ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 5 من 28

البخلاء

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 5 من 281,794 كلمة في هذا الجزء

الإقتصاد في لبس الاخفاف

وليس هذا الحديث من حديث المراوزة ولكنا ضممناه إلى ما يشاكله.

قال سجادة وهو أبو سعيد سجادة: إن من المراوزة إذا لبسوا الخفاف في الستة الأشهر التي لا ينزعون فيها خفافهم يمشون على صدور أقدامهم ثلاثة أشهر مخافة أن تنجرد نعال خفافهم أو تنقب.

وحكى أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام عن جاره المروزي أنه كان لا يلبس خفاً ولا نعلاً إلى أن يذهب النبق اليابس لكثرة النوى في الطريق والأسواق.

قال: ورآني مرة مصصت قصب سكر فجمعت ما مصصت ماءه لأرمي به.

فقال: إن كنت لا ينور لك ولا عيال فهبه لمن تنور وعليه عيال.

وإياك أن تعود نفسك هذه العادة في أيام خفة ظهرك فإنك لا تدري ما يأتيك من العيال.

قصة أهل البصرة من المسجديين

قال أصحابنا منة المسجديين: اجتمع ناس في المسجد ممن ينتحل الاقتصاد في النفقة والتنمية للمال من أصحاب الجمع والمنع.

وقد كان هذا المذهب صار عندهم كالنسب الذي يجمع على التحاب وكان الذي يجمع على التناصر.

وكانوا إذا التقوا في حلقهم تذاكروا هذا الباب وتطارحوة وتدارسوه.

فقال شيخ منهم: ماء بئرنا - كما قد علمتم - ملح أجاج لا يقربه الحمار ولا تسيغه الإبل وتموت عليه النخل.

والنهر منا بعيد.

وفي تكلف العذب علينا مؤنة.

فكنا نمزج منه للحمار فاعتل عنه وانتفض علينا من أجله.

فصرنا بعد ذلك نسقيه العذب صرفاً.

وكنت أنا والنعجة كثيراً ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثل ما اعترى جوف الحمار.

فكان ذلك الماء العذب الصافي يذهب باطلاً.

ثم انفتح لي باب من الإصلاح فعمدت إلى ذلك المتوضأ فجعلت في ناحية منه حفرة وصهرجتها وملستها حتى صارت كأنها صخرة منقورة.

وصوبت إليها المسيل.

فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافياً لم يخالطه شيء.

والحمار أيضاً لا تقزز له منه.

وليس علينا حرج في سقيه منه.

وما علمنا أن كتاباً حرمه ولا سنة نهت عنه.

فربحنا هذه منذ أيام وأسقطنا مؤنة عن النفس والمال مال القوم.

وهذا بتوفيق الله ومنه.

فأقبل عليهم شيخ فقال: هل شعرتم بموت مريم الصناع فإنها كانت من ذوات الاقتصاد وصاحبة إصلاح.

قالوا: فحدثنا عنها.

قال: نوادرها كثيرة وحديثها طويل.

ولكني أخبركم عن واحدة فيها كفاية.

قالوا: وما هي قال: زوجت ابنتها وهي بنت اثنتي عشرة فحلتها الذهب والفضة وكستها المروى والوشي والقز والخز وعلقت المعصفر ودقت الطيب وعظمت أمرها من قدرها عند الأحماء.

فقال لها زوجها: أنى هذا يا مريم قالت: هو من عند الله.

قال: دعي عنك الجملة وهاتي التفسير.

والله ما كنت ذات مال قديماً ولا ورثته حديثاً.

وما أنت بخائنة في نفسك ولا في مال بعلك.

إلا أن تكوني قد وقعت على كنز! وكيف دار الأمر فقد أسقطت عني مؤنة وكفيتني هذه النائبة.

قالت: اعلم أني منذ يوم ولدتها إلى أن زوجتها كنت أرفع من دقيق كل عجنة حفنة.

وكنا - كما قد علمت - نخبز في كل يوم مرة.

فإذا اجتمع من ذلك مكوك بعته.

قال زوجها: ثبت الله رأيك وأرشدك! ولقد أسعد الله من كنت له سكناً وبارك لمن جعلت له إلفاً! ولهذا وشبهه قال رسول الله ﷺ : من الذود إلى الذود إبل.

وإني لأرجو أن يخرج ولدك على عرقك الصالح وعلى مذهبك المحمود.

فنهض القوم بأجمعهم إلى جنازتها وصلوا عليها.

ثم انكفؤا إلى زوجها فعزوه على مصيبته وشاركوه في حزنه.

ثم اندفع شيخ منهم فقال: يا قوم لا تحقروا صغار الأمور فإن كل كبير صغير.

ومتى شاء الله أن يعظم صغيراً عظمه وأن يكثر قليلاً كثره.

وهل بيوت الأموال إلا درهم إلى درهم وهم الذهب إلا قيراط إلى جنب قيراط وليس كذلك رمل عالج وماء البحر وهل اجتمعت أموال بيوت إلا بدرهم من هاهنا ودرهم من هاهنا فقد رأيت صاحب سفط قد اعتقد مائة جريب في أرض العرب ولربما رأيته يبيع الفلفل بقيراط الحمص بقيراط فأعلم أنه لم يربح في ذلك الفلفل إلا الحبة والحبتين من خشب الفلفل.

فلم يزل يجمع من الصغار الكبار حتى اجتمع ما اشترى به مائة جريب!.

ثم قال: اشتكيت أياماً صدري من سعال كان أصابني فأمرني قوم بالفانيذ السكري.

وأشار على آخرون بالحريرة تتخذ من النشاستج والسكر ودهن اللوز وأشباه ذلك.

فاستثقلت المؤنة وكرهت الكلفة ورجوت العافية.

فبينا أنا أدافع اِلأيام إذ قال لي بعض الموفقين: عليك بماء النخالة فاحسه حاراً.

فحسوت فإذا هو طيب جداً وإذا هو يعصم: فما جعت ولا اشتهيت الغذاء في ذلك اليوم إلى الظهر.

ثم ما فرعت من غدائي وغسل يدي حتى فقلت للعجوز: لم لا تطبخين لعيالنا في كل غداة نخالة فإن ماءها جلاء للصدر وقوتها غذاء وعصمة ثم تجففين بعد النخالة فتعود كما كانت.

فتبيعين إذا الجميع بمثل الثمن الأول ونكون قد ربحنا فضل ما بين الحالين! قالت: أرجو أن يكون الله قد جمع بهذا السعال مصالح كثيرة لما فتح الله لك بهذه النخالة التي فيها صلاح بدنك معاشك! وما أشك أن تلك المشهورة كانت من التوفيق! قال القوم: صدقت مثل هذا لا يكتسب بالرأي ولا يكون إلا سماويا.

! ثم أقبل عليهم شيخ فقال: كنا نلقي من الحراق والقداحة جهداً لأن الحجارة كانت إذا انكسرت حروفها واستدارت كلت ولم تقدح قدح خير وأصلدت فلم تور وربما أعجلنا المطر والوكف.

وقد كان الحجر أيضاً يأخذ من حروف القداحة حتى يدعها كالقوس.

فكنت أشتري المرقشيتا بالغلاء والقداحة الغليظة بالثمن الموجع.

وكان علينا أيضاً في صنعة الحراق وفي معالجة القطنة مؤنة وله ريح كريهة.

والحراق لا يجيء من الحرق المصبوغة ولا من الحرق الوسخة ولا من الكتان ولا من الخلقان.

فكنا نشتريه بأغلى الثمن.

فتذاكرنا منذ أيام أهل البدو والأعراب وقدحهم النار بالمرخ والعفار.

فزعم لنا صديقنا الثوري وهو - ما علمت - أحد المرشدين أن عراجين الأعذاق تنوب عن ذلك أجمع.

وعلمني كيف تعالج.

ونحن نؤتى بها من أرضنا بلا كلفة.

فالخادم اليوم لا تقدح ولا توري إلا بالعرجون.

قال القوم: قد مرت بنا اليوم فوائد كثيرة.

ولهذا قال الأول: مذاكرة الرجال تلقح الألباب.

ثم اندفع شيخ منهم فقال: لم أرى في وضع الأمور في مواضعها وفي توفيتها غاية حقوقها كمعاذة العنبرية.

قالوا: وما شان معاذة هذه قال: أهدى إليها العام ابن عم لها أضحية.

فرأيتها كئيبة حزينة مفكرة مطرقة.

فقلت لها: مالك يا معاذة قالت: أنا امرأة أرملة وليس لي قيم.

ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي.

وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه.

وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة.

ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها.

وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئاً لا منفعة فيه.

ولكن المرء يعجز لا محالة.

ولست أخاف من تضييع القليل إلا أنه يجر تضييع الكثير.

أما القرن فالوجه فيه معروف وهو أن يجعل كالخطاف ويسمر في جذع من جذوع السقف فيعلق عليه الزبل والكيران وكل ما خيف عليه من الفأر والنمل والسنانير وبنات وردان والحيات وغير ذلك.

وأما المصران فإنه لأوتار المندفة.

وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة.

وأما قحف الرأس واللحيان وسائر العظام فسبيله أن يكسر بعد أن يعرق ثم يطبخ.

فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك.

ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها.

فلم يرى الناس وقوداً قط أصفى ولا أحسن لهباً منها.

وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر لقلة ما يخالطها من الدخان.

وأما الإهاب فالجلد نفسه حراب.

وللصوف وجوه لا تدفع.

وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب.

ثم قالت: بقي الآن علينا الانتفاع بالدم.

وقد علمت أن الله عز وجل لم يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها.

وإن أنا لم أقع على علم ذلك حتى يوضع موضع الانتفاع به صار كية في قلبي وقدي في عيني وهما لا يزال يعاودني.

فلم ألبث أن رأيتها قد تطلقت وتبسمت.

فقلت: ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم.

قالت: أجل ذكرت أن عندي قدوراً شامية جدداً.

وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم الحار الدسم.

وقد استرحت الآن إذ وقع كل شيء موقعه! قال: ثم لقيتها بعد ستة أشهر فقلت لها: كيف كان قديد تلك الشاة قالت: بأبي أنت! لم يجيء وقت القديد بعد! لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك معاش! ولكل شيء إبان! فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى ثم ضرب بها الأرض.

ثم قال: لا تعلم قصة زبيدة بن حميد: وأما زبيدة بن حميد الصيرفي فإنه استلف من بقال كان على باب داره درهمين وقيراطاً.

فلما قضاه بعد ستة أشهر قضاه درهمين وثلاث حبات شعير.

فاغتاظ البقال فقال: سبحان الله! أنت رب مائة ألف دينار وأنا بقال لا أملك مائة فلس وإنما أعيش بكدي وباستفضال الحبة والحبتين.

صاح على بابك حمال والمال لم يحضرك وغاب وكيلك فنقدت عنك درهمين وأربع شعيرات.

فقضيتني بعد ستة أشهر درهمين وثلاث شعيرات.

فقال زبيدة: يا مجنون! أسلفتني في الصيف فقضيتك في الشتاء.

وثلاث شعيرات شتوية ندية أرزن من أربع شعيرات يابسة صيفية.

وما أشك أن معك فضلاً! وحدثني أبو الأصبغ بن ربعي قال: دخلت عليه بعد أن ضرب غلمانه بيوم فقلت له: ما هذا الضرب المبرح وهذا الخلق السيء هؤلاء غلمان ولهم حرمة وكفاية وتربية.

وإنما هم ولد.

هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحوج.

قال: إنك لست تدري أنهم أكلوا كل جوارشن كان عندي! قال أبو الأصبغ: فخرجت إلى رئيس غلمانه فقلت: ويلك! مالك وللجوارشن وما رغبتك فيه قال: جعلت فداك! ما أقدر أن أكلمك من الجوع إلا وأنا متكئ! الجوارشن! ما أصنع به هو نفسه ليس يشبع ولا نحتاج إلى الجوارشن ونحن الذين إنما نسمع بالشبع سماعاً من أفواه الناس! ما نصنع بالجوارشن واشتد على غلمانه في تصفية الماء وفي تبريده وتزميله لأصحابه وزواره.

فقال له غازي أبو مجاهد: جعلت فداك! مر بتزميل الخبز وتكثيره فإن الطعام قبل الشراب.

وقال مرة: يا غلام هات خوان النرد وهو يريد تحت النرد فقال له غازي: نحن إلى خوان الخبز أحوج.

وسكر زبيدة ليلة فكسا صديقاً له قميصاً.

فلما صار القميص على النديم خاف البدوات وعلم أن ذلك من هفوات السكر.

فمضى من ساعته إلى منزله فجعله بركاناً لامرأته.

فلما أصبح سأل عن القميص وتفقده فقيل له: إنك قد كسوته فلاناً.

فبعث إليه ثم أقبل عليه فقال: ما علمت أن هبة السكران وشراءه وبيعه وصدقته وطلاقه لا يجوز وبعد فإني أكره ألا يكون لي حمد وأن يوجه الناس هذا مني السكر.

فرده علي حتى أهبه لك صاحياً عن طيب نفس فإني أكره أن يذهب شيء من مالي باطلاً.

فلما رآه قد صمم أقبل عليه فقال: يا هناه! إن الناس يمزحون ويلعبون ولا يؤاخذون بشيء من ذلك.

فرد القميص عافاك الله! قال له الرجل: إني والله قد خفت هذا بعينه فلم أضع جنبي إلى الأرض حتى جيبته لامرأتي.

وقد زدت في الكمين وحذفت المقاديم.

فإن أردت بعد هذا كله أن تأخذه فخذه.

فقال: نعم آخذه لأنه يصلح لامرأتي كما يصلح لامرأتك.

قال: فإنه عند الصباغ.

قال: فهاته.

قال: ليس أنا أسلمته إليه.

فلما علم أنه قد وقع قال: بأبي وأمي رسول الله ﷺ حيث يقول: جُمع الشر كله في بيت و أغلق عليه فكان مفتاحه السُكر.

قصة ليلى الناعطية: وأما ليلى الناعطية صاحبة الغالية من الشيعة فإنها ما زالت ترقع قميصاً لها وتلبسه حتى صار القميص الرقاع وذهب القميص الأول.

ورفت كساءها ولبسته حتى صارت لا تلبس إلا الرفو وذهب جميع الكساء.

وسمعت قول الشاعر: البس قميصك ما اهتديت لجيبه فإذا أضلك جيبه فاستبدل فقالت: إني إذا الخرقاء! أنا والله أحوص الفتق وأرقع الخرق وخرق الخرق! ومضيت أنا وأبو إسحاق النظام وعمرو بن نهيوي نريد الحديث في الجبان ولنتناظر في شيء فلما جاوزنا الخندق جلسنا في فناء حائطه.

وله ظل شديد السواد بارد ناعم.

وذلك لثخن الساتر واكتناز الأجزاء ولبعد مسقط الشمس من أصل حائطه.

فطال بنا الحديث فجرينا في ضروب من الكلام.