وقوله:" واتخذتموه ورائكم ظهرياً"، أي رميتم به وراء ظهوركم، أي لم تلتفتوا إليه، يقال في المثل: " لا تجعل حاجتي منك بظهرٍ"، أي لا تطرحها غير ناظر إليها. وقوله:" حتى شنت عليكم الغارات"، يقول: صبت، يقال: شننت الماء على رأسه، أي صببته، وشننت الشراب في
الإناء أي صببته، ومن كلام العرب: فلما لقي فلان فلانا شنه السيف، أي صبه عليه صبا. وقوله :" هذا أخو غامد، فهو رجل مشهور من أصحاب معاوية، من بني غامد بن نصر بن الأزد بن الغوث، وفي هذه القبيلة يقول القائل: ألا هل أتاها على
نأيهـا بما فضحت قومها غامد تمنيتم مـائتـي فـارس فردكم فـارس واحـد فليت لنا بارتباط الخـيو ل ضأنا ًلها حالب قاعد وقوله:" فتنتزع أحجالهما"، يعنى الخلاخيل، واحدها حجل، ومن هذا قيل للدابة: محجل، ويقال للقيد: حجل، لأنه يقع في ذلك الموضع، قال جرير، يعير الفرزدق حين
قيد فرسه، وأقسم ألايحلها حتى يحفظ القرآن، فلما هاجى جرير البعيث هجا الفرزدق جريراً معونةً للبعيث، وذبا عن عشيرته، فقال جرير: ولما اتقى القين العراقي باسـتـه فرغت إلى العبد المقيد في الحجل معنى فرغت عمدت، قال الله عز و جل:" سنفرغ لكم آية الثقلان" الرحمن
31 أي سنعمد . وقوله:" ورعثهما" الواحدة رعثة، و جمعها الجمع رعث و هي الشنوف. وقوله:" ثم انصرفوا موفورين" من الوفر، أي لم ينل أحد منهم بأن يرزأ في بدن و لا مال، يقال موفور، و فلان ذو وفر:أي ذو مال، ويكون موفوراً في بدنه
إذا ذكر ما أصيب به غيره في بدنه، قال حاتم الطائي: وقد علم الأقوام لو أن حاتماً أراد المال أمسى له وفر ويروى:"كان له وفر". وقوله:" لم يكلم أحد منهم كلماً ". ويقول:لم يخدش أحد منهم خدشاً، وكل جرح صغر أو كبر فهو كلم، قال
جرير: تواصلت الأقوام من تكرمها قريش برد الخـيل دامـية الـكـلـوم وقوله:" مات من دون هذا أسفاً"، يقول:تحسراً، فهذا موضع ذا و"قد" يكون الأسف الغضب، قال الله عز وجل"فلما ءاسفونا انتقمنا منهم" الزخرف55 والأسيف يكون الأجير ويكون الأسير فقد قيل في بيت الأعشى: أرى رجلا ًمنهم
أسيفاً كأنمـا يضم إلى كشحيه كفاً مخضبا المشهور أنه من التأسف لقطع يده، وقيل: بل هو أسير قد كبلت يده،ويقال: قد جرحها الغل، والقول الأول هو المجتمع عليه، ويقال في معنى أسيف عسيف أيضاً. وقوله:"من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم"، يقول: من تعاونهم و تظاهرهم.
وقوله:"و فشلكم عن حقكم"،يقال: فشل فلان عن كذا و"كذا" إذا هابه فنكل عنه وامتنع من المضي فيه. وقوله:"قلتم هذا أوان فر و صر"،فالصر شدة البرد قال الله " كمثل ريح فيها صر".آل عمران117 . وقوله: هذه حمارة القيظ"، فالقيظ الصيف، وحمارته : اشتداد حره واحتدامه،
وحمارة مما لا يعوز أن يحتج عليه ببيت شعر، لأن"كل" ما كان فيه من الحروف التقاء ساكنين لا يقع في وزن إلا في ضرب "منه" يقال له المتقارب،"فإنه جوز فيه على بعد التقاء الساكنين "وهو قوله: فذاك القصاص و كان الـتـقـا ص فرضا و حتماً
على المسلمينا ولو قال " وكان قصاص فرضاً وحتماً" كان أجود و أحسن، ولكن قد أجازوا هذا في هذه العروض، ولا نظير له في غيرها من الأعاريض . وقوله " ويا طغام الأحلام" فمجاز الطغام عند العرب من لا عقل له، ولا معرفة عنده،وكانوا يقولون:
طغام أهل الشأم كما قال: فما فضل اللبيب على الطغام وقوله:" ويا عقول ربات الحجال" ينسبهم إلى ضعف النساء وهو السائر في كلام العرب. وقال الله تعالى يذكر البنات "أومن ينشؤا الحلية وهو في الخصام غير مبين". الزخرف18 0 باب وقال أبو العباس : من
كلام العرب الاختصار المفهم، والإطناب المفخم وقد يقع الإيماء إلى الشيء فيغني عند ذوي الألباب عن كشفه، كما قيل: لمحة دالة. وقد يضطر الشاعر المفلق، والخطيب المصقع، والكاتب البليغ، فيقع في كلام أحدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإن انعطفت عليه جنبتا الكلام غطتا على عواره،
وسترتا من شينه. وإن شاء قائل أن يقول: بل الكلام القبيح في الكلام الحسن أظهر، ومجاورته له أشهر، كان ذلك له، ولكن يغتفر السيىء للحسن، والبعيد للقريب. من ألفاظ العرب البينة القريبة المفهمة فمن ألفاظ العرب البينة القربية المفهمة، الحسنة الوصف، الجميلة الرصف قول الحطيئة:
وذاك فتى إن تأته إن تأته في صنيعةٍ إلى مالـه لا تـأتـه بـشـفـيع وكذلك قول عنترة: يخبرك من شهد الوقيعة أنـنـي أغشى الوغى وأعف عند المغنم وكما قال زهير: على مكثريهم رزق من يعتريهم وعند المقلين السماحة والبـذل مما وقع من الكلام كالإيماء ومما وقع
كالإيماء قول الفرزدق: ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل فتأويل هذا أن بيت جرير في العرب كالبيت الواهن الضعيف، فقال : وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد به قول الله تبارك وتعالى" وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت". 41 ومن كلامه المستحسن قوله
لجرير: فهل ضربة الرومي جاعلة لكم أبا عن كليب أو أباً مثل دارم ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعاني قوله: وما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه حي أبوه يقـاربـه مدح بهذا الشعر إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن
عبد الله عمر بن عمر بن مخزوم،وهو خال هشام بن عبد الملك، فقال: وما مثله في الناس إلا مملكاً يعني بالمملك هشاماً، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان هذا الكلام على وجهه لكان قبيحاً، وكان يكون إذا وضع الكلام في موضعه أن
يقول: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدل على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجنه بما أوقع فيه من التقديم والتأخير: حتى كأن هذا الشعر لم يجتمع في صدر رجل واحد مع قوله حيث يقول: تصرم
مني ود بكر بن وائلٍ وما كاد مني ودهم يتصرم قوارص تأتيني ويحتقرونها وقد يملأ القطر ألإناء فيفعم وكأنه لم يقع ذلك الكلام لمن يقول: والشيبينهض في السواد كأنه ليل يصيح بجانبيه نـهـار فهذا أوضح معنى، وأعرب لفظٍ، وأقرب مأخذٍ. وليس لقدم العهد يفضل القائل،
ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق، ألا ترى كيف يفضل قول عمارة على قرب عهده: تبحثتم سخطي فغير بحـثـكـم نخيلة نفسٍ كان نصحاً ضميرها ولن يلبث التخشين نفساً كـريمة عريكتها أن يستمر مـريرهـا وما النفس إلا نطفة بـقـرارةٍ إذا لم تكدر
كان صفواً غديرها فهذا كلام واضح، وقول عذبٌ، وكذلك قوله إيضاً: بني دارم إن يفن عمري فقد مضى حياتي لكم مني ثنـاءٌ مـخـلـد بدأتم فأحسنتم فأثـنـيت جـاهـداً وإن عدتم أثنيت، والعود أحـمـد ???????????????????????????????????????مما يفضل من أقوال الشعراء لتخلصه من التكلف ومما يفضل لتخلصه من التكلف،
وسلامته من التزيد، وبعده من الاستعانة قول أبي حية النميري: رمتني وستر الله بيني و بينها عشية آرام الكنـاس رمـيم ألا رب يوم لو رمتني رميتها ولكن عهدي بالنضال قـديم يقول: رمتني بطرفها، وأصابتني بمحاسنها، ولو كنت شاباً لرميت كما رميت، وفتنت كما فتنت، ولكن
قد تطاول عهدي بالشباب، فهذا كلام واضح. قا ل أبو الحسن: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب البيتين عن عبد الله بن شبيب وروى: ??عشية أحجار الكناس رميم وزاد فيه بيتا:ً رميم التي قالت لجارات بيتها ضمنت لكم ألا يزال يهـيم
الكناس و المكنس: الموضع الذي تأوي إليه الظباء، وجمع الكناس كنس وجمع المكنس مكانس. ورميم: اسم جارية، مأخوذ من العظام الرميم، وهي البالية، وكذلك الرمة، والرمة: القطعة البالية من الحبل، وكل ما اشتق من هذا فإليه يرجع." الاستعانة في الكلام قال أبو العباس: وأما ما
ذكرناه من الاستعانة، فهو أن يدخل في الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحح به نظماً "او وزناً" إن كان في شعر، او ليتذكر به ما بعده إن كان في كلام منثور، كنحو ما تسمعه في كثير من كلام العامة قولهم: ألست تسمع أفهمت أين
أنت وأشبه هذا، وربما تشاغل العيي بفتل إصبعه ومس لحيته، وغير ذلك من بدنه، وربما تنحنح. وقد قال الشاعر يعيب بعض الخطباء في شعر: مليءٌ ببهرٍ والتفاتٍ وسعـلةٍ ومسحةٍ عثنونٍ وفتل أصابعٍ وقال رجل من الخوارج يصف خطيباً منهم بالجبن، وأنه مجيدٌ لولا أن الرعب
أذهله: نحنح زيدٌ وسـعـل لما رأى وقع الأسل ?ويلمه إذا ارتجل=ثم أطال واحتفل ومما يشاكل هذا المعنى ويجانس هذا المذهب ما كان من خالد بن عبد الله القسري، فإنه كان متقدماً في الخطابة ومتناهياً في البلاغة، فخرج عليه المغيرة بن سعيد بالكوفة في عشرين رجلاً،
فعطعطوا به، فقال خالد: " اطعموني ماءً " وهو على المنبر، فغير بذلك، فكتب به هشام إليه في رسالة يوبخه فيها، سنذكرها في موضعها إن شاء الله. وغيره يحيى بن نوفل فقال: لأعلاجٍ ثـمـانـيةٍ وعـبـدٍ لئيم الأصل في عددٍ يسـير هتفت بكل صوتك: أطعموني شراباً،
ثم بلت على السرير فهذا عارض. وقال آخر يعيره: بل المنابر من خوفٍ ومن وهـلٍ واستطعم الماء لما جد في الهرب وألحن الناس كل النس قـاطـبةٌ وكان يولع بالتشديق في الخطب لأعرابي من بني كلاب ومما يستحسن لفظه ويستغرب معناه، ويحمد اختصاره قول أعرابي من
بني كلاب: فمن يك لم يغرض فإني ونلقتـي بحجرٍ إلى أهل الحمى غرضان تحن فتبدي ما بها من صـبـابة وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني يريد: لقضى علي، فأخرجه لفصاحة وعلمه بجوهر الكلام أحسن مخرج، قال الله عز وجل: " وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" المطففين
3 والمعنى إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، ألا ترى "أن" أول الآية " الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون" المطففين2: فهؤلاء أخذوا منهم ثم أعطوهم، وقال الله عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً " اللأعراف: 155 أي من قومه، وقال الشاعر: أمرتك
الخير فافعل ما امرت به فقد تركت ذا مال و ذا نشـب أي أمرتك بالخير، ومن ذلك قول الفرزدق: ومنا الذي اختير الرجال سماحةً وجوداً إذا هب الرياح الزعازع أي من الرجال. فهذا الكلام الفصيح. وتقول العرب: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، أي
ما أذوق فيهن، وقال الشاعر: ويوماً شهدناه سليماً وعـامـراً قليلاً سوى الطعن النهال نوافذه قال أبو الحسن: قوله:" لم يغرض"، أي لم يشتق، يقال: غرضت إلى لقائك، وحننت إلى لقائك، وعطشت إلى لقائك، وجعت إلى لقائك أي إشتقت، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن يحيى
عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه: من ذا رسولٌ ناصحٌ فـمـبـلـغٌ عني علية غير قـول الـكـاذب أني غرضت إلى تناصف وجههـا غرض المحب إلى الحبيب الغائب التناصف: الحسن. وأما قوله:" لقضاني" فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله عز وجل:" فلما قضينا عليه الموت"سبأ14، فالموت
في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، فلهذا ناسب قوله عز وجل:"واختار موسى قومه"، الأعراف 155 وكذلك قوله:"كالوهم" فالشىء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيداً وأنت تريد: مررت بزيد، لأنه لا يعتدى إلا بحرف جر، وذلك أن فعل
الفاعل في نفسه، وليس فيه د ليل على المفعول نفسه، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى مفعولين، فيتعدى إلى أحدهما بحرف جر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيداً، قد علم بذكرك "زيداً " أن حرف الجر محذوف من الأول. فأما قول الشاعر وهو
جرير وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله:
تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذاً حـرام ورواية بعضهم له:" أتمضون الديار" فليس بشىء لما ذكرت لك، و السماع الصحيح و القياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة . أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن
جرير: مررتم بالديار ولم تعوجوا " فهذا يدلك على أن الرواية مغيرةٌ. فأما قولهم: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، وقول الراجز: قد صبحت صبحها السلام بكبد خالطهـا سـنـام في ساعة يحبها الطعام يريد في ساعة يحب فيها الطعام، وكذلك الأول، معناه: ما أذوق