ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 2 من 4

الحنين إلى الأوطان

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 2 من 41,786 كلمة في هذا الجزء

وقال آخر: أرض الرجل أوضح نسبه، وأهله أحضر نَشَبِه، وقيل لأعرابي: كيف تصنع في البادية إذا اشتد القيظ، وانتعل كل شيء ظله؟ قال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلًا فيرفضُّ عرقًا، ثم يَنصبُ عصاه، ويُلْقي عليها كساءه، ويجلس في فيئه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى، وقيل لأعرابي: ما أصبرَكم في البدو! قال: كيف لا يصبر مَن وِطاؤُه الأرض، وغِطاؤُه السماء، وطعامُه الشمس، وشرابُه الريح، والله لقد خرجنا في أثر قوم قد تقدمونا بمراحل ونحن حفاة، والشمس في قُلَّة السماء، حيث انتعل كلُّ شيء

ظله، وإنهم لأسوأ حالًا منا، إن مهادهم للعفر، وإن وسادهم للحجر، وإن شعارهم للهواء، وإن دثارهم للخواء.

وحدثني التَّوَّزِيُّ عن رجل من عُرَيْنةَ قال: حدثني رجل من بني هاشم قال: قلت لأعرابي من بني أسد: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية. قلت: وأين تسكن منها؟ قال: مساقط الحمى؛ حمى ضَرِيَّة بأرض لَعَمْرُ اللّٰه ما نريد بها بدلًا، ولا نبغي عنها حِولًا، قد نفحتها الغدوات وحفَّتها الفلوات، فلا يَمْلَوْلِحُ ماؤها، ولا يَحمى ترابها، ولا يَمْعَر جنابها، ليس فيها أذًى ولا قذًى، ولا أنين ولا حمَّى، فنحن بأرفه عيش وأرفع نعمة. قلت: فما طعامكم فيها؟ قال: بخ بخ! عيشنا والله عيش يعلل جاذبه،

وطعامنا أطيب طعام وأهنؤه؛ الهبيد والضِّباب واليرابيع والقنافذ والحيَّات، وربما والله أكلنا القَد واشتوينا الجلد، فلا نعلم أحدًا أخصب منا عيشًا. فالحمد للّٰه على ما بسط من السعة ورزق من الدَّعَة، أو ما سمعت قول قائلنا، وكان واللّٰه عالمًا بلذيذ العيش:

إِذَا مَا أَصَبْنَا كُلَّ يَوْمٍ مُذَيْقَةً

وَخَمْسَ تُمَيْرَاتٍ صِغَارٍ كَوَانِزِ

فَنَحْنُ مُلُوكُ الأَرْضِ خِصْبًا وَنِعْمَةً

وَنَحْنُ أُسُودُ الغَابِ عِنْدَ الْهَزَاهِزِ

وَكَمْ مُتَمَنٍّ عَيْشَنَا لَا يَنَالُهُ

وَلَوْ نَالَهُ أَضْحَى بِهِ حَقَّ فَائِزِ

ولهذا خبر طويل وصف فيه نوقًا أضلها، واقتصرنا منه على ما وصف من قناعته بوطنه، قال الهاشمي: فلما فرغ من نعت نوقه قلت له: هل لك في الغداء؟ قال: إني والله غاوٍ إغباب، لاصق القلب بالحجاب، ما لي عهد بِمضاغ إلا شلو يربوع، وجد مَعْمَعةً، فانسلت مني، فأخذت بنافقائه وقاصعائه ودامَّائه وراهطائه، ثم تنفَّضْتُه فأخرجته، ولا والله ما فرحت بشيء فرحي به، فتلقاني رويع ببطن الخرجاء، يوقد نُويْرة تخبو طورًا وتشُبُّ أخرى، فَدَسَسْتُه في إِرَته، فخمدت نويرته، ولا والله ما بلغ نضجه حتى اختلس الرُّويْعي

منه، فغلبني على رأسه وحوشه وصدره وبدنه، وبقي بيدي رجلاه ووركاه وفقرتا صلبه، فكان ذلك مما أنعم الله به علي، فاغتبقتها على نَكَظ منكِظ وبوض بايظ عن عراكه إياي، غير أن الله أعانني عليه، فذلك والله عهدي بالطعام، وإني لذو حاجة إلى غذاء أنوِّه به فؤادي وأشد به آدي، فقد والله بلغ مني المجهود، وأدرك مني المجلود. يصف هذا البؤس والجهد، ويتحمل هذه الفاقة ويصبر على الفقر، قناعة بوطنه، وحبًّا لعطنه، واعتدادًا بما وصف من رفاغة عيشه.

وحدثنا سليمان بن معبد أن الوليد بن عبد الملك أراد أن يرسل خيله، فجاء أعرابي له بفرس أنثى، فسأله أن يدخلها مع خيله، فقال الوليد لقهرمانه أسيلم بن الأحنف: كيف تراها يا أسليم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، حجازيةٌ، لو ضمها مضمارك ذهبت. قال الأعرابي: أنت والله منقوص الاسم، أعوج اسم الأب. فأمر الوليد بإدخال فرسه، فلما أُجرِيَت الخيل سبق الأعرابي على فرسه، فقال الوليد: أواهبها لي أنت يا أعرابي؟ فقال: لا والله، إنها لقديمة الصحبة، ولها حق، ولكن أحملك على مُهر لها سبق عامًا أول

وهو رابض، فضحك الوليد، وقال: أعرابي مجنون! فقال: وما يضحككم؟ سبقت أُمُّه عامًا أول وهو في بطنها، فاستظرفه واحتسبه عنده، فمرِض، فبعث إليه بالأطباء، فأنشأ يقول:

جَاءَ الْأَطِبَّاءُ مِنْ حِمْصٍ تَخَالُهُمُ

مِنْ جَهْلِهِمْ أَنْ أُدَاوَى كَالْمَجَانِينِ

قَالَ الْأَطِبَّاءُ مَا يَشْفِيكَ؟ قُلْتُ لَهُمْ:

دُخَانُ رَمْثٍ مِنَ التَّسْرِيرِ يَشْفِينِي

إِنِّي أَحِنُّ إِلَى أَدْخَانِ مُحْتَطَبٍ

مِنَ الْجُنَيْنَةِ جَزْلٍ غَيْرِ مَوْزُونِ

فأمر الوليد أن يُحمل إليه سليخة من رمث فوافوه وقد مات، فهو عند الخليفة وببلد ليس في الأقاليم أريف منه ولا أخصب جنابًا، فحن إلى سليخة رمث حبًّا للوطن.

وحكى أبو عبد اللّٰه الجعفري عن عبد اللّٰه بن إسحق الجعفري قال: أمرت بِصِهْرِيجٍ لي في بستان عليه نخل مُطلٌّ أن يملأ، فذهبت بأم حسانة المرية وابنتها وهي زوجتي، فلما نظرت أم حسانة إلى الصهريج قعدت عليه، وأرسلت رجليها في الماء، فقلت لها: ألا تطوفين معنا على هذا النخل لنجني ما طاب من ثمره؟ فقالت: ها هنا أعجب إليَّ، فَدُرْنا ساعةً وتركناها، ثم انصرفنا وهي تخضخض رجليها في الماء وتحرك شفتيها، فقلت: يا أم حسانة، لا أحسبك إلا وقد قلت شعرًا، قالت: أجل، ثم أنشدتني:

أَقُولُ لِأَدْنَي صَاحِبَيَّ أَسُرُّهُ

وَلِلْعَيْنِ دَمْعٌ يَحْدُرُ الْكُحْلَ سَاكِبُهْ:

لَعَمْرِي لَنَهْيٌ بِاللَّوَى نَازِحُ الْقَذَى

نَقِيُّ النَّوَاحِي غَيْرُ طَرْقٍ مَشَارِبُهْ

بِأَجْرَعَ مِجْرَاعٍ كَأَنَّ رَجَاجَهُ

سَحَابٌ مِنَ الْكَافُورِ وَالْمِسْكُ شَائِبُهْ

أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَهَارِيجَ مُلِّئَتْ

لِلُعْبٍ فَلَمْ تَمْلُحْ لَدَيَّ مَلَاعِبُهْ

فَيَا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ

إِذَا هَضَبَتْهُ بِالْعَشِيِّ هَوَاضِبُهْ

وَرِيحُ صَبَا نَجْدٍ إِذَا مَا تَنَسَّمَتْ

ضُحًى أَوْ سَرَتْ جُنْحَ الظَّلامِ جَنَائِبُهْ

وأنشد أبو النصر الأسدي:

أُحِبُّ الْأَرْضَ تَسْكُنُهَا سُلَيْمَى

وَإِنْ كَانَتْ بِوَادِيهَا الْجُدُوبُ

وَمَا عَهْدِي بِحُبِّ تُرَابِ أَرْضٍ

وَلَكِنْ مَنْ يَحُلُّ بِهَا حَبِيبُ

وأنشدني حماد بن إسحق الموصلي:

أَحَبُّ بِلادِ اللهِ مَا بَيْنَ صَارَةٍ

إِلَى غَطْفَانَ أَنْ يَصُوبُ سَحَابُهَا

بِلَادٌ بِهَا نِيطَتْ عَلَيَّ تَمَائِمِي

وَأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِسْمِي تُرَابُهَا

قال: ولما حُملت نائلة بنت القرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفان — رضي الله عنه — كَرِهَت فراق أهلها، فقالت لضبٍّ أخيها:

أَلَسْتَ تَرَى يَا ضَبُّ بِاللهِ أَنَّنِي

مُرَافِقَةٌ نَحْوَ المَدِينَةِ أَرْكُبَا

أَمَا كَانَ فِي أَوْلَادِ عَوْفِ بنِ عَامِرٍ

لَكَ الْوَيْلُ مَا يُغْنِي الخِبَاءُ المُطَنَّبَا؟!

أَبَى اللهُ إِلَّا أَنْ أَكُونَ غَرِيبَةً

بِيَثْرِبَ لَا أُمًّا لَدَيَّ وَلَا أَبَا

قال: وزُوِّجَت من أَبَان في كلبٍ امرأةٌ، فنظرت ذات يوم إلى ناقة قد حنَّت فذكرت بلادها، وأنشأت تقول:

أَلَا أَيُّهَا الْبَكْرُ الْأُبَانِيُّ إِنَّنِي

وَإِيَّاكَ فِي كَلْبٍ لَمُغْتَرِبَانِ

تَحِنُّ، وَأَبْكِي ذَا الهَوَى لِصَبَابَةٍ

وَإِنَّا عَلَى الْبَلْوَى لَمُصْطَحِبَانِ

وَإِنَّ زَمَانًا أَيُّهَا الْبَكْرُ ضَمَّنِي

وَإِيَّاكَ فِي كَلْبٍ لَشَرُّ زَمَانِ

وقال آخر:

أَلَا يَا حَبَّذَا وَطَنِي وَأَهْلِي

وَصَحْبِي حِينَ يُدَّكَرُ الصِّحَابُ

وَمَا عَسَلٌ بِبَارِدِ مَاءِ مُزْنٍ

عَلَى ظَمَأٍ لِشَارِبِهِ يُشَابُ

بِأَشْهَى مِنْ لِقَائِكُمُ إِلَيْنَا

فَكَيْفَ لَنَا بِهِ وَمَتَى الْإِيَابُ

وأنشد الغنوي لبعض الهذليين:

وَأَرَى الْبِلَادَ إِذَا سَكَنْتُ بِغَيْرِهَا

جَدْبًا وَإِنْ كَانَتْ تُظِلُّ وَتُحْبَبُ

وَأَرَى الْعَدُوَّ يُحِبُّكُم فَأُحِبُّهُ

إِنْ كَانَ يُنْسَبُ مِنْكُمُ أَوْ تُنْسَبُ

وَأَرَى السَّمِيَّةَ بِاسْمِكُمْ فَنَرُدُّهَا

حُبًّا إِلَى … … …

قال: ومن هذا أخذ الطائي قوله:

كَمْ مَنْزِلٍ فِي الْأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى