ملفات مفحوصة قبل النشرHTML قابل للفهرسةإصدار وبصمة رقمية
متابعة القراءة / 4 من 28

البخلاء

تابع من هذا الجزء، أو استخدم فهرس الفصول للانتقال إلى موضع آخر في الكتاب.

نسخة اجتازت فحص النشر

تم التحقق من سلامة الملف والمحتوى والروابط بتاريخ 2026/09/18 · 20:52.

موثّق
قراءة الكتاب / الجزء 4 من 281,439 كلمة في هذا الجزء

قصة العراقي مع المروزيّ

ومن أعاجيب أهل مرو ما سمعناه من مشايخنا على وجه الدهر.

وذلك أن رجلاً من أهل مرو كان لا يزال يحج ويتجر وينزل على رجل من أهل العراق فيكرمه ويكفيه مؤنته.

ثم كان كثيراً ما يقول لذلك العراقي: ليت أني رأيتك بمرو حتى أكافئك لقديم إحسانك وما تجدد لي من البر في كل قدمة.

فأما هاهنا فقد أغناك الله عني.

قال: فعرضت لذلك العراقي بعد دهر طويل حاجة في تلك الناحية.

فكان مما هون عليه مكابدة السفر ووحشة الاغتراب مكان المروزي هناك.

فلما قدم مضى نحوه في ثياب سفره وفي عمامته وقلنسوته وكسائه ليحط رحله عنده كما يصنع الرجل بثقته وموضع أنسه.

فلما وجده قاعداً في أصحابه أكب عليه وعانقه.

فلم يره أثبته وسأل به سؤال من رآه قط.

قال العراقي في نفسه: لعل إنكاره إياي لمكان القناع.

فرمى بقناعته وابتدأ مسألته.

فكان له أنكر.

فقال: لعله أن يكون إنما أتي من قبل العمامة فنزعها.

ثم انتسب وجدد مسألته فوجده أشد ما كان إنكاراً.

قال: فلعله إنما أتي من قبل القلنسوة.

وعلم المروزي أنه لم يبق شيء يتعلق به المتغافل والمتجاهل.

قال: لو خرجت من جلدك لم أعرفك!.

المشاركة في طبخ اللحم

وزعموا أنهم ربما ترافقوا وتزاملوا فتناهدوا وتلازقوا في شراء اللحم. وإذا اشتروا اللحم قسموه قبل الطبخ وأخذ كل إنسان منهم نصيبه فشكه بخوصة أو بخيط ثم أرسله في خل القدر والتوابل.

فإذا طبخوا تناول كل إنسان خيطه وقد علمه بعلامة. ثم اقتسموا المرق. ثم لا يزال أحدهم يسل من الخيط القطعة بعد القطعة حتى يبقى الحبل لا شيء فيه. ثم يجمعون خيوطهم. فإن أعادوا الملازقة أعادوا تلك الخيوط لأنها قد تشربت الدسم ورويت.

وليس تناهدهم من طريق الرغبة في المشاركة ولكن لأن بضاعة كل واحد منهم لا تبلغ مقدار الذي يحتمل أن يطبخ وحده ولأن المؤنة تخف أيضاً في الحطب والخل والثوم والتوابل. ولأن القدر الواحدة أمكن من أن يقدر كل واحد منهم على قدر. فإنما يختارون السكباج لأنه أبقى على الأيام وأبعد من الفساد.

قصة مقلى الخراساني

حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام «4» قال: قلت مرة لجار كان لي، من أهل خراسان: «أعرني مقلاكم، فإني أحتاج إليه» قال:

«قد كان لنا مقلى، ولكنه سرق» . فاستعرت من جار لي آخر. فلم يلبث الخراساني أن سمع نشيش اللحم في المقلى، وشمّ الطباهج، فقال لي: كالمغضب: «ما في الأرض أعجب منك، لو كنت أخبرتني أنك تريده للحم أو لشحم لوجدتني أسرع إليك به، إنما خشيتك تريده للباقلّي، وحديد المقلى يحترق إذا كان الذي يقلى فيه ليس بدسم. وكيف لا أعيرك إذا أردت الطّباهج، والمقلى، بعد الرّد من الطباهج، أحسن حالا منه، وهو في البيت؟!.

طلاق بسبب غسل الخوان

وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظام: دعانا جار لنا، فأطعمنا تمرا وسمن سلاء، ونحن على خوان ليس عليه إلا ما ذكرت، والخراساني معنا يأكل، فرأيته يقطر السمن على الخوان حتى أكثر من ذلك؛ فقلت لرجل إلى جنبي: ما لأبي فلان يضيع سمن القوم، ويسيء المؤاكلة، ويغرف فوق الحق؟ قال: وما عرفت علّته؟ قلت: لا والله. قال: الخوان خوانه، فهو يريد أن يدسمه، ليكون كالدّبغ له.

ولقد طلّق إمرأته، وهي أمّ أولاده، لأنه رآها غسلت له خوانا له بماء حارّ، فقال لها: هلّا مسحته.

الأكل مع الجماعة تكلّف: وقال أبو نوّاس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد، رجل من أهل خراسان، وكان من عقلائهم وفقهائهم. فكان يأكل وحده. فقلت له: «لم تأكل وحدك» ؟ قال: ليس «عليّ» في هذا الوضع مسألة؛ إنما المسأله على من أكل مع الجماعة، لأن ذلك هو التكلّف. وأكلي وحدي هو الأصل، وأكلي مع غيري زيادة في الأصل» .

السلام والطعام

وحدثني إبراهيم بن السندي قال: كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان.

وكان مصححاً بعيداً من الفساد ومن الرشا ومن الحكم بالهوى.

وكان حفياً جداً.

وكذلك كان في إمساكه وفي بخله وتدنيقه في نفقاته وكلن لا يأكل إلا ما لابد منه ولا يشرب إلا ونشهد أن محمداً عبده ورسوله لابد منه.

غير أنه كان في غداة كل جمعة يحمل معه منديلاً فيه جردقتان وقطع لحم سكباج مبرد وقطع جبن وزيتونات وصرة فيها ملح وأخرى فيها أشنان وأربع بيضات ليس منها بد.

ومعه خلال.

ويمضي وحده حتى يدخل بعض بساتين الكرخ.

ويطلب موضعاً تحت شجرة وسط خضرة وعلى ماء جار.

فإذا وجد ذلك جلس وبسط بين يديه المنديل وأكل من هذا مرة ومن هذا مرة.

فإن وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم ثم قال: اشتر لي بهذا أو أعطني بهذا رطباً إن كان في زمان الرطب أو عنباً إن كان في زمان العنب.

ويقول له: إياك إياك أن تحابيني ولكن تجود لي فإنك إن فعلت لم آكله ولم أعد إليك.

واحذر الغبن فإن المغبون لا محمود ولا مأجور.

فإن أتاه به أكل كل سيء معه وكل شيء أتى به.

ثم تخلل وغسل يديه.

ثم يمشي مقدار مائة خطوة.

ثم يضع جنبه فينام إلى وقت الجمعة.

ثم ينتبه فيغتسل ويمضي إلى المسجد.

هذا كان دأبه كل جمعة.

قال إبراهيم: فبينا هو يوماً من أيامه يأكل في بعض المواضع إذ مر به رجل فسلم عليه فرد السلام.

ثم قال: هلم - عافاك الله! فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعاً يريد أن يطفر الجدول أو يعدي النهر قال له: مكانك فإن العجلة من عمل الشيطان! فوقف الرجل فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا قال: أريد أن أتغدى.

قال: ولم ذلك وكيف طمعت في هذا ومن أباح لك مالي قال الرجل: أو ليس قد دعوتني قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام.

الآيين فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار تبدأ أنت فتسلم.

فأقول أنا حينئذ مجيباً لك: وعليكم السلام.

فإن كنت لا آكل شيئاً أنا وسكت أنتن ومضيت أنت وقعدت أنا على حالي! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا فأقول: هلم وتجيب أنت فتقول: هنيئاً.

فيكون كلام بكلام.

فأما كلام بفعال وقول بأكل فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يخرج علينا فضلاً كثيراً! قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه.

فشهر بذلك في تلك الناحية وقيل له: قد أعفيناك من السلام ومن تكلف الرد.

قال: ما بي إلى ذلك حاجة.

إنما هو أن أعفي أنا نفسي من هلم وقد استقام الأمر!

== كذب بكذب == ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير عن وال كان بفارس إما أن يكون جالداً أخا مهرويه أو غيره.

قال: بينا هو يوماً في مجلس وهو مشغول بحسابه وأمره وقد احتجب جهده إذ نجم شاعر من بين يديه فأنشده شعراً مدحه فيه وقرظه ومجده.

فلما فرغ قال: قد أحسنت.

ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم.

ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له.

فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع اجعلها عشرين ألف درهم.

وكاد الشاعر يخرج من جلده! فلما رأى فرحه قد تضاعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول! أعطه يا فلان أربعين ألفاً.

فكاد الفرح يقتله.

فلما رجعت إليه نفسه قال له: أنت - جعلت فداك! - رجل كريم.

وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحاً زدتني في الجائزة.

وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر له! ثم دعا له وخرج.

قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: سبحان الله! هذا كان يرضى منك بأربعين درهماً تأمر له بأربعين ألف درهم! قال: ويلك! وتريد أن تعطيه شيئاً قال: ومن إنفاذ أمرك بد قال: يا أحمق إنما هذا رجل سرنا بكلام! هو حين زعم أني أحسن من القمر وأشد من الأسد وأن لساني أقطع من السيف وأن أمري أنفذ من السنان جعل في يدي من هذا شيئاً أرجع به إلى شيء نعلم أنه قد كذب ولكنه قد سرنا حين كذب لنا.

فنحن أيضاً نسره بالقول ونأمر له بالجوائز وإن كان كذباً.

فيكون كذب بكذب وقول بقول.

فأما أن يكون كذب بصدق وقول ويقال إن هذا المثل الذي قد جرى على ألسنة العوام من قولهم: ينظر إلي شزراً كأني أكلت اثنين وأطعمته واحداً إنما هو لأهل مرو.

قال: وقال المروزي: لو لا أنني أبني مدينة لبنيت آرياً لدابتي.

قال: وقلت لأحمد بن هشام وهو يبني داره ببغداد: إذا أراد الله ذهاب مال رجل سلط عليه الطين والماء.

قال: لا بل إذا أراد الله ذهاب مال رجل جعله يرجو الخلف! والله ما أهلك الناس ولا أقفر بيوتهم ولا ترك دورهم بلاقع إلا الإيمان بالخلف! وما رأيت جنة قط أوقى من اليأس! == الزكاة والخلف ==

قال: وسمع رجل من المراوزة الحسن وهو يحث الناس على المعروف ويأمر بالصدقة ويقول: ما نقص مال قط من زكاة ويعدهم سرعة الخلف.

فتصدق بماله كله فافتقر.

فانتظر سنة وسنة.

فلما لم ير شيئاً بكر على الحسن فقال: حسن ما صنعت بي! ضمنت لي الخلف فأنفقت على عدتك.

وأنا اليوم مذ كذا وكذا سنة أنتظر ما وعدت لا أرى منه قليلاً ولا كثيراً! هذا يحل لك آللص كان يصنع بي أكثر من هذا والخلف يكون معجلاً ومؤجلاً.

ومن تصدق وتشرط الشروط استحق الحرمان.

ولو كان هذا على ما توهمه المروزي لكانت المحنة فيه ساقطة ولترك الناس التجارة ولما بقي فقير أصبح ثمامة شديد الغم حين احترقت داره.

وكان كلما دخل عليه إنسان قال: الحريق سريع الخلف! فلما كثر ذلك القول منهم قال: فلنستحرق الله! اللهم إني أستحرقك فأحرق كل شيء لنا!.