فما شعرنا إلا والنهار قد انتصف ونحن في يوم قائظ.
فلما صرنا في الرجوع ووجدت مس الشمس وقعها على الرأس أيقنت بالبرسام.
فقلت لأبي إسحاق والوليد إلى جنبي يسمع كلامي: الباطنة منا بعيدة وهذا يوم منكر ونحن في ساعة تذيب كل شيء.
والرأي أن نميل إلى منزل الوليد فنقيل فيه ونأكل ما حضر فإنه يوم تخفيف.
فإذا أبردنا تفرقنا وإلا فهو الموت ليس دونه شيء.
قال الوليد رافعاً صوته: أما على هذا الوجه الذي أنكرته علينا - رحمك الله هل ها هنا إلا الحاجة والضرورة قال: إنك أخرجته مخرج الهزء.
وقلت: وكيف أخرجه مخرج الهزء وحياتي في يدك مع معرفتي بك فغضب ونتر يده من أيدينا وفارقنا.
ولا والله ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة.
ولم أر من يجعل الأسى حجة في المنع إلا هو وإلا من أبي مازن إلى جبل الغمر.
وكان جبل خرج ليلاً من موضع كان فيه فخاف الطائف ولم يأمن المستقفي فقال: لو دققت الباب على أبي مازن فبت عنده في أدنى بيت أو في دهليزه ولم ألزمه من مؤنتي شيئاً.
حتى إذا انصدع عمود الصبح خرجت في أوائل المدلجين.
فدق عليه الباب دق واثق ودق مدل ودق من يخاف أن يدركه الطائف أو يقفوه المستقفي وفي قلبه عز الكفاية والثقة بإسقاط المؤنة.
فلم يشك أبو مازن أنه دق صاحب هدية.
فنزل سريعاً.
فلما فتح الباب وبصر بجبل بصر بملك الموت! فلما رآه جبل واجماً لا يحير كلمة قال له: إني خفت معرة الطائف وعجلة المستقفي فملت إليك لأبيت عندك.
فتساكر أبو مازن وأراه أن وجومه إنما كان بسبب السكر.
فخلع جوارحه وخبل لسانه وقال: سكران والله أنا والله سكران! قال له جبل: كن كيف شئت.
نحن في أيام الفصل لا شتاء ولا صيف.
ولست أحتاج إلى سطح فأغم عيالك بالحر ولست أحتاج إلى لحاف فأكلفك أن تؤثرني بالدثار.
وأنا كما ترى ثمل من الشراب شبعان من الطعام.
ومن منزل فلان خرجت وهو أخصب الناس دخلاً.
وإنما أريد أن تدعني أغفي في دهليزك إغفاءة واحدة ثم أقوم في أوائل المبكرين.
قال أبو مازن وأرخى عينيه وفكيه ولسانه ثم قال: سكران والله! أنا سكران! لا والله ما أعقل أين أنا! والله إن أفهم ما تقول! ثم أغلق الباب في وجهه ودخل لا يشك أن عذره قد وضح وأنه قد ألطف النظر حتى وقع على هذه الحيلة! وإن وجدتم في هذا الكتاب لحناً أو كلاماً غير معرب ولفظاً معدولاً عن جهته فاعلموا أنا إنما تركنا ذلك لأن الإعراب يبغض هذا الباب ويخرجه من حده.
إلا أن أحكي كلاماً من كلام متعاقلي البخلاء وأشحاء العلماء كسهل بن هارون وأشباهه.
قصة أحمد بن خلف: ومن طياب البخلاء أحمد بن خلف اليزيدي.
ترك أبوه في منزله يوم مات ألفي ألف درهم وستمائة ألف درهم وأربعين ومائة ألف دينار.
فاقتسمها هو وأخوه حاتم قبل دفنه.
وأخذ أحمد وحده ألف ألف وثلثمائة ألف درهم وسبعين ألف دينار ذهباً عيناً مثاقيل وازنة جياداً سوى العروض.
فقلت له وقد ورث هذا المال كله: ما أبطأ بك الليلة قال لا والله إلا أني تعيشت البارحة في البيت! فقلت لأصحابنا: لولا أنه بعيد العهد بالأكل في بيته وأن ذلك غريب منه لما احتاج إلى هذا الاستثناء وإلى هذه الشريطة.
وأين يتعشى الناس إلا في منازلهم وإنما يقول الرجل عند مثل هذه المسألة: لا والله إلا أن فلاناً حبسني ولا والله إلا أن فلاناً عزم علي.
فأما ما يستثنى ويشترط فهذا ما لا يكون إلا على ما ذكرناه قبل.
وقال لي مبتدئاً مرة عن غير مشورة وعن غير سبب جرى: انظر أن تتخذ لعيالك في الشتاء من هذه المثلثة فإنها عظيمة البركة كثيرة النزل.
وهي تنوب عن الغداء.
ولها نفخة تغني عن العشاء.
وكل شيء من الأحساء فهو يغني عن طلب النبيذ وشرب الماء.
ومن تحسى الحار عرق.
والعرق يبيض الجلد ويخرج من الجوف.
وهي تملأ النفس وتمنع من التشهي.
وهي أيضاً تدفئ فتقوم لك في أجوافهم مقام فحم الكانون من خارج.
وحسو طار يغني عن الوقود وعن لبس الحشو.
والوقود يسود كل شيء وييبسه.
وهو سريع في الهضم وصاحبه معرض للحريق ويذهب في ثمنه المال العظيم.
وشر شيء فيه أن من تعوده لم يدفئه شيء سواه.
فعليك يا أبا عثمان بالمثلثة! واعلم أنها لا تكون إلا في منازل المشيخة وأصحاب التجربة.
فخذها من حكيم مجرب ومن ناصح مشفق.
وكان لا يفارق منازل إخوانه.
وإخوانه مخاصيب مناويب أصحاب نفح وترف.
وكانوا يتحفونه ويدللونه ويفكهونه ويحكمونه.
ولم يشكوا أنه سيدعوهم مرة وأن يجعلوا بيته نزهة ونشوة.
فلما طال تغافله وطالت مدافعته وعرضوا له بذلك فتغافل صرحوا له.
فلما امتنع قالوا: اجعلها دعوة ليس لها أخت.
فلما أكلوا وغسلوا أيديهم أقبل عليهم فقال: أسألكم بالله الذي لا شيء أعظم منه أنا الساعة أيسر وأغنى أو قبل أن تأكلوا طعامي قالوا: ما نشك أنك حين كنت والطعام في ملكك أغنى وأيسر.
قال: فأنا الساعة أقرب إلى الفقر أم تلك الساعة قالوا: بل أنت الساعة أقرب إلى الفقر.
قال: فمن يلومني على ترك دعوة قوم قربوني من الفقر وباعدوني من الغنى وكلما دعوتهم أكثر كنت من الفقر أقرب ومن الغنى أبعد وفي قياسه هذا أن من رأيه أن يهجر كل من استسقاه شربة ماء أو تناول من حائطه لبنة ومن خليط دابته عوداً.
ومر بأصحاب الجداء وذلك في زمان التوليد.
فأطعمه الزمان في الرخص وتحركت شهوته على قدر إمكانه عنده.
فبعث غلاماً له يقال له ثقف وهو معروف ليشتري له جدياً.
فوقف غير بعيد.
فلم يلبث أن رجع الغلام يحضر وهو يشير بيده ويومئ برأسه: أن اذهب ولا تقف.
فلم يبرح.
فلما دنا منه قال: ويلك تهزأ بي كأني مطلوب! قال: هذا أطرفه! الجدي بعشرة! أنت من ذي البابة مر الآن مرمر! فإذا غلامه يرى أن من المنكر أن يشتري جدي بعشرة دراهم! والجدي بعشرة إنما ينكر عندنا بالبصرة لكثرة الخير ورخص السعر.
فأما في العساكر فإن أنكر ذلك منكر فإنما ينكره من ولا تقولوا الآن: قد والله أساء أبو عثمان إلى صديقه بل تناوله بالسوء حتى بدأ بنفسه.
ومن كانت هذه صفته وهذا مذهبه فغير مأمون على جليسه.
وأي الرجال المهذب هذا والله الشيوع والتبوع والبذاء وقلة الوفاء.
اعلموا أني لم ألتمس بهذه الأحاديث عنه إلا موافقته وطلب رضاه ومحبته.
ولقد خفت أن أكون عند كثير من الناس دسيساً من قبله وكميناً من كمائنه.
وذلك أن أحب الأصحاب إله أبلغهم قولاً في إياس الناس مما قبله وأجودهم حسماً لأسباب الطمع في ماله.
على أني إن أحسنت بجهدي فسيجعل شكري موقوفاً.
وإن جاوز كتابي هذا حدود العراق شكر وإلا أمسك.
لأن شهرته بالقبيح عند نفسه في هذا الإقليم قد أغنته عن التنويه والتنبيه على مذهبه.
وكيف وهو يرى أن سهل بن هارون وإسماعيل بن غزوان كانا من المسرفين وأن الثوري والكندي يستوجبان الحجر.
وبلغني أنه قال: لو لم تعرفوا من كرامة الملائكة على الله إلا أنه لم يبتلهم بالنفقة ولا بقول العيال: هات لعرفتم حالهم ومنزلتهم.
وحدثني صاحب لي قال: دخلت على فلان بن فلان وإذا المائدة موضوعة بعد وإذا القوم قد أكلوا ورفعوا أيديهم.
فمددت يدي لآكل فقال: أجهز على الجرحى ولا تتعرض للأصحاء! يقول: اعرض للدجاجة التي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ.
فأما الصحيح فلا تتعرض له.
وكذلك الرغيف الذي قد نيل منها وللفرخ المنزوع الفخذ.
فأما الصحيح فلا تتعرض له.
وكذلك الرغيف الذي قد نيل منه وأصابه بعض المرق.
وقال لي الرجل: أكلنا عنده يوماً وأبوه حاضر وبني له يجيئ ويذهب.
فاختلف مراراً.
كل ذلك يرانا نأكل.
فقال الصبي: كم تأكلون لا أطعم الله بطونكم! فقال أبوه وهو جد الصبي: ابني ورب الكعبة! وحدثني صاحب مسلحة باب الكرخ قال: قال لي صاحب الحمام: ألا أعجبك من صالح بن عفان كان يجئ كل سحر فيدخل الحمام.
فإذا غبت عن إجانة النورة مسح أرفاغه.
ثم يتستر بالمئزر.
ثم يقوم فيغسله في غمار الناس.
ثم يجئ بعد في مثل تلك الساعة فيطلي ساقيه وبعض فخذيه.
ثم يجلس ويتزر بالمئزر.
فإذا وجد غفلة غسله.
ثم يعود في مثل ذلك الوقت فيمسح قطعة أخرى من جسده.
فلا يزال يطلي في كل سحر حتى ذهب مني بطلية.
قال: ولقد رأيته وإن في زيق سراويله نورة.
وكان لا يرى الطبخ في القدور الشامية ولا تبريد الماء في الجرار المذارية لأن هذه ترشح وتلك تنشف.
حدثني أبو الجهجاه النوشرواني قال: حدثني أبو الأحوص الشاعر قال: كنا نفطر عند الباسياني.
فكان يرفع يديه قبلنا ويستلقي على فراشه ويقول: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا}.
حديث خالد بن يزيد: وهذا خالد بن يزيد مولى المهالبة.
هو خالويه المكدى.
وكان قد بلغ في البخل والتكدية وفي كثرة المال المبالغ التي لم يبلغها أحد.
وكان ينزل في شق بني تميم فلم يعرفوه.
فوقف عليه ذات يوم سال وهو في مجلس من مجالسهم.
فأدخل يده في الكيس ليخرج فلساً وفلوس البصرة كبار.
فغلط بدرهم بغلى.
فلم يفطن حتى وضعه في يد السائل.
فلما فطن استرده وأعطاه الفلس.
فقيل له: هذا لا نظنه يحل.
وهو بهد قبيح! قال: قبيح عند من إني لم أجمع هذا المال بعقولكم فأفرقه بعقولكم! ليس هذا من مساكين الدراهم.
هذا من مساكين الفلوس! والله ما أعرفه إلا بالفراسة.
قالوا: وإنك لتعرف المكدين قال: وكيف لا أعرفهم! لم يبق في الأرض مخطراني ولا مستعرض الأقفية ولا شحاذ ولا كاغاني ولا بانوان ولا قرسي ولا عواء ولا مشعب ولا مزيدي ولا إسطيل إلا وقد كان تحت يدي.
ولقد أكلت الزكوري ثلاثين سنة.
ولم يبق في الأرض كعبي ولا مكد إلا وقد أخذت العرافة عليه.
وإنما أراد بهذا أن يؤيسهم من ماله حين عرف حرصهم وجشعهم وسوء جوارهم.
وكان قاصاً متكلماً بليغاً داهياً.
وكان أبو سليمان الأعور وأبو سعيد المدائني القاصان من غلمانه.
وهو الذي قال لابنه عند موته: إني قد تركت لك ما تأكله إن حفظته وما لا تأكله إن ضيعته.
ولما ورثتك من العرف الصالح وأشهدتك من صواب التدبير وعودتك من عيش المقتصدين خير لك معين من هذا المال.
وقد دفعت إليك آلة لحفظ المال عليك بكل حيلة.
ثم إن لم يكن لك معين من نفسك ما انتفعت بشيء من ذلك.
بل يعود ذلك النهي كله إغراء لك وذلك المنع تهجينا لطاعتك.
قد بلغت في البر منقطع التراب وفي البحر أقصى مبلغ السفن.
فلا عليك ألا ترى ذا القرنين.
ودع عنك مذاهب ابن شرية فإنه لا يعرف إلا ظاهر الخبر.
ولو رآني تميم الداري لأخذ عني صفة الروم.
ولا أنا أهدى من القطا ومن دعيميص ومن رافع المخش.
إني قد بت بالقفز مع الغول وتزوجت السعلاة وجاوبت الهاتف ورغت عن الجن إلى الجن واصطدت الشق وجاوبت النسناس وصحبني الرئي.
وعرفت خدع الكاهن وتدسيس العراف وإلام يذهب الخطاط والعياف وما يقول أصحاب الأكتاف.
وعرفت التنجيم والزجر والطرق والفكر.
إن هذا المال لم أجمعه من القصص والتكدية ومن احتيال النهار ومكابدة الليل.
ولا يجمع مثله أبداً إلا من معاناة ركوب البحر ومن عمل السلطان أو من كيمياء الذهب والفضة.
قد عرفت الرأس حق معرفته وفهمت كسر الإكسير على حقيقته.
ولولا علمي بضيق صدرك ولولا أن أكون سبباً لتلف نفسك لعلمتك الساعة الشيء الذي بلغ بقارون وبه تبنكت خاتون.
والله ما يتسع صدرك عندي لسر صديق فكيف ما لا يحتمله عزم ولا يتسع له صدر وحرز سر الحديث وحبس كنوز الجواهر أهون من خزن العلم.
ولو كنت عندي مأموناً على نفسك لأجريت الأرواح في الأجساد وأنت تبصر ما كنت لا تفهمه بالوصف ولا تحقه بالذكر.
ولكني سألقي عليك علم الإدراك وسبك الرخام وصنعة الفسيفساء وأسرار السيوف القلعية وعقاقير السيوف اليمانية وعمل الفرعوني وصنعة التلطيف على وجهه إن أقامني الله من صرعتي هذه.