ولما افتتح وهرز بن شيرزاد اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب على اليمن، أقام بها عاملًا لأنوشروان، فبنى نجران اليمن وهي من أحسن مدن الثغور، فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شيرزاد أن يحمل إلى إصطخر ناووس أبيه، ففعل به ذلك.
فهؤلاء الملوك والجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة، ولا غادروا في أسفارهم شهوة حنُّوا إلى أوطانهم، ولم يؤثروا على ترابهم ومساقط رءوسهم شيئًا من الأقاليم المستفادة بالتغازي، والمدن المغتصبة من ملوك الأمم.
وهؤلاء الأعراب مع فاقتهم وشدة فقرهم، يحنون إلى أوطانهم، ويقنعون بتربهم ومحالِّهم.
ورأيت المتأدب من البرامكة المتفلسف منهم إذا سافر سفرًا أخذ معه من تربة مولده في جراب يتداوى به.
ومن أصدق الشواهد في حب الوطن أن يوسف — عليه السلام — لما أدركته الوفاة، أوصى أن تُحمل رمته إلى موضع مقابر أبيه وجده يعقوب وإسحق وإبراهيم — عليهم السلام — ورُوِي لنا أن أهل مصر منعوا أولياء يوسف من حمله، فلما بعث الله موسى — عليه السلام — وأهلك على يديه فرعون وغيره من الأمم أمره أن يحمل رمته إلى تربة يعقوب بالشام، وقبره معلوم بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حسامى، وكذلك يعقوب مات بمصر، فحُملت رمته إلى إيلياء؛ قرية ببيت المقدس، وهناك قبر
إسحاق بن إبراهيم — عليهما السلام. ومن حب الناس للوطن وقناعتهم بالعطن، أن إبراهيم لما أتى بهاجرَ أمِّ إسماعيل مكةَ فأسكنها، وليس بمكة أنيس ولا ماء ظمئ إسماعيل، فدعا إبراهيم ربه فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ ، فأجاب اللّٰه دعاءه إذ رضي به وطنًا، وبعث جبرائيل — عليه السلام — فركض موضع زمزم برجله، فنبع منه زمزم.
ومر بإسماعيل وأمه فرقة من جُرْهُم، فقالوا: أتأذنون لنا أن ننزل معكم؟ فقالت هاجر: نعم، ولا حق لكم في الماء. فصار إسماعيل وولده قُطَّان مكة لدعوة إبراهيم — عليه السلام. نعم، وهي مع جدوبتها خير بقاع الأرض؛ إذ صارت حرمًا، ولإسماعيل وولده مسكنًا، وللأنبياء منسكًا ومجمعًا على غابر الدهر.
وممن تمسك من بني إسرائيل — عليه السلام — بحب الوطن خاصة ولد هارون وآل داود — عليهما السلام — لم يمت منهم ميت في إقليم بابل في أي البلدان مات إلا نبشوا قبره بعد حَوْل، وحملت رمته إلى موضع يدعى الخصاصة بالشام، فيودع هناك حولًا، فإذا حال الحول نقلت إلى بيت المقدس، وقال الفرزدق:
لَكِسْرَى كَانَ أَعْقَلَ مِنْ تَمِيمٍ
لَيَالِي فَرَّ مِنْ بَلَدِ الضِّبَابِ
فَأَسْكَنَ أَهْلَهُ بِبِلَادِ رِيفٍ
وَجَنَّاتٍ وَأَنْهَارٍ عِذَابِ
فَصَارَ بَنُوا بَنِيهِ بِهَا مُلُوكًا
وَصِرْنَا نَحْنُ أَمْثَالَ الْكِلَابِ
فَلَا رَحِمَ الْإِلَهُ صَدَى تَمِيمٍ
فَقَدْ أَزْرَى بِنَا فِي كُلِّ بَابِ
وقال آخر في حب الوطن:
سَقَى اللهُ أَرْضَ الْعَاشِقِينَ بِغَيْثِهِ
وَرَدَّ إِلَى الْأَوْطَانِ كُلَّ غَرِيبِ
وَأَعْطَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ فَوْقَ مُنَاهُمُ
وَمتَّعَ مَحْبُوبًا بِقُرْبِ حَبِيبِ
NewPP limit report Parsed by mw‐web.eqiad.canary‐696657946‐246h5 Cached time: 20260917224233 Cache expiry: 2592000 Cache expiry source: وحدة:Header (formatDate) Reduced expiry: false Complications: [prevent‐selective‐update, vary‐revision‐sha1] CPU time usage: 0.268 seconds Real time usage: 0.601 seconds Preprocessor visited node count: 2177/1000000 Revision size: 802/2097152 bytes Post‐expand include size: 140461/2097152 bytes Template argument size: 10043/2097152 bytes Highest expansion depth: 8/100 Expensive parser function count: 3/500 Unstrip recursion depth: 1/20 Unstrip post‐expand size: 243105/5000000 bytes Lua time usage: 0.046/10.000 seconds Lua memory usage: 3665140/52428800 bytes Number of Wikibase entities loaded:
3/500
Transclusion expansion time report (%,ms,calls,template) 100.00% 447.643 1 -total 13.97% 62.530 1 قالب:ترويسة 10.62% 47.530 44 قالب:أبيات 9.66% 43.258 1 صفحة:الحنين_إلى_الأوطان_-_هنداوي.pdf/8 6.28% 28.107 1 قالب:Smallrefs 5.30% 23.738 5 قالب:آية 4.28% 19.164 1 صفحة:الحنين_إلى_الأوطان_-_هنداوي.pdf/11 4.26% 19.089 1 صفحة:الحنين_إلى_الأوطان_-_هنداوي.pdf/9 3.94% 17.625 4 قالب:Page_break 3.43% 15.366 1 صفحة:الحنين_إلى_الأوطان_-_هنداوي.pdf/5
Render ID 1256e5d7-b2e9-11f1-907b-8de53af813aa
Saved in parser cache with key arwikisource:pcache:262878:|#|:idhash:canonical and timestamp 20260917224233 and revision id 603764. Rendering was triggered because: page_view