكثير من الناس يقول: عرني ولا يدري، وعرينة من اليمن: قال جرير يهجو عرين بن يربوع: عرين من عرينة لـيس مـنـا برئت إلى
عرينة من عـرين فقلت لكأسٍ ألجميها فـإنـمـا حللت الكثيب من زرود لأفزعا يقول: لأغيث. وكأس: اسم جارية، وإنما أمرها بإلجام فرسه ليغيث. والظنبوب: مقدم الساق. حديث "ألا أخبركم بأحبكم إلي" وقال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم
أخلاقاً، الموطأون أكنافاً،الذين يألفون و يؤلفون،ألا أخبركم بأبغضكم إلي و أبعدكم مني مجالس يوم القيامة" الثرثارون المتفيهقون". قوله ﷺ " الموطأون أكنافاً " مثل، وحقيقته أن التوطئة هي التذليل و التمهيد، يقال: دابة وطيء، يا فتى، وهو الذي لا يحرك راكبه في مسيره، وفراش وطيء
إذا كان وثيراً لا يؤذي جنب النائم عليه، فأراد القائل بقوله: "موطأ" الأكناف" أن ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذى، ولا ناب به موضعه. قال أبو العباس: حدثني العباس بن الفرج الرياشي قال: حدثني الأصمعي قال: قيل لأعرابي وهو المنتجع بن نبهان ما السميدع فقال"
السيد الموطأ الأكناف. وتأويل الأكناف الجوانب، يقال: في المثل: فلان في كنف فلان، كما فلان في ظل فلان، و في ذرى فلان، وفي ناحية فلان، وفي حيز فلان. وقوله صلى الله عليه و سلم: "الثرثارون" يعني الذين يكثرون الكلام تكلفاً و تجاوزاً، و خروجاً عن
الحق. وأصل هذه اللفظة من العين الواسعة من عيون الماء، يقال: عينٌ ثرثارةٌ. و كان يقال لنهرٍ بعينه: الثرثار، وإنما سمي به لكثرة مائه، قال الأخطل: لعمري لقد لاقت سليمٌ و عامـرٌ على جانب الثرثار راغية البكر قوله: " راغية البكر " أراد أن بكر
ثمود رغا فيهم فأهلكوا،فضربته العرب مثلاً، و أكثرت فيه،قال علقمة بن عبدة الفحل: رغا فوقهم سقب السماء فداحضٌ بشكته لم يستـلـب و سـلـيب قال أبو الحسن: الداحض: الساقط والداحض أيضاٌ: الزا لق. وكذلك إذا لم تضعف الثاء فقلت: عينٌ ثرةٌ، فإنما معناها غزيرة واسعة، قال
عنترة: جادت عليها كل عين ثـرةٍ فتركن كل حديقةٍ كالدرهم قال أبو العباس: وليست الثرة عند النحويين البصريين من لفظة الثرثارة، ولكنها في معناها. وقوله ﷺ " المتفيهقون" إنما هو بمنزلة قوله: "الثرثارون" توكيد له، ومتفيهق متفيعل، من قولهم: فهق الغدير يفهق إذا امتلأ ماءٌ
فلم يكن فيه موضع مزيد، كما قال الأعشى: نفى الذم عن رهط المحلق جفنةٌ كجابية الشيخ العراقي تفهـق كذا ينشده أهل البصرة، و تأويله عندهم أن العراقي إذا تمكن من الماء ملأ جابيته لأنه حضري فلا يعرف مواقع الماء ولا محاله. قال أبو العباس: وسمعت
أعرابية تنشد قال أبو الحسن: هي أم الهيثم الكلابية من ولد المحلق، وهي راوية أهل الكوفة: "كجابية السيح" تريد النهر الذي يجري على جانبية، فماؤها لا ينقطع، لأن النهر يمده.ومثل قول البصريين فيما ذكروا به "العراقي الشيخ " قول الشاعر قال أبو الحسن: هو ذو
الرمة: لها ذنب ضاف وذفرى أسيلة وخد كمرآة الغريبة أسجـح يقول: إن الغريبة لا ناصح لها في وجهها، لبعدها عن أهلها، فمرآتها أبداً مجلوة، لفرط حاجتها إليها.
وتصديق ما فسرناه من قول رسول الله ﷺ أنه يريد الصدق في المنطق والقصد،وترك ما لا يحتاج إليه، قوله لجرير بن عبد الله البجلي: " يا جرير، إذا قلت فأوجز،وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف". كلمة أبو بكر في مرضه لعبد الرحمن بن عوف قال أبو
العباس: ومما يؤثر من حكيم الأخبار، وبارع الآداب، ما حدثنا به عن عبد الرحمن بن عوف وهو أنه قال: دخلت يوماً على أبي بكر الصديق رحمة الله عليه في علته التي مات فيها، فقلت له: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله، فقال: أما إني على
ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج، وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك
السعدان، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا.يا هادي الطريق جرت، إنما هو والله الفجر، أو البحر. فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله، فإن هذا يهيضك إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحاً
مصلحاً، لا تأس على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاخيراً. قوله: "نضائد الديباج" واحدتها نضيدة، وهي الوسادة وما ينضد من المتاع، قال الراجز: وقربت خدامها الـوسـائدا حتى إذا ما علوا النضائدا سبحت ربي قائما ًو قاعداً وقد تسمي العرب
جماعة ذلك النضد، والمعنى واحد، إنما هو ما نضد في البيت من متاع، قال النابغة: ورفعته إلى السجفين فالنضد ويقال: نضدت المتاع إذا ضممت بعضه إلى بعض،فهذا أصله، قال الله تبارك وتعالى:" لها طلعٌ نضيد" ق:10، وقال :" في سدر مخضود وطلح منضود" الواقعة: 28-29،
ويقال: نضدت اللبن على الميت. وقوله:"على الصوف الأذربي" فهذا منسوب إلى اذربيجان، وكذلك تقول العرب، قال الشماخ: تذكرتها وهناً وقد حال دونهـا قرى أذربيجان المسالح والجال وقوله:" على حسك السعدان "، فالسعدان نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه، ويغذوها غذاءً لايوجد في غيره، فمن
أمثال العرب:" مرعى ولا كالسعدان " تفضيلاً له، قال النابغة: الواهب المائة الأبكار زينـهـا سعدان توضح في أو بارها اللبد ويروى في بعض الحديث" أنه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان"، والله أعلم بذلك. قال أبو الحسن: السعدان: نبت كثير الشوك- كما ذكر
أبو العباس- ولا ساق له، إنما هو منفرش على وجه الأرض، حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني عن ابن الأعرابي، قال : قيل لرجل من أهل البادية- وخرج عنها : أترجع إلى البادية ? فقال: أما ما دام السعدان مستلقياً فلا. يريد أنه لا
يرجع إلى البادية أبداً، كما أن السعدان لا يزول عن الاستلقاء أبداً. وقال أبو علي البصير واسمه الفضل بن جعفر، وإن لم يكن بحجة، ولكنه أجاد فذكرنا شعره هذا لجودته لا للاحتجاج به يمدح عبيد الله بن يحيى بن خاقان وآله فقال: يا وزراء السلطـان
أنتـم وآل خـاقـان كبعض مـا روينـا في سالفات الأزمان ماء ولا كـصــدى مرعى ولا كالسعدان وهذه الأمثال ثلاثة، منها قولهم: " مرعى ولا كالسعدان"،و" فتى ولا كمالك"،و"ماء ولا كصدى"، تضرب هذه الأمثال للشيء الذي فيه فضل وغيره أفضل منه، كقولهم:"ما من طامة إلا فوقها طامة"،
أي ما من داهية إلا وفوقها داهية، ويقال : طما الماء وطم إذا إرتفع وزاد. ومالك الذي ذكروا هو مالك بن نويرة، أخو متمم بن نويرة. " وصداء يمد، وبعضهم يقول: صدى، فيضم أوله ويقصر، فأما أبو العباس محمد بن يزيد، فإنه قال: لم أسمع
من أصحابنا إلا صدءاء يا فتى، وهو اسم لماء، معرفة، وهما همزتان بينهما ألف، والألف لا تكون إلا ساكنة، كأنك قلت: صدعاع يا هذا. وقوله: إنما هو والله الفجر أو البجر يقول: انتظرت حتى يضيء لك الفجر الطريق أبصرت قصدك. وإن خبطت الظلماء، وركبت العشواء
هجما بك على المكروه، وضرب ذلك مثلاً لغمرات الدنيا، وتحييرها أهلها.
وقوله:" يهيضك " مأخوذ من قولهم: هيض العظم إذا جبر ثم أصابه شيء يعنته فآذاه فكسره ثانية، أو لم يكسره، وأكثر ما يستعمل في كسره ثانية، ويقال:عظم مهيض، وجناح مهيض في هذا المعنى: ثم يشتق لغير ذلك، وأصله ما ذكرت لك، فمن ذلك قول عمر
بن عبد العزيز رحمه الله لما كسر يزيد بن المهلب سجنه وهرب، فكتب إليه: لو علمت أنك تبقى ما فعلت، ولكنك مسموم، ولم أكن لأضع يدي في يد ابن عاتكه. فقال عمر: اللهم إنه قد هاضني فهضه. فهذا معناه. وقوله:" فكلكم ورم أنفه"، يقول: امتلأ
من ذلك غضباً، وذكر أنفه دون السائر كما بقال: فلان شامخ بأنفه، يريد رافع، وهذا يكون من الغضب كما قال الشاعر: ولا يهاج إذا ما أنفه ورما أي لايكلم عند الغضب، ويقال للمائل برأسه كبرا: متشاوس، وثاني عطفه، وثاني جيده، إنما هذا كله من الكبرياء.
قال الله عز وجل :" ثاني عطفه. ليضل عن سبيل الله" الحج 9 : وقال الشامخ: نبئت أن ربيعاً أن رعى إبلاً يهدي إلي خناه ثاني الجيد وقوله:" أراك بارئاً يا خليفة رسول الله" يكون من برئت من المرض وبرأت، كلاهما يقال: فمن قال برئت
يقول: أبرأ يافتى لا غير، ومن قال: برأت قال في المضارع: أبرأ وأبرؤ، يا فتى، مثل فرغ ويفرغ. والآية تقرأ على وجهين:" سنفرغ لكم أية الثقلان"، الرحمن: 31، وسنفرغ: والمصدر فيهما "البرء" يا فتى عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر ومما روي لنا عنه رضي
الله عنه حيث عهد عند موته وهو: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله ﷺ : عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر. إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب،
فإن بر وعدل فذلك علمي به، ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب،"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" الشعراء: 227 . نصب "أي" بقوله: "ينقلبون"، ولا يكون نصبها ب" سيعلم" لأن حروف الاستفهام إذا كانت أسماء امتنعت
مما قبلها كما يمتنع ما بعد الألف من أن يعمل فيه ما قبله،وذلك قولك:" علمت زيداً منطلقاً" فإن أدخلت الألف قلت: "علمت أزيد منطلق أم لا" فأي بمنزلة زيد الواقع بعد الألف، ألا ترى أن معناها: أذا أم ذا. وقال الله عز وجل:" لنعلم أى
الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " الكهف:12 لأن معناها: أهذا أم هذا? وقال تعالى :" فلينظر أيها أزكى طعاماً " الكهف:19 على ما فسرت لك، وتقول: أعلم أيهم ضرب زيداً، وأعلم أيهم ضرب زيد، تنصب أيا ب" ضرب" لأن "زيداٌ" فاعل،فإنما هذا لما بعده، وكذلك
ما أضيف إلى اسم من هذه الأسماء المستفهم بها، نحو: قد علمت غلام أيهم في الدار، وقد عرفت غلام من في الدار، وقد علمت غلام من ضربت، فتنصبه ب"ضربت" فعلى هذا مجرى الباب. أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب ومما يؤثر من هذه الآداب و
يقدم قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في أول خطبة خطبها حدثنا العتبي قال: لم أر أقل منها في اللفظ، ولا أكثر في المعنى حمد الله و أثنى عليه وأهله، وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ثم قال: أيها الناس،
إنه و الله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له،ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه.ثم نزل. وإنما حسن هذا القول مع ما يستحقه من قبل الاختيار، بما عضده به من الفعل المشاكل له: "قال أبو الحسن: قد روينا
هذه الخطبة التي عزاها إلى عمر بن الخطاب عن أبي بكر رضي الله عنهما، وهو الصحيح. رسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري قال أبو العباس: ومن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري وهي التي جمع فيها جمل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام،و



