ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 3 من 4

الحنين إلى الأوطان

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 3 من 41,791 كلمة في هذا الجزء

وَحَنِينُهُ أبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ

وأنشد أبو عمرو البجلي:

تَمَتَّعْ مِنْ شَمِيمِ عَرَارِ نَجْدٍ

فَمَا بَعْدَ الْعَشِيَّةِ مِنْ عَرَارِ

أَلَا يَا حَبَّذَا نَفَحَاتُ نَجْدٍ

وَرِيًّا رَوْضِهِ غِبَّ الْقِطَارِ

وَعَيْشُكَ إِذْ يَحُلُّ الْقَوْمُ نَجْدًا

وَأَنْتَ عَلَى زَمَانِكَ غَيْرُ زَارِي

شُهُورٌ يَنْقَضِينَ وَمَا شَعُرْنَا

بِأَنْصَافٍ لَهُنَّ وَلَا سَرَارِ

فَأَمَّا لَيْلُهُنَّ فَخَيْرُ لَيْلٍ

وَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ مِنَ النَّهَارِ

وقال آخر:

أَلَا هَلْ إِلَى شَمِّ الْخُزَامَى وَنَظْرَةٍ

إِلَى قَرْقَرَى قَبْلَ المَمَاتِ سَبِيلُ

فَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْحُجَيْلَاءِ شَرْبَةً

يُداوَى بِهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ عَلِيلُ

فَيَا أَثَلَاتِ الْقَاعِ قَلْبِي مُوَكَّلٌ

بِكُنَّ وَجَدْوَى خَيْرِكُنَّ قَلِيلُ

وَيَا أَثَلَاثِ القَاعِ قَدْ مَلَّ صُحْبَتِي

مَسِيرِي فَهَلْ فِي ظِلِّكُنَّ مَقَيلُ؟

أُرِيدُ انْحِدَارًا نَحْوَهَا فَيَرُدُّنِي

وَيَمْنَعُنِي دَينٌ عَلَيَّ ثَقِيلُ

أُحَدِّثُ نَفْسِي عَنْكِ أَنْ لَسْتُ رَاجِعًا

إِلَيْكِ فَحُزْنِي فِي الفُؤَادِ دَخِيلُ

وأنشد للمجنون:

إِلَى عَامِرٍ أَصْبُو، وَمَا أَرْضُ عَامِرٍ؟

هِيَ الرَّمْلَةُ الوَعْسَاءُ وَالبَلَدُ الرَّحْبُ

مَعَاشِرُ بِيضٌ لَوْ وَرَدْتَ بِلَادَهُمْ

وَرَدْتَ بُحُورًا مَاؤُهَا لِلنِّدَا عَذْبُ

إِذَا مَا بَدَتْ لِلنَّاظِرِينَ خِيَامُهُم

فَثَمَّ الْعِتَاقُ الْقُبُّ والْأَسَلُ الْقُضْبُ

وأنشدنا المازنيُّ:

اقْرَأْ عَلَى الْوَشْلِ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ:

كُلُّ الْمَوَارِدِ مُذْ هُجِرْتَ ذَمِيمُ

جَبَلٌ يَنِيفُ عَلَى الْجِبَالِ إِذَا بَدَا

بَيْنَ الْغَدَائِرِ وَالرِّمَالِ مُقِيمُ

تَسْرِي الصِّبَا فَتَبِيتُ فِي أَلْوَاذِهِ

وَيَبِيتُ فِيهِ مِنَ الْجَنُوبِ نَسِيمُ

سَقْيًا لِظِلِّكَ بِالعَشِيِّ وَبِالضُّحَى

وَلِبَرْدِ مَائِكَ وَالْمِيَاهُ حَمِيمُ

لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ مَنْعَ مَائِكِ لَمْ يَذُقْ

مَا فِي قِلَاتِكِ مَا حَيِيتُ لَئِيمُ

وقالت امرأة من عقيل:

خَلِيلَيَّ مِنْ سُكَّانِ مَاوَانَ هَاجَنِي

هُبُوبُ جَنُوبٍ مَرُّهَا وَنِسَامُهَا

فَلَا تَسْأَلَانِي مَا وَرَائِي فَإِنَّنِي

بِمَنْزِلَةٍ أَعْيَا الطَّبِيبَ سِقَامُهَا

وقال آخر:

أَلَا لَيْتَ شِعْرِي وَالحَوَادِثُ جَمَّةٌ

مَتَى تَجْمَعُ الْأَيَّامُ يَومًا لَنَا الشَّمْلَا

وَكُلُّ غَرِيبٍ سَوْفَ يُمسِي بِذِلَّةٍ

إِذَا بَانَ عَنْ أَوْطَانِهِ وَجَفَا الْأَهْلَا

وقال آخر:

أَلَا لَيْتَ شِعْرِي يَجْمَعُ الدَّهْرُ بَيْنَنَا

بِصَحْرَاءَ مِنْ نَجْرَانَ ذَاتِ ثَرًى جَعْدِ!

وَهَلْ يَنْفُضَنَّ الرِّيحُ أَفْنَانَ لِمَّتِي

عَلَى لَاحِقِ الرَّجُلَيْنِ مُضْطَمِرٍ وَرْدِ

وَهَلْ أَرِدَنَّ الدَّهْرَ حِسْيَيْ مُزَاحِمٍ

وَقَدْ ضَرَبَتْهُ نَفْحَةٌ مِنْ صِبَا نَجْدِ

وقال آخر:

وَأَنْزَلَنِي طُولُ النَّوَى دَارَ غُرْبَةٍ

إِذَا شِئْتُ لَاقَيْتُ امْرأً لَا أُشَاكِلُهْ

فَحَامَقْتُهُ حَتَّى يُقَالَ سَجِيَّةٌ

وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لَكُنْتُ أُعَاقِلُهْ

وَلَوْ كُنْتُ فِي قَوْمِي وَجُلِّ عَشِيرَتِي

لَأَلْفَيْتُ فِيهِمْ كُلَّ خِرْقٍ أُوَاصِلُهْ

وأنشد لذي الرمة:

إِذَا هَبَّتِ الْأَرْوَاحُ مِنْ نَحْوِ جَانِبٍ

بِهِ أَهْلُ مَيٍّ هَاجَ قَلْبِي هُبُوبُهَا

هَوًى تَذْرِفُ الْعَيْنَانِ مِنْهُ وَإِنَّمَا

هَوَى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَلَّ حَبِيبُهَا

وقال أبو عثمان: رأيت عبدًا أسودَ حبشيًّا لبني أسد، قدم من شقِّ اليمامة، فصار ناطورًا، وكان وحشيًّا مجنونًا لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى إلا أكرة، فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إليَّ، وسمعته يقول: لعن اللّٰه أرضًا ليس بها عرف، قاتل اللّٰه الشاعر حيث يقول:

حُرُّ الثَّرَى مُسْتَعْرِبُ التُّرَابِ

أبا عثمان! إن هذه العُرَيب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا أن اللّٰه رق عليهم فجعلهم في حشاه لطمست هذه العجم آثارهم، أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلًا، والله ما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقتلهم إذ لا يدينون بدين إلا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا تنزيهًا لهم.

وقيل لأعرابي: ما السرور؟ فقال: أوبة بغير خيبة، وألفة بعد غَيبة.

وقيل لآخر: ما السرور؟ قال: غَيبة تفيد غِنًى، وأوبة تُعْقب مُنًى، وأنشأ يقول:

وَكُنْتُ فِيهِمْ كَمَمْطُورٍ بِبَلْدَتِهِ

يُسَرُّ أَنْ جَمَعَ الْأَوْطَانَ وَالْمَطَرَا

وأحسن ما سمعنا في حب الوطن وفرحة الأوبة قوله:

وَبَاشَرْتُهَا فَاسْتَعْجَلَتْ عَنْ قِنَاعِهَا

وَقَدْ يَسْتَخِفُّ (الطَّامِعِينَ) المُبَاشِرُ

مُشَمِّرَةٍ عَنْ سَاقِ حَوْلَاءَ جَسْرَةٍ

تُجَارِي بَنِيهَا مَرَّةً وَتُحَاضِرُ

وَخَبَّرَهَا الوَرَّادُ أَنْ لَيْسَ بَيْنَهَا

وَبَيْنَ قُرَى نَجْرَانَ وَالدَّرْبِ صَافِرُ

فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّتْ بِهَا النَّوَى

كَمْ قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ

وقيل لبعض الأعراب: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان. قيل له: فما الذلة؟ قال: التنقل في البلدان، والتنحي عن الأوطان.

وقال آخر:

طَلَبُ المَعَاشِ مُفَرِّقٌ

بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وَالْوَطَنْ

وَمُصَيِّرٌ جَلْدَ الرِّجَا

لِ إِلَى الضَّرَاعَةِ وَالْوَهَنْ

حَتَّى يُقَادَ كَمَا يُقَا

دُ النِّضْوُ فِي ثِنْيِ الرَّسَنْ

ثُمَّ الْمَنِيَّةُ بَعْدَهُ

فَكَأَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ

ووجدنا من العرب من كان أشرف في نفسه وأفخر في حسبه، ومن العجم من كان أطيب عنصرًا وأنفس جوهرًا، أشد حنينًا إلى وطنه ونزاعًا إلى تربته، وكانت الملوك على قديم الدهر لا تؤثر على أوطانها شيئًا، وحكى المُوبَذ أنه قرأ في سيرة إسفنديار بن بشتاسف بن لهراسف بالفارسية، أنه لما غزا بلاد الخزر ليستنقذ أُختَه من الأسر اعتلَّ بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ، وشربة من ماء واديها. واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان مأسورًا في القِدِّ، فقالت له بنت ملك

الروم وقد عشقته: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربةً من ماء دجلة وشمةً من تربة إصطخر. فغبرت عنه أيامًا، ثم أتته يومًا بماء الفرات وقبضة من تراب شاطئه، وقالت: هذا من ماء دجلة، وهذه من تربة أرضك، فشرب واشتم من تلك التربة، فأفاق من مرضه. وكان الإسكندر الرومي جال البلدان وأخرب إقليم بابل، وكنز الكنوز وأباد الخلق، فمرض بحضرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلده حبًّا للوطن.